تشهد مدينة كاسل في وسط المانيا خلال الفترة الواقعة ما بين الثامن من يونيو والخامس عشر من سبتمبر 2002، واحدا من اكبر معارض الفن المعاصر في العالم، وفي اوروبا هو معرض «دوكمنتا» الحادي عشر الذي يقام في المانيا منذ عام 1955 واستطاع خلال فترة طويلة تصل الى نحو نصف قرن تقريبا ان يرسم معالم تاريخ الفن المعاصر باشكاله وصوره المختلفة ويبرز موضوع الفن التجريدي والثقافة المتقدمة والرائدة المحيطة به. وقد ارتبط معرض دوكمنتا للفن المعاصر خلال هذه السنوات الطويلة باسم الفنان والرسام الالماني المعروف البروفسور «ارنولد بوده» الذي ولد في مدينة كاسل عام 1900 وعمل ما بين عامي 1928 و1933 استاذا للرسم في برلين قبل ان يتولى بعد الحرب العالمية الثانية عمادة اكاديمية الفنون الجميلة في كاسل ويحقق في عام 1955 فكرة اقامة معرض كبير وشامل للفنون الجميلة خلال القرن العشرين اطلق عليه اسم دوكمنتا او «متحف المئة يوم» كمنشأة فنية ـ ثقافية تعرض صور الفن المعاصر وتحمل افكارا فنية جديدة لا حدود لها وتفتح ابوابها لكل شكل فني جديد ليس من الضروري ان يحصل على اعجاب جمهور المشاهدين والزوار. وكان آخر معرض من معارض «دوكمنتا» هو المعرض العاشر من سلسلة هذه المعارض الفنية الواسعة، الذي اقيم في عام 1997 وحمل شعار «100 يوم 100 ضيف» وكان من اهدافه اقامة حوار حي بين الجمهور والفنانين الضيوف الذين شاركوا في هذا الحدث الفني والثقافي الكبير، وناقشوا فكرة «عولمة الفن» في العالم، والثقافات الاجنبية غير الغربية والهويات الثقافية والفنية لدى شعوب العالم المختلفة. وبهدف متابعة الفكرة التي اعتمدها معرض دوكمنتا العاشر في ربط القارات والشعوب بعضها ببعض والقاء نظرة ثقافية ـ فنية شاملة خارج حدود ثقافة العالم الغربي تبنى القائمون على معرض دوكمنتا الحادي عشر هذا العام فكرة العولمة الثقافية والفنية في عالم اليوم وتبادل الثقافات بين بلدان العالم المختلفة، والتعايش مع صور الفن المعاصر بعد تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والوصول الى طرق جديدة في هذا المضمار اي الطرق التي تعكس الحداثة من خلال الفن، وتحقق التزاوج بين الفن من جهة والمكان والزمان من جهة اخرى. ويشرف على معرض دوكمنتا للعام الحالي الفنان الافريقي القادم من نيجيريا ««اوكوي انويزور» ليكون بذلك اول شخص غير اوروبي يتولى هذه المهمة الصعبة، والذي اشتهر في مهرجان جوهانسبرج الفني والذي يحمل فكرة ضرورة مناقشة موضوع «العولمة» الذي تدور حوله المناقشات في العالم خلال السنوات الاخيرة، من الناحية الثقافية ـ الفنية، طارحا سؤالا هاما في هذا المضمار هو: «ماذا يحدث في العالم اذا زالت الحدود بين الدول ولم يعد للمسافات اي معنى وعندما تستبدل الهويات الوطنية بهوية عالمية واحدة؟ خاصة بعد ان حولت وسائل الاعلام الحديثة العالم الى قرية صغيرة وسلطت الاضواء على الثقافات الفنية المختلفة؟» فمن هذا المنطلق يرفع هذا الفنان النيجيري لواء حوار الثقافات عبر الحدود في العالم. وسوف يعرض معرض «دوكمنتا» الحادي عشر خلال الفترة الممتدة ما بين شهري يونيو وسبتمبر من العام الحالي وفي اماكن متفرقة الاعمال الفنية والتشكيلية لما يزيد على مئة فنان وفنانة انتج معظمها خصيصا لهذا المعرض الفني الكبير كما سيرافقه عروض متنوعة من المسرحيات الموسيقية والفنية والحفلات والمهرجانات والمؤتمرات والندوات التي سيشارك فيها فنانون من مختلف انحاء العالم جنبا الى جنب مع برنامج شامل للافلام التي تناقش موضوع العولمة الثقافية والفنية في العالم كل ذلك في عدة اماكن مختلفة من مدينة كاسل الالمانية التي انطلق منها معرض «دوكمنتا» قبل قرابة نصف قرن. وفي اطار المعرض يجري تبادل الافكار بين الفنانين والفنانات والجمهور والزوار حول مواضيع الساعة، وفي مقدمتها العلاقة التي تربط الفن والمجتمع والافكار المثالية التي يعبر عنها الفن ومشاكل العالم والمجتمع المعاصرة، كالظلم والاضطهاد والعنف، وكذلك صورة العالم خلال الخمسين عاما الماضية، والاثار التي عكسها الفن على الحياة العامة الامر الذي يذكر بالمبادرة التي اطلقها استاذ الفن المعاصر في المانيا «يوزيف بويس» في اطار معرض دوكمنتا الخامس عندما دعا الى انشاء منظمة لممارسة الديمقراطية المباشرة من خلال الاستفتاء الشعبي كنموذج لتأثير الفن على الحياة العامة وكما فعل بويس آنذاك قرر «انويزور» اليوم اثارة المناقشات السياسية في اطار الفن والخيال لا في اطار الحقيقة البحتة، ولكن دون ابتعاد كامل عن الحقيقة في نفس الوقت الذي يرمي فيه هذا الفنان الافريقي ان يجعل من موضوع الفن الغربي الى موضوع «الفن العالمي» ويضيف قائلا: «ان التعامل مع الفن ليس مسألة اخلاقية لانه يتعلق بالانفتاح والارادة والرغبة في فهم الاعمال الفنية خارج حدودها الذاتية، وهي رحلة تحتاج الى وقت طويل وكثير من الانضباط والنظام والصبر والمعرفة. والواقع ان معرض دوكمنتا الحادي عشر لعام 2002 الحالي يأتي تتويجا لبرنامج شامل يضم محطات رئيسية احتلت مواقعها في عدة عواصم عالمية قبل ان تصل حاليا الى مدينة كاسل التي تحتضن هذا المعرض الثقافي الفني منذ قرابة نصف قرن، بينها اللقاء الذي اقيم في فيينا وبرلين خلال عام 2001 الماضي باشراف اكاديمية الفنون التشكيلية في فيينا وبيت ثقافات العالم في برلين والمؤسسة الالمانية للتبادل الجامعي وحضره عدد كبير من العلماء والفنانين من مختلف انحاء العالم ناقشوا فيه موضوع الديمقراطية التي لم تتحقق تماما بعد وكذلك المحطة الثانية التي تبنتها مدينة نيودلهي في العام الماضي ايضا ودارت حول «تجارب مع الحقيقة وتحول العدالة ومسيرة الحقيقة والمصالحة» والمحطة الثالثة التي شهدتها مدينة سانتا لوسيا في البحر الكاريبي وناقشت موضوع التطور الثقافي في العالم واخيرا المحطة الرابعة التي شهدتها مدينة لاجوس في مطلع العالم الحالي وشاركت فيها هيئة معهد جوته انترناسيونس حول الاخطار التي تهدد المجتمع في المدن الافريقية.