في ايطاليا، تم مؤخراً، استدعاء فريق من الخبراء البريطانيين، وذلك في محاولة لإنقاذ مدينة البندقية من احتمالات الغرق المتزايدة بفعل الفيضانات التي تتعرض لها المدينة التاريخية، ولحماية قصورها القديمة من التهديد الذي يشكله اجتياح العواصف لهذه الأماكن الأثرية. وإلى أن يحين الوقت تنتظر خطة مثيرة للجدل لبناء سد مماثل للسد الموجود على نهر التايمز مؤلف من 79 بوابة، تزن كل واحدة منها 300 طن الضوء الأخضر. علماً بأن هذا السد سيكون من السهل رفعه لدى حدوث أي تهديد باجتياح مياه البحر المدينة. وتبدو الخطة شديدة الاثارة حول مدى تأثيرها على مياه البحيرات الصغيرة الضحلة، وعلى وجه التحديد الاحتمالات المتعلقة بإعاقة حركة تصريف المياه في المدينة الأمر المرجح ان يسفر عن قنوات صرف مليئة بالقاذورات والنتانة ناجمة عن ركود المياه التي لا تستطيع حركة المد العادية جرفها. لتجنب حدوث ما هو أسوأ، يقول المسئولون انه تمت الاستعانة بفريق الخبراء البريطانيين الذين تتلخص مهمتهم في وضع رسوم تفصيلية لرصد حركة المد والنباتات البحرية والمخلفات الثقيلة المترسبة في القاع، والتوصل الى مقترحات للحيلولة دون تعرض المدينة الى خطر التسخين وإلى ارتفاع مستويات المياه. يتوقع أن يبدأ الفريق الذي يتولى رئاسته بروفيسور ديفيد باترسون من جامعة سانت أندرو البريطانية خطته التي تصل تكاليفها إلى 250 ألف جنيه استرليني ويستغرق تنفيذها ثلاثة أعوام في شهر أغسطس المقبل. وإلى جانب الاستعانة بتقنيات الاستشعار عن بعد والتصوير بالأقمار الاصطناعية، سيقوم الفريق بقياس مستوى المياه والحياة البحرية بواسطة شبكة من الأجهزة العلمية المتطورة. ومؤخراً صرح باترسون بقوله: «إن مهمتنا الأولى تتلخص في البحث عما يحدث في الوقت الراهن والكيفية التي يتم العمل بواسطتها في البحيرات الضحلة، قبل البدء بتثبيت البوابات في أماكنها. وإذا توفرت لدينا هذه المعلومات فسيمكننا في حينها قياس مدى التقدم الذي تحققه المهمة بما في ذلك وضع الحلول المناسبة». قبل أيام كان زوار ساحة القديس مرقص يتزاحمون على شراء الأحذية الطويلة عوضاً عن الآيسكريم الذين يقبلون على التلذذ به في هذا الوقت من العام بسبب ارتفاع موج البحر عن مستواه المعهود. لكنه وعلى الرغم من معرفتهم قبل قرون بأن مدينة البندقية آخذة في الغرق إلا أن هاجساً كحدوث الفيضانات أصبح أمراً عادياً لدى هؤلاء. وقبل أيام عقدت في البندقية ندوة عائمة حول مشكلات البحر الأدرياتيكي، بمشاركة 250 عالماً وسياسياً ورجل دين وكان ذلك قد تزامن مع حلول موعد الاحتفال بعيد الشكر في كاتدرائية القديس مرقص ومخاوف من عدم تمكن رجال الدين من حضور الاحتفالات بسبب ارتفاع منسوب المياه عن معدله العادي. لكن على الرغم من أهميتها فإن فكرة اقامة السدود لا تبدو مقنعة بالنسبة للجميع. ويعلق باترسون على ذلك بقوله ان مشكلة تعرض البندقية للغرق من الأمور التي كانت متوقعة باستمرار جراء تحويل مصب نهر البو عن المدينة قبل قرون من الآن. إذ كان الهدف من وراء ذلك هو الحد من وصول الترسبات الثقيلة الى الميناء وإلى أكبر القنوات التي تشكل المسار الطبيعي للنهر وسدها. ويضيف: «ان المشكلة تتلخص في الأساس في ان المادة المترسبة أو الغرين هي التي تكون الضفاف الرملية والطينية التي تقف فوقها المدينة وما حدث في أعقاب توقف وصول هذه الترسبات أصبح يهدد المدينة بالغرق». كما ان ارتفاع منسوب المياه في غضون ذلك أدى على نحو تدريجي الى ازالة المستنقعات الملحية والمواد الطينية التي تشكل أساس تلك المناطق التي تحول دون وقوع المدينة تحت أي تهديد مباشر من البحر الادرياتيكي. اضافة الى ذلك فإن ما تعنيه الرياح الشتوية هو ارتفاع منسوب المياه بفعل الامواج العاتية التي تحدث شقوقاً في جدران القصور القديمة. ويتابع: «هناك خطط لإقامة سدود اصطناعية من المواد المترسبة لحجز تيارات المياه في جيب صغيرة «خليج»، إلا انني على الرغم من ذلك اعمل من اجل تنفيذ خطة لحمل المستنقعات الملحية على الارتكاز حول المدينة ورغم ان الخطة لن تؤدي الى منع ارتفاع مستوى الامواج الا انها ستعمل على تفريقها واضعاف قدرتها على التحطيم انها مجرد خطة فاعلة رخيصة التكلفة.كانت ساحة القديس مرقص الواقعة في اكثر المناطق انخفاضا قد شهدت اعلى معدل للفيضانات وصل عددها الى التسعين فيضانا بينما لم يصل عدد هذه الفيضانات الى اكثر من 60 في العشرينيات وهو اعلى معدل تم تسجيله الى اليوم وفي هذه الاثناء اصبح من الامور المعتادة في حياتهم ان يسمع سكان المدينة اصوات صفارات الانذار المتواصلة وان يخرجوا الى الشوارع وان ينخفض عدد هؤلاء السكان من 70000 الى النصف خلال السنوات الخمسين الاخيرة وان يستمر في التراجع. ان مدينة البندقية كانت ولاتزال تقف على اكوام من الخشب او جذوع الاشجار التي تغوص في الطين وفي لوحاته يصور كانالتو هذا المشهد على نحو توثيقي يشير الى ان حركة الموج قد اصبحت الآن اعلى من معدلها بالمقارنة بما كانت عليه خلال القرنين الماضيين حيث تصل زيادتها الى 30 انشا ما ادى الى حجب منظر السلالم الرخامية الجميلة التي لا تمكن مشاهدتها الا بوقع حالة مد منخفض. وبعيدا عما احدثه تحويل المواد المترسبة الى جهة اخرى بعيدة عن المدينة فقد اسهمت الاكتشافات الحديثة التي يقوم بها الانسان في الوقت الراهن في تدمير الوجه الجميل لمدينة البندقية تلك الصورة التي عملت على اظهارها الامبراطورية الفينيسية. يقول بروفيسور اردال اوزان (خبير تركي واحد الذين قدموا دراسات حول المدينة بان عوامل كاستخراج الغاز الطبيعي في المناطق الواقعة شمال البحر الادرياتيكي ساهمت كثيرا في هذه المشكلة )، «لقد اسهمت جهود استخراج الغاز ومد انابيب مياه الشرب تحت الماء في انخفاض مستوى سطح الارض الى ما يقارب نصف متر عن معدله العادي خلال الخمسين عاما الماضية واضف الى ذلك مشكلة ارتفاع منسوب المياه وكما يبدو فان هذا الامر ينذر بالخطر». يذكر ان اسوأ فيضان شهدته المدينة كان في سنة 1966 ففي تلك الاثناء نجح طوفان من الرياح الشرقية الجافة المثقلة بالغبار في دفع مياه البحر بقوة لتشكل امواجا عاتية تسمح للماء باختراق اسوار المدينة وتدميرها وادى ذلك في حينه الى بناء العديد من الممرات المرتفعة المقابلة للقنوات والى اعادة ترميم الضفاف الواقعة حول المستنقعات للحيلولة دون اجتياح البحر لهذه الاماكن لكن وعلى الرغم من ذلك فان هناك المزيد مما يحتاج اليه العمل على ايقاف تسرب المياه. في الوقت الراهن لايتوقع الخبراء انتهاء العمل في مشروع بناء السدود قبل حلول سنة 2007، الا انهم على الرغم من ان تكاليفه تصل الى 2 مليار جنيه استرليني يتوقعون له النهوض كاي مشروع حديث عملاق. لكن المشكلات التي تواجهها مدينة كالبندقية بالاضافة الى موجة التسخين التي تجتاح العالم لابد لها كما يتوقع الباحثون من المساهمة في زيادة تفاقم المشكلات الناجمة عن ارتفاع منسوب مياه البحر عن معدلها الطبيعي خلال القرن الحالي ما ينبيء عن توقع حدوث كارثة اكثر سوءاً. في النهاية يقول باترسون: «على الرغم من ان احدا لايمكنه ان يحول دون غرق مدينة البندقية الا انه بامكاننا ان نعمل على ابطاء وقوع هذه الكارثة، ان كل ما نأمل في حدوثه الآن هو تفويت الفرصة على اي فيضان لكي يغمرها وبالتالي الاستمتاع بها اطول مدة ممكنة » . ترجمة: مريم جمعة فرج عن «جارديان»