مع ان كبار رجال الأعمال الأوروبيين طلبوا من خوسيه ماريا أزنار رئيس وزراء اسبانيا ان يتولى مسئوليات مباشرة في الاتحاد الأوروبي اثر التصفيق الحار الذي استقبلت به كلماته في أكثر من محفل أوروبي، الا ان ذلك لا يعدو كونه شيئاً ينتمي إلى المظاهر الخارجية، أما على الصعيد الداخلي فهناك انقسامات في وجهات النظر، حيث يواجه ازنار أسبوعاً حافلاً ـ قمة اشبيلية والاضراب العام ـ يصطدم مع أسلوبه المعتدل المعتاد، لذلك نجده يقيس كلماته بحرص في هذا الحوار الذي أجرته معه «ايه بي سي» مؤخراً. ـ لدى الحكومة الاسبانية جبهات كثيرة مفتوحة (اضراب، أساقفة، قمة أوروبية)، ووضع معقد ما هو تعقيبك على هذا الوضع؟ ـ اننا في الجزء الثاني من الدورة التشريعية الثانية لحكومة «الحزب الشعبي» هذه ولا يزال لدينا تفويض منذ شهر مارس من عام 2000 وهو تفويض مضمون من قبل أكثر من عشرة ملايين صوت، ويقوم على حكم وتطبيق مشروع سياسي وبرنامج اصلاحيين بشكل عميق، ونحن ملتزمون بذلك، فالحكومة الاسبانية الحالية لم تبدل الموقف ولم تغير برنامجها الذي حققت درجة الالتزام به مستويات عالية جداً، ولذلك فنحن نستجيب للآمال التي علقها غالبية الاسبان علينا، وما يحدث هو ان المعارضة تجد نفسها في حالة قلق مفاجئ وغير عقلاني لأنه حتى العام 2004 لا يزال هناك متسع من الوقت وحالات القلق هذه ليست جديرة بالاحترام. ـ أليس لدى الحكومة دافع ما لاجراء عملية نقد ذاتي حتى لو كان ذلك في المعدلات أو في الاوقات أو في صياغات بعض المسائل، ألا يمكن القيام بانجاز الامور بأسلوب مختلف؟ ـ ليس لدى اسبانيا الوقت الذي تضيعه، ويتعين اتخاذ قرارات كثيرة، ويجب القيام بذلك بسرعة، وهذا لا يعني المضي بالامور على عجل، وإنما يقضي بالحفاظ على وتيرة حية للاصطلاحات، وما يقلقني أكثر هو ان يحاول أحد ما ايقاف أو سد الطريق بطريقة عقلانية قليلاً وغير عادلة أمام عملية الاصلاحات الايجابية بجوهرها بالنسبة للبلاد، فليس هناك من حكومة في الديمقراطية الاسبانية وقعت اتفاقات بهذا العدد مثلما فعلت الحكومة الحالية ولم نكن نحن الذين بدلنا الموقف ولا البرنامج انني اشدد على هذه الحقيقة. ـ ألم تغير الغالبية المطلقة من أساليب حكمها؟ ألم يتم التنازل في بعض الحالات عن نفاذ البصيرة في الدورة التشريعية الأولى؟ ـ لقد توصلنا بالمواثيق والحوار إلى توسيع القاعدة الاجتماعية والاتفاقات موجودة هناك، تمويل ذاتي، موافقات حول خطة المياه الوطنية، ميثاق العدالة، الاتفاق الخاص بالحريات ومحاربة الارهاب، المركز القومي الاستخباري، قانون الاحزاب السياسية لفتح الباب أمام تحريك وضع باتوسانا غير القانوني، اتفاقات اجتماعية ومن هنا فإنني اشدد على انه ليست الحكومة هي التي بدلت الوضع، ولا الحكومة هي التي غيرت البرنامج ولا الحكومة هي التي تقول مالا تؤمن به، هذه كلها أفعال موضوعية. ـ المعارضة لا تقول ذلك. ـ انني ادرك انه من السهولة بمكان أكثر، من وجهة نظر المعارضة اتهام الحكومة بالغطرسة والهيمنة، لكن الأفعال هي ما هي عليه، وإذا كان باستطاعة أحد تكذيب تلك الأفعال التي أضعها فوق الطاولة فليفعل ذلك. ـ يبدو ان عمل المعارضة تقوم به بعض الجهات المحدودة، مثل النقابات في الأسابيع الأخيرة، هل يعني ذلك اننا أمام استراتيجية للحزب الاشتراكي العمالي الاسباني. ـ لم أكن انا الذي قال ان المعارضة البرلمانية الحالية خالية من الافكار والمشروعات وان عليها ان تظهر كل ما لديها. ـ قاله فيليبي جونزاليس. ـ لكنني لم أقله، ما يمكن ان يطلب من المعارض علاوة على الانتقادات العقلانية القائمة على المشروعات هو مبادرات وبعض الخيارات ومن الصعب فهم موقف المعارضة أمام الدعوة للاضراب لأنه من الممكن ان يطلب من زعيم ان يقول رأيه في اصلاح البطالة إذا كان مع أو ضد الاصلاح أو انه يدعم الاضراب أم لا، ذلك ان المواطنين لهم الحق بمعرفة كل هذا، وفي هذه اللحظة نحن لا نعرف شيئا عن ذلك، فمن جانب يستنهض الاضراب ومن الجانب الآخر يقال لك اذهب إلى العمل وان المناضلين الاشتراكيين سيقفون إلى جانب المضربين، لكن في الوقت نفسه المنظمة لا تدعم الاضراب، وانهم سيذهبون إلى التظاهرات بصفتهم الشخصية، وذلك يثبت شيئين: عدم توفر المشروع وخسارة متنامية لمصداقية المعارضة البرلمانية. ـ على أي عناصر يجب التركيز لتقويم الاضراب بالنجاح أو الفشل؟ ـ تتحمل الحكومة الاسبانية ثلاث مسئوليات أساسية: اكمال التزاماتها العامة والدولية فيما يتعلق بتمثيل اسبانيا وهذا ما هو مرتبط بالمجلس الأوروبي في اشبيلية، ومن جانب آخر يتعين عليها ضمان الحريات للمواطنين سواء على صعيد ممارسة حق العمل أم حقهم في الاضراب وكلتا المسألتين شرعيتان، بشكل مطلق في اسبانيا. وعلى الحكومة ضمان ان تسير الحياة بشكل طبيعي وذلك باستكمال بعض خدمات الحد الأدنى التي تسمح لذلك المواطن بأخذ قرار ممارسة حق العمل و ان يكون بامكانه السفر واستخدام النقل ووسائل الاتصال.. إلخ، وان يكون بمقدوره ان يمارس كل ذلك بشكل طبيعي تماماً. ـ لكن الحكومة تعتبر اضراب 20 يونيو اضرابا ذا طابع سياسي. ـ لا يوجد أي تبرير للدعوة لهذا النوع من الاضراب، ولا توجد قضية ولا يوجد سبب ولا يوجد تبرير لذلك، والحكومة في جميع الاحوال، التي كانت يدها ممدودة طوال هذا الوقت، والتي أظهرت قرارها وقدرتها في توقيع الاتفاقات ستواصل مد يدها في 21 يونيو معلنة استعدادها لاعادة تثبيت المسائل الاساسية في الحوار الوطني، ومع ذلك ما سمعته من أطراف أخرى هو ان المواجهة والمواقف الهجومية ضد الحكومة ستتواصل إلى ما بعد 20 يونيو. ـ أمام حكومة بغالبية مطلقة، هل يؤدي الاضراب إلى تردي وضعها؟ ـ بدأت الدعوة إلى الاضراب منذ عامين، وبعض الداعين له صوتوا حينها لصالح خفض نفقات الأكل والسكن والبطالة وذلك عندما كان هذا البعض في مجلس النواب، لذلك يبدو لي واضحاً انهم يريدون استخدام أداة الاضراب للحصول على ما رفضته صناديق الاقتراع، وهذا خطأ كبير انها غلطة ان تكون المعارضة كبيرة وبدون خيارات وان تعتمد على شخصيات مذمومة جداً، وعلى قلة محدودة من الأسباب والبراهين التي يمكن ان تبرر دعوة لهذا النوع من الاضراب. ـ هل يوجد في الواقع أو في الافق قانون للاضراب؟ ـ مشروع قانون الاضراب الوحيد الذي أعرفه يعود إلى عام 1992 وللحكومة الاشتراكية على وجه التحديد في ذلك الحين، وكان أحد المقررين رودريجز زاباتيرو بالذات، وآخر هو خوسيه باريو نويفو، مما يدعو إلى الدهشة، أما حكومة «الحزب الشعبي» فلم تقر أي مشروع من هذا النوع. ـ هل تستبعد امكانية وجود مشروع قانون اضراب في الدورة التشريعية هذه؟ ـ الحكومة لا تعمل على ذلك التوقع. ـ مم يتكون «الفوز بالمباراة» وفقاً لكلمات نقلت عنك حرفياً أطلقتها أمام اضراب 20 من يونيو؟ ـ أريد ان أنقل للجميع رسالة واضحة، مضى على اسبانيا ست سنوات في عملية النمو، مختصرة مسافات مع الدول الأكثر تطوراً، وأصبحنا الآن فوق نسبة الـ 85 بالمئة للدخل المتوسط في الاتحاد الأوروبي، ولقد تم خلال السنوات الست هذه توفير ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف فرصة عمل جديدة، وهناك حوالي أربعة ملايين شخص اضافي ممن يستفيدون من الضمان الاجتماعي، ما يمثل رقما قياسيا تاريخياً، وهناك فائض في الضمان الاجتماعي نفسه الذي كان مفلساً ورصيد احتياطي لنفقات المعيشة يربو على ستة ملايين يورو حيث استفادت النساء والشباب كثيراً من هذا النمو الاقتصادي بتعبيرات العمل وانخفضت نسبة البطالة من أكثر من 23 بالمئة إلى 11 بالمئة فقط، وكل ذلك هو ثمرة سياسة اصلاحية يجب ألا تتوقف سنستمر بها لأننا نريد فرص عمل تامة، وتلك هي المباراة التي أريد الفوز بها لأننا ما زال لدينا 11 بالمئة من البطالة، وأنا لا أكتفي بذلك. ـ هل يهمك على سبيل المثال ألا يرى مطران ما المعطيات كما تراها أنت؟ ـ يقلقني ان تكون المعطيات جيدة بشكل موضوعي. ـ ألا يقلق المطران أيضاً؟ ـ كل المطارنة يحظون بفائق احترامي، على الرغم من انني لا اتفق بالضرورة مع ما يقولونه دائماً، لكن يهمني بالدرجة الأساسية ان تتحسن فرص العمل في اسبانيا، وربما يتعين على تصريحات مطران ان تدور حول من يصنع هذه المعطيات أما انا فهذا الجانب لا يشغلني، طبعاً. ـ يمكن ان يكون خطأ في الحسابات ان تطرح في الظروف الحالية مسألة اصلاح البطالة. ـ على ضوء التبريرات التي حددوها من أجل هذا الاضراب لدي انطباع بأن الخطأ الوحيد في الحسابات تمثل بالفوز بالانتخابات لسنا أمام مسائل حسابية أو فرص وإنما نحن أمام مسألة عميقة حقاً. ـ هل عاد الاتحاد العام للعمل إلى النواة الصعبة للحزب الاشتراكي العمالي الاسباني؟ ـ لا اعرف ذلك، لكن يبدو ان كل شيء يشير إلى ان هناك تراجعاً في تلك الخطابات التي كانت تبحث عن استقلال أكبر للنقابات بطريقة تستطيع الدفاع عن أوضاع أكثر انفتاحاً امام المجتمع وأمام الحوار الاجتماعي. ـ اقترح الحزب الشعبي الاندلسي بعض التعديلات في مرسوم القانون هل ستدرج هذه التعديلات؟ ـ دائماً كنا مفتوحي الصدر لتبني التحسينات التي تكون ضرورية ومعقولة، وما زالت نسبة البطالة في الاندلس هي الأعلى في اسبانيا كلها والسكان المزارعون هناك في انخفاض، لكن البطالة الزراعية أيضاً في ارتفاع، هناك يوجد شيء لا يعمل جيداً، ونحن نتفهم الاوضاع التي يمكن ان تنجم عن ذلك لكن لا توجد تغييرات وبدءًا من الآن سيكون هناك نظام وحيد لكل اسبانيا بمجملها وهذا أمر تضامني بحد ذاته، ويعبر عن روح التكافل الاجتماعي. ـ ألم يحن الوقت لاعادة تشكيل منظمة للحكومة؟ ـ مع الأسف، هذا الاجراء لا يجدي نفعاً. ـ هل سيتم في قمة اشبيلية تناول موضوع المهاجرين الذي سبب اضطرابات سياسية كثيرة في هولندا وفرنسا. ـ يوجد في جميع البلدان الأوروبية قبول واسع جداً حول القرارات التي يجب علينا اتخاذها ساعة مواجهة سياسية مشتركة للهجرة واللجوء في أوروبا، وأحد الأخطاء التي ارتكبت في بعض البلدان الأوروبية هو عدم توفر الرغبة في التصدي لحقيقة وضع ثبت لاحقاً انه جلب متابع ومخاطر أخرى ما نريده هو ان يكون لدينا في أوروبا تنسيق ايجابي ومعقول لموجات المهاجرين على قاعدة الشرعية، وبذلك نستبعد تصرفات آلية تصرفات ديماغوغية، ذلك انه في موضوع الهجرة ليس كل شيء يطرح له قيمته ومردوده لأنه يجب التمييز بين ما هو شرعي وما هو غير شرعي كما يجب الاعتراف بأن لدينا قدرة محدودة على استيعاب المهاجرين. ـ وما الذي يتضمنه ذلك الموقف؟ ـ محاربة الهجرة غير الشرعية بشكل صارم لأنها عبارة عن سبي تمارسه شبكات الجريمة وشبكات المافيا التي تكرس نفسها لتهريب الناس، ونحن لسنا مستعدين لقبول ذلك ولدينا أيضاً اقتناع مفاده ان الهجرة غير الشرعية تؤدي إلى المزيد منها. ـوماذا عن التنسيق في الاتحاد الأوروبي بهذا الخصوص؟ ـ هذه مسألة مهمة جداً وخطيرة جداً وتشكل جزءا مما تعنيه الالتزامات العالمية للاتحاد الأوروبي أيضاً، وذلك فيما يتعلق بالسيطرة على حدودنا الخارجية والتنسيق مع الدول التي هي أصل الهجرة غير الشرعية، ونحن سنتعاون مع تلك الدول لكن عليها الالتزام بواجباتها وملاحقة عصابات المافيا، واذا لم تلتزم هذه الدول بتلك الواجبات عندها يتعين على الاتحاد الأوروبي الاحتفاظ لنفسه بحق مراجعة مسألة التعاون برمتها، هذا ما يشكل حجر الزاوية ضمن حزمة شاملة سيتم تناولها لأول مرة بالتفصيل في اشبيلية، والتي ستقدم لبعض القرارات العميقة والمهمة بالنسبة لمستقبل أوروبا وبالنسبة لتحديد تلك السياسة المشتركة المتعلقة بالهجرة واللجوء. ويوجد حول هذا الموضع اجماع واسع جداً وراسخ جداً بين جميع الحكومات الأوروبية. ـ هل سينقل ذلك القبول بالخطوط العريضة إلى ما يماثلها من قوانين وطنية؟ ـ تتمتع تلك الخطوط العريضة ببعض المضامين العامة والمسئوليات المحددة، ويمكنها ان تكون أيضاً مسئوليات مؤسسات أخرى، كاللجنة على سبيل المثال، ولذلك يتعين على اللجنة الأوروبية التوصل إلى اتفاقات حول اعادة قبول بلدان ثالثة تلتزم من خلالها هذه البلدان بالعودة إلى استقبال غير الشرعيين الذين خرجوا من تلك البلاد، وهذا سيترجم في التشريعات الوطنية لكل دولة إذا كان ضرورياً. ـ الام توصلنا في النهاية، هل سيتم الغاء مفهوم الاستقرار العائلي واصلاح القانون الحالي الخاص بالاجانب أو ستكون هناك تعديلات طفيفة بدون أهمية؟ ـ ستقوم اسبانيا بالتعديلات التشريعية اللازمة وذلك في خدمة قرارات المجلس الأوروبي في اشبيلية أي اننا سوف نضبط ايقاعنا على السياسة المشتركة في أوروبا. ـ من الملف للانتباه ان تتفاهم أنت وبلير جيدا في هذه المسألة وفي مسائل أخرى مع ان الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني هنا لا يفعل ذلك. ـ هنا تم التلاعب بضعف الحكومة في هذه المسألة أيضاً، وينسى بشكل متكرر انه في نهاية الدورة التشريعية السابقة أقر ضد الحكومة قانوناً للهجرة تحت صرخات وثائق للجميع، لكن في الدورة التشريعية هذه وقفت المعارضة ضد قانون الاجانب في هذه الحكومة على الرغم من انهم يطلبون الان بتطبيقه بحذافيره. ـ لوحظ مؤخراً ان ظاهرة الهجرة عمت حركات انتخابية كبيرة في أوروبا. ـ لقد تعممت ظاهرتا الهجرة والارهاب اللتان تجابهان بشكل سيئ على أوسع نطاق، وما يجب ان نفعله نحن الاحزاب الأوروبية المعتدلة خصوصا الاصلاحية والمركزية منها، هو الحث باتجاه سياسات ذات مضمون مشترك وتنظيم منطقي. ـ نعود إلى بلير. ـ الحكومة البريطانية هي حكومة عمالية لكنها اصلاحية، بشكل عميق، وما يدعو إلى الفضول ان يقودها الشخص الوحيد من أصل اشتراكي والذي جدد تفويضه، مما يجب ان يشكل عنصراً جيداً بالنسبة لامعان النظر في الاشتراكية في أوروبا ولقد تعاونا مع الحكومة البريطانية بمسألة الهجرة وفي اصلاح منظمة «الناتو» أيضاً وهكذا عندما يتم تناول المشكلات انطلاقاً من مواقف رصينة، فإن التعاون ينشأ بطريقة طبيعية. ترجمة: باسل أبو حمدة عن «ايه بي سي» ـ اسبانيا