تمر الطريق المؤدية الى بلدة الخيام في جنوب لبنان بمشهد يعد من اجمل المناظر الطبيعية التي رأيتها في حياتي، وافضل الاماكن التي يمكن من خلالها التمتع بهذه المناظر الخلابة هو المتحف الموجود على قمة التل، حيث يمكنك احتساء كوب من الشاي والتطلع عبر النوافذ العملاقة المطلة على السلاسل الجبلية ذات اللونين القرنفلي والرمادي. وعلى الرغم من انه مكان قصي تملؤه السكينة ويسيطر عليه الهدوء فإن العدد القليل من السياح الذين يذهبون الى هذا المتحف لا يبدون تلهفاً للمكوث فيه طويلاً ويرجع هذا الى ان جمال المناظر وروعة المكان يجعلان ما حدث في قلعة الخيام امراً لا يحتمل التفكير فيه. فمنذ عامين فقط، عندما انهى الاحتلال الاسرائيلي سيطرته بشكل نهائي على الجنوب اللبناني، كان هذا المكان عبارة عن معسكر اعتقال، يشهد كما تقول منظمة العفو الدولية سلسلة «منتظمة» من التعذيب. ولا تزال السلاسل معلقة من احد الهياكل الذي يبدو كالمشنقة يحميها من الرياح حائط ممتد، لكنه لا يستطيع منع اشعة الشمس عنها. وبناء على اقوال عدد ممن اعتقلوا في هذا المكان فإن هذه السلاسل كانت تستخدم لتعليق السجناء من ارجلهم. وفي المعسكر من الداخل، والذي يشبه ثكنات عسكرية محطمة، هناك زنازين بلا نوافذ كان يتم حبس المعتقلين فيها بشكل انفرادي، واكبر زنزانة موجودة لا تتسع الا لرجل واحد يجلس على ركبتيه حيث لا تتسع الزنزانة لوقوفه او نومه وهناك اسلاك كهربائية تتدلى من الاسقف في غرف الاستجواب، وعلامات على الحائط سجل عليها اسماء المعتقلين الذين ماتوا بسبب التعذيب. وخلال 16 عاماً، تم اعتقال مئات من الرجال والنساء والاطفال اللبنانيين من دون محاكمة وتقريباً خلال نصف هذه المدة لم يكن الاسرائيليون وميليشيات جيش جنوب لبنان التابعة لهم، يسمحون لأي جهة بالدخول الى المنطقة بما في ذلك الصليب الاحمر. ويتجلى تأثير عمليات التعذيب تلك في وجود تلك الرسومات التي بدأت في الظهور على حوائط المعسكر للتعبير عن كره كل ما هو اسرائيلي، وتظهر ايضاً في شعبية وشهرة حزب الله الذي يرفرف علمه في كل مكان من الجنوب اللبناني وهو يحمل اللون الاصفر الذي يظهر فيه بالاسود رسم بندقية الكلاشينكوف. وتظهر كذلك ملصقات تحمل صور الشهداء من الشباب اللبناني الذين قاموا بتفجير انفسهم لطرد الاسرائيليين الى الحدود. في هذه الايام يعكف حزب الله على تغيير صورته لتتحول الى حزب سياسي يتمتع بالنفوذ، ويعمل على القيام بهذا الامر بشكل يدعو الى الحذر، فخلال الانتخابات الاولى التي شهدتها المنطقة بعد رحيل الاحتلال الاسرائيلي كان جميع الفائزين في الانتخابات ينتمون الى قائمة حزب الله او يدعمهم الحزب او من الحزب المنافس، حركة امل... هناك متجر هدايا في مدينة صور يمكن للمرء ان يشتري منه خواتم وقمصانا تحمل شعار حزب الله، والتي تعد من اغرب انواع التذكارات التي يمكن العثور عليها في اي مكان بالعالم. ويزيد التأييد الذي يحصل عليه الاسلاميون في كل مرة يصاب فيها مدنيون لبنانيون بسبب الالغام الأرضية التي تقدر بالآلاف في الاراضي اللبنانية، حيث تقول مصادر من الأمم المتحدة ان هناك ستة اشخاص تتم اصابتهم كل شهر بسبب تلك الالغام وتنتشر الالغام بشكل كبير بالقرب من الحدود مع اسرائيل ولا يزال المزارعون المحليون غير قادرين على زراعة اراضيهم بسبب تلك الألغام فنحن كانت لدينا أوامر مشددة مؤخراً بالالتزام بالمشي على الشوارع والطرقات الموضوع عليها علامات تدل على عدم وجود ألغام بها، وعدم البعد عن تلك الطرق مهما كانت مغريات المناظر الطبيعية، فتلك ليست منطقة يمكن السير عليها بشكل تلقائي ومن دون حذر ويحتاج الاجانب الى اذن من الجيش اللبناني لزيارة الجنوب اللبناني، وهذا الاذن يتطلب عملية تستغرق وقتاً طويلاً ينجزها مجموعة من الجنود اللطفاء في صيدا يأخذون في التحدث معنا باعجاب عن نادي مانشستر يونايتد اثناء انجاز وملء البيانات والاستمارات اللازمة. ويا له من امر يدعو الى الشفقة ان يكون للصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين هذا التأثير البسيط على مسار الحياة اليومية في لبنان، وهو بالتأكيد امر يدعو الى المفاجأة حقاً ان هناك اشارات مستمرة تذكر بهذا الصراع، والتي احياناً ما تصل الى درجة تصدم الاوروبيين فعلى سبيل المثال، سئل آخر المتسابقين العرب في التقليد العربي لبرنامج «من سيربح المليون؟» ان يضع المجازر التي قام بها الاسرائيليون ضد المدنيين العرب في ترتيبها الزمني الصحيح. الا انني لم اشعر بعدم الامان، حتى عندما ذهبت الى مخيمات اللاجئين في صبرا وشاتيلا، وقدم لنا رجلان لبنانيان وروداً بيضاء نضعها امام وجوهنا عندما نمشي خلف المنازل المحطمة واماكن القمامة ذات الرائحة المنفرة. إلا أن هذا لا يعني ان الامر كان بمناسبة تجربة مريحة، لا سيما عندما تشاهد على الطبيعة العواقب الوخيمة لنصف قرن من الحروب المدنية عبر الحدود ولكن ما تتركه هذه الصورة من انطباع هو كرم الضيافة الذي يعتبر بمثابة القانون السائد في هذا الجزء من العالم وكذلك ثلاثة آلاف عام من الفن والثقافة وتماماً بعد بزوغ الفجر في نهاية الاسبوع الماضي، عندما بدأت حافلة الركاب التي كانت تقلني الى دمشق في السير هابطة على المنحدرات الشرقية لجبل لبنان، رأيت فجأة سهل البقاع يمتد اسفل الحافلة بأراضيه الخضراء التي تومض في الضباب تلك الصور من الجمال الاخاذ بجانب الصور التي تثير الرعب في بلدة الخيام هي التي تطرق ذهني كلما فكرت في الشرق الاوسط والشعب ذي المرونة غير الاعتيادية على التأقلم الذي يعيش على تلك الارض. ترجمة: حاتم حسين عن «الاندبندنت»