في اطار احدى اكثر العمليات العسكرية الحديثة غموضا، انطلق سرب من طائرات الاف ـ 16 الاسرائيلية من الصحراء وضوء الشمس يسيطر على الافق وعبر على ارتفاع منخفض الاراضي الاردنية والسعودية، واخترق المجال الجوي العراقي ليصل الى قرب بغداد فيما يزيد قليلا على ساعة من لحظة انطلاق الطائرات من قواعدها. وكان من السهل رصد القبة المضيئة للمفاعل النووي العراقي «اوزيراك» من قبل الطيارين الاسرائيليين الذين قاموا بدورهم باطلاق القنابل عليه ليحولوه الى كتلة من الاطلال في غضون 80 ثانية. ولقد استشاط العالم غضبا من جراء تلك الغارة الاسرائيلية التي حدثت في السابع من يونيو عام 1981. وقالت مرجريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية حيذاك والغضب يملؤها: «لا يمكن تبرير هذه الهجمة العسكرية في مثل تلك الظروف،ان الامر يمثل خرقا للقانون الدولي» ووصفت جين كيرك باتريك المندوبة الاميركية لدى الامم المتحدة حينذاك الهجمة بأنها «بمثابة الصدمة» وشبهتها بالغزو السوفييتي لأفغانستان. وكانت الصحف الأميركية على القدر نفسه من الغضب، حيث قالت صحيفة «نيويورك تايمز» ان «الهجمة الاسرائيلية الخاطفة كانت عملا لا يغتفر وعدوانا ينم عن قصر النظر» ووصفت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» الهجمة الاسرائيلية بأنها «ارهاب دولة». وانطلقت اكثر تعبيرات الغضب من الأمم المتحدة. وادعت اسرائيل ان الرئيس العراقي كان يحاول تطوير اسلحة نووية وأنها كانت تتصرف للدفاع عن النفس، وهو الامر الذي قالت عنه انه تصرف قانوني طبقا للمادة 51 من ميثاق الامم المتحدة. غير ان الدول الاخرى لم تقبل الادعاء الاسرائيلي، حيث لم تر تلك الدول ان هناك دليلا على ان برنامج الطاقة النووية العراقي الذي كان حينذاك في بدايته وشهدت الوكالة الدولية للطاقة النووية بأنه برنامج سلمي لا يمكن ان يوصف بأنه برنامج عسكري او عدواني او موجه ضد دولة معنية. وعلى اية حال فإن اي عمل احترازي من قبل دولة ضد دولة اخرى لا تمثل تهديدا وشيكا يعد عملا غير قانوني. وأصدر مجلس الامن الدولي قرارا بالاجماع يدين الغارة الاسرائيلية وعادة ما تستخدم الولايات المتحدة حق الفيتو لمنع الامم المتحدة من تقريع اسرائيل، غير انها تلك المرة انضمت للمجتمع الدولي في ادانته لاسرائيل. وقامت حتى ادارة الرئيس ريجان حينذاك بوقف تسليم طائرات إف ـ 16 الى حليفتها المقربة. لكن كان هناك عنصر نفاق في عملية ادانة اسرائيل على الاقل عندما قامت ادارة ريجان بعد اشهر قليلة من الغارة بارسال طائرات إف ـ 16 نفسها الى اسرائيل. غير ان الساسة والناس العاديين في مختلف ارجاء العالم استشعروا بوضوح ان الهجمة الاسرائيلية الاحترازية قد وضعتنا كلنا على رأس طريق مليء بالتعرجات والانحدارات. فلو انه قد تم قبول العمل العسكري الاحترازي على انه عمل قانوني،. فإن الهيكل الهش بالفعل للسلام الدولي سيقوض اذ انه سيمكن بعد ذلك لأي دولة ان تهاجم دولة اخرى مدعية بأنها رصدت تهديدا ضدها، مهما كان هذا التهديد بعيدا. ومنذ ذلك الحين بدأنا في الانزلاق الى الاسفل. وكما ان العمليات العسكرية الاحترازية امور يحظرها القانون الدولي، فإن الأخذ بالثأر والانتقام هو الآخر امر يخالف القانون نفسه. فالدول يمكنها الرد على الأعمال المعادية عن طريق وسائل اخرى ولكنها ربما لا يمكنها اتخاذ اجراءات عقابية اذا لم يكن العمل المعادي الذي يتم الرد عليه يعد بشكل واضح جزءا من حملة عسكرية هناك نية لاستمرارها. فالهجمة التي تحدث بشكل فجائي وتنتهي من دون ان يعقبها هجمات اخرى ليست بتبرير كاف على القيام باجراءات انتقامية. لذلك فإنه لو قام الرئيس العراقي بعد تدمير المفاعل النووي، بإرسال طائرات ميج لضرب المفاعل النووي الاسرائيلي، فإن الامر سيعد غير قانوني ايضا. وعادة ما تحاول الدول ان تخلط العمل الانتقامي بالعمل الاحترازي وتغطي على دوافعها الحقيقية بتبرير الدفاع عن النفس. فعندما شكت ادارة ريجان في ان احد عملاء الحكومة الليبية قام بوضع قنبلة في احدى صالات الديسكو ببرلين مما ادى الى مقتل احد الاميركيين في عام 1986، امر ريجان الطائرات الاميركية بقصف ليبيا، واصفا هذه الهجمة بأنها «احترازية» على أساس انه كانت هناك بالفعل في ذلك الوقت اعمال ارهابية تمارسها ليبيا. وفي عام 1998، وبعد الانفجارات التي استهدفت السفارتين الاميركيتين كينيا وتنزانيا، امر الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون باطلاق صواريخ كروز على مصنع الشفاء السوداني للأدوية. وقال كلينتون ان المصنع كان يصنع اسلحة كيميائية وبيولوجية لصالح اسامة بن لادن الذي كان يعتقد انه كان وراء تفجير السفارتين. وقال كلينتون حينذاك انه كان هناك «دليل قوي ومقنع» على أن شبكة ابن لادن كانت تخطط لشن مزيد من الهجمات ضد الاميركيين، ولذلك فإن كان له الحق في القيام بهذا العمل العسكري. ولكن، بصرف النظر عن موقف بعض الحكومات الغربية القليلة التي وافقت او التزمت الصمت، فإن معظم دول العالم أدانت الهجمات الجوية الاميركية في عهدي ريجان وكلينتون، ولم تقبل هذه الدول باعتبار تلك الهجمات شرعية وتندرج تحت نطاق حق الدفاع عن النفس الذي يكلفه ميثاق الأمم المتحدة. وبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر العام الماضي، واصلنا عملية الانزلاق الى الاسفل، فقد اعطى مجلس الامن الدولي اميركا موافقته على اتخاذ عمل عسكري ضد من زعم قيامهم بالتفجيرات بموجب المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة. وفيما لم يتخل المجلس عن عدم قبوله بحق الانتقام، الا انه قال ان هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت من القوة الى درجة انه يمكن النظر اليها على انها اعلان عن قصد القائمين بها القيام بضربات اخرى. لذلك أضحى لواشنطن الحق في ان تقوم بهجمات للدفاع عن نفسها. الامر هنا يشوبه قدر من الجدل، إلا انه اذا لم يرفضه عدد كبير وكاف من الدول، فإنه سيكون تفسيراً وترجمة شرعية جديدة للقانون الدولي. الآن نحن امام احدث خطوة للانزلاق الى اسفل التل. ففي حديث له مؤخرا في وسط حمى الاهتمام بكأس العالم وأزمة كشمير بين الهند وأفغانستان، أعلن الرئيس الاميركي بوش عن مفهومه الجديد بشأن العمل الاحترازي العسكري. ويمكن ان يكون هذا التصريح الاكثر خطورة منذ توليه مقاليد الحكم. ففي واقع الامر، قام بوش بالموافقة بأثر رجعي على الهجوم الاسرائيلي على المفاعل النووي العراقي وقال ان اميركا لديها الحق في ان تضرب بشكل احترازي اي دولة تقرر اميركا انها تطور اسلحة للدمار الشامل او تدعم الارهاب ان الامر يعد بمناسبة تفويض واطلاق يد أميركا لشن حرب على العالم.لقد تحدث بوش الاب ذات مرة عن الحاجة الى «الشيء الرؤية» وحديث ابنه من ويست بوينت، هو عن «الشيء المبدأ» ويقول المسئولون الاميركيون ان هذا الحديث سيفضي الى وثيقة استراتيجية بشأن الامن القومي هذا الصيف. ولقد القى الكاتب البريطاني هوجو يونج مؤخرا في صحيفة «الجارديان» الضوء على تصريح وزير الدفاع البريطاني بأن بريطانيا لن تتردد في استخدام الاسلحة النووية بشكل احترازي. فقد كانت تلك هي سياسة الناتو ابان الحرب الباردة في مواجهة اي تهديد محتمل من قبل قوات حلف وارسو. فالناتو كان سيبادر باستخدام الوسائل النووية اذا دعت الضرورة، والآن يتحدث الوزير جيوف هون عن استخدام الاسلحة النووية ضد اي تهديد بالقيام بهجمة كيميائية وبيولوجية، ولكنه قصر هذه الامكانية على حال ان تكون القوات البريطانية في منطقة حرب وتحتاج الحماية من خطر وشيك. غير ان مبدأ بوش اكثر شمولا واكتساحا. فحتى اذا لم يكن هناك خطر وشيك، بشأن وجود القوات الاميركية في منطقة حرب أو وجود اعمال عسكرية يتم التجهيز لها ضد اميركا، فإنه يدعي انه لديه الحق في ان يقوم بشن هجمات عسكرية. وفي حديثه امام الطلبة الخريجين في ويست بوينت قال بوش: «امننا يتطلب تغيير القوة العسكرية التي تعودناها فقوتنا العسكرية يجب ان تكون مستعدة للهجوم في أي لحظة على اي مكان في العالم. فجميع الدول التي تقرر الاعتداء والقيام بالارهاب سوف تدفع الثمن!! وقد استغلت جميع الدول «الحرب على الارهاب» اما لتكسب ود واشنطن او القيام بالهجوم على المنشقين غير ان مبدأ بوش يذهب الى ما هو أبعد من ذلك فالرئيس الاميركي يقوم باختطاف برنامج محاربة الارهاب ويذهب به ليصطدم بأكثر ناطحات نيويورك قدسية، وهي الأمم المتحدة. فإذا لم يتم رفض مبدأه هذا بشكل سريع من قبل الدول الاخرى، التي من الافضل ان تكون الدول التي تطلق على نفسها حليفة لواشنطن، فإن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ستتلقى ضربة مميتة. ترجمة: حاتم حسين عن «جارديان»