الايقاع :ما درس العربية دارس إلا فتن بسحرها، وما قرنها بغيرها باحث إلا وجد فيها من الاسرار، ما لا يجده في غيرها، كأن الله خص هذه اللغة الشريفة التي تخيرها لكتابة بكل اسباب الرفعة والمتعة، وجهزها بكل ما يرقى بالفكر، ويحرك الحس، ويسمو بالخيال. وقد يخطر لك وانت تغوص على اسرارها ان تعبر عن اعجابك بلغتك، فتقول: انها لغة الفصاحة والبيان، ولغة الجمال والخيال، وقولك، على ما فيه من صدق، لا يقع على المأثرة الحقيقية التي تتفرد بها العربية، وقد تعبر عن عجابك فتقول: هي لغة الشعر، وهذا القول مثل سابقه، لا يضع ايدى الناس على سر الاسرار في روعة هذه اللغة، فالنظم ليس وقفا على العربية وانما هو قدر مشترك بينها وبين سواها من اللغات السامية والآرية، ان اكثر اللغات الحية تصنع الادب منظومة ومنثورة، وتستطيع ان تصف الجمال، وتحرك المشاعر فهي لغات شعر ونثر، ولكنها ليست لغات شاعرة، فما معنى ان تكون العربية لغة شاعرة؟ معناه ان هذه اللغة منذ خلقت خلقت شاعرة، وانها اوتيت من العناصر الشعرية الفطرية ما لم تؤته لغة من لغات البشر، وهذه العناصر تتجلى على اوجه متعددة في حالاتها كلها، ما جل منها ومادق وما تفرد وما تركب، تظفر بها في الحركات كما تظفر بها في الاصوات، وتطالعك من بين المقاطع والتفعيلات كما تطالعك من بين الاوزان والقوافي، وتجدها في الكلمات المفردة كما تجدها في الجمل المركبة، فهي بنت الشعر وامه وربيبته وظهره، ولدت شاعرة، او يفعت شاعرة واكتهلت واكتملت، وظلت تعانق الشعر من بضعة عشر قرناً على الاقل الى قرننا هذا، اي منذ كانت لغة الطلل والغزل الى ان اصبحت لغة الثقافة والصحافة وحسبنا في هذه الخاطرة ان نكشف عن جانب شعري فطري واحد من جوانبها المتعددة وهو الايقاع. الايقاع في اللغة ان يبني المغني الحان الغناء على موقعها وميزاتها ولما كان الملحق المتفنن قادراَ بالايقاع الصناع على ان يتغنى بالنثر كما يتغنى بالشعر فإن ذلك يعني ان في كلام العرب المنثور اسراراً تجعله صالحاً للتطريب ولو لم يكن موزونا بأوزان الخلل، واصغر هذه الاسرار الحركات. لو أصغيت الى الفتحة والكسرة والضمة لوجدت انها انصاف الالف والياء والواو، ولو ضربتها على السلم الموسيقى لوجدت انها تعادل انصاف النغمات، وهذه الانصاف اللطاف تضيف الى انغام الكلام توقيعات سريعات تزيدها حيوية وتدفقا، والعربية كادت تنفرد بحركات الاعراب. ومع ان العبرية لغة سامية فإنا لا تشتمل على حركات الاعراب، وتشتمل على حركات الصرف، اي الحركات الطارئة على أوائل الكلمات واحشائها، أما الأواخر فسواكن، ففي العبرية «بتاح» اي فتحة، و«قبوص» اي ضمة، و«حيريق قطان» اي كسرة ولكنها لا تساور الأواخر. ولذلك تحس وانت تصغي الى اللغتين ان الايقاع العربي اجمل وأكمل في النثر والشعر على السواء، وعلى ذلك وفور النغيمات في العربية وقصورها في العبرية. والوفود لا يعني الكثرة وحدها، بل يعنيها، ويعني معها التناغم بين الحركات والسواكن، فليس في العربية ساكنان متجاوران، ولا لفظ اوله ساكن، وليس في لفظ واحد كثير الحركات، اما الفارسية والانجليزية فقد تجتمع في الكلمة الواحدة من كلماتهما ثلاثة سواكن مثل «ماست و strang وعندما تتعاقب هذه السواكن تتداخل الاصوات ويأكل بعضها بعضا. فاذا انتقلت من انصاف النغمات الى الانغام التوام، اي من المحركات الى الحروف وجدت الاصوات العربية موزعة توزيعا عادلاً على مدرج صوتي واسع يمتد من غور الحلق الى الشفتين ووجدت الاذن تقود اللسان، فلا تسمح له بالنشوز والجموح بل تضبط تنقله بين المخادع فمتى وجدته يتعثكل زجرته لئلا ينطق مثل «استشزرات» الواردة في بيت لامريء القيس التي تراكبت فيها اصوات «س. ت. ش. ز» لتقارب مخارجها ومثل هذا الرصيد الصوتي الدقيق قلما نجده في لغة اخرى ومنها الانجليزية والعبرية، لقد نص اللغويون الى ا ن لفظة «همخع ـ ومعناها الشوك ـ من اقبح القبيح، واوشكوا يخرجونها من الفصيح، على حين تجد في العبرية الفاظاً كثيرة من هذا النمط مثل «هاحاخام» و«هاحخما» اي الحكيم والحكمة وحسبك ان تتكلف نطق الكلمتين بضع مرات لنحس حشرجة في اللهاة وشوكا في الحلق، وخشونة في الصدى، وهي امور يشمئز منها الذوق العربي. ولما كانت الحركات حلية الاصوات فإن الاصوات حينما تنسق في كلمات لا تحتفظ بحلاوتها وحسب بل تضاعفت هذه الحلاوة، فتغدو الالفاظ المركبة من الحروف الملحنة الموقعة ذوات لحن وايقاع محسوسين مأنوسين، وتتجلى شاعرية العربية في بناء الالفاظ تجليا واضحا، اذ تميل عن الاطالة الى الاختصار، فأكثر الفاظها من الثلاثي واقلها من الرباعي والخماس نادر، اما الفاظ الانجليزية واللاتينية فإنها تطول احيانا حتى يبلغ بعضها بضعة عشر حرفاً. واذا اقررنا بجمال الحركات والاصوات فعلينا ان نقر بأن ما يبني من الجميل اجمل، اي: ان الكلمات المبنية اجمل من الاصوات المفردة والعربية لم تكتف بتحسين الصيغ، بل عمدت الى تحسين الاصوات بالابدال والادغام، فحولت المغترب الى المضطرب، والمذكر الى المدكر لئلا ينتقل اللسان من فخامة انصاد اى رقة التاء فيعثر كمن يظلع حين يطأ موطئا من طين وهو يسير على جلاميد صلبة. ولعل اجمل ما تتميز به لغتنا الشاعرة هو بناء الجمل على نحو يريح السمع والعقل فهيتؤثر الجملة القصيرة على الطويلة وايثارها يعين اللسان على الانشاد، والعقل على الفهم ويخلع عى الجمل المتجاورة انماطا من التوازن والتجانس والازدواج وهي حلية فنية يندر ان نظفر بما يعادلها في اللغات الاخرى، وربما تحول التوازن الى وزن، وانقلب النثر الى شعر، تقرأ السورة من القرآن وليس في ذهنك او اذنك اثارة من شعر او عروض فاذا انت امام شطر موزون فتحار كيف تفسر ما تقرأ وتفسيرها ان اللغة العربية تنطوي على مقاطع صوتية يسميها العروضيون اسبابا واوتادا وان لكل جملة ايقاعا خفيا مرتبطا على نحو من الانحاء بهذه الاسباب والاوتاد. فمتى تراضعت اللفاظ انبثق من بينها ايقاع فاذا كان رصفها عقوبا انطوى الكلام كله على ما يشبه الشعر وانطوى بعضه على اشلعر نفسه ولذا كان موقعا توقيعا مقصودا كان شعرا خالصا. واليك نموذجان من الايات التي وافق ايقاعها بحرا من ابحر الخليل في قوله تعالى «ومن ثاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» شطر من الطويل وفي قوله «صلوا عليه وسلموا تسليما» شطر من الكامل وفي مطلع سورة الكوثر «انا اعطيناك الكوثر» شطر من الجنب وفي قوله تعالى «فأصبحوا لايرى الا مساكنهم» شطر من البسيط وهذه النموذجات كافية للبرهان على شاعرية العربية فقد تبرأ القرآن الكريم من الشعر وبرأ النبي صلى الله عليه وسلم منه غير ان شاعرية العربية لا تستطيع ان تتخلى عن طبعها وطبيعتها ولهذا تجلى الشعر في كتاب الله وفي هذا التجلي ترسيخ لعروبة الوحي لا انتقاص منه. ولو رحبت الى كلام العرب لوجدت فيه جملا موزونة غير مقصودة ولا متعمدة ففي قول ابي بكر رضي الله :« يا أيها الناس قفوا اوصكم» شطر من السريع، وفي خطبة لعلي كرم الله وجهه شطر من الرجز وهو قوله: «معرفة والله جرت ندما» وآخر من البسيط وهو قوله: «هذا اخو غامد قد وردت خيله» ولو مضيت تضرب النثر القديم عى محك العروض لظفرت بآلاف الاشطار انتظمت بلا قصد». ومن الملاحظ ان هذا الايقاع الذي ترددت اصداؤه في اي الذكر الحكيم، وخطب الفصحاء القدماء لم تصمت ولم تبح بل بقيت تتردد فيما يكتب اليوم غير انها اخذت تبهت وتخفت لدى المتأثرين باساليب الاجانب وظلت تتأرجح وتتوهج لدى المتضلعين من التراث كالرافعى والزيات والعقاد وعلة الخفوت عند قوم والتوهج عند قوم البعد او القرب من اساليب العرب فالذين تأثروا بالصياغة الغربية وقبسوا من المترجم والمعرب، وتسللت إلى تراكيبهم المصطلحات الحديثة كالايديولوجيا، والرأسمالية واللامعقول ضئول حظهم من التطريب، اذ طالت جملهم، وتشعثت تراكيبهم، وتهجن ايقاعهم الاصيل بإيقاع دخيل. وبرغم الدخيل الذي خالط الاصيل بقيت لغتنا الشاعرة هي الظافرة والقاهرة. وبقيت نغماتها تتردد بين حنايا الصحف. ففي العدد (7960) من جريدة «البيان» يستطيع القاريء ان يقع على أشطار مثبوثة بين اعطاف المقالات، او معلقة على حياة العنوانات. فمن الرجز (كانت هناك واحة دافئة)، ومن المتقارب (دواءجديد يبث الأمل) ومن الوافر (وقد ادى انعدام النتروجين). وهذه النموذجات تثبت ان شاعرية العربية منتشرة في كل ما يكتب بها كانتشار الدم في الجسم، وان اصالتها اقوى من كل طاريء، وان ايقاعها ليس زخرفة يرقش بها ظاهر الكلام، وانما هو روح تحيا بها اللغة. افلا يحق لك ولكل عربي الادلال والمباهاة بهذه اللغة الشاعرة، والاعجاب والاطراب بنغماتها الخفية والظاهرة، وايثارها في المنثور الذي يقرب منثورك من المنظوم؟