قبل حوالي شهر من الآن، تم نقل افراد من الكتيبة الاولى في وحدة القوات الاميركية الخاصة الثالثة بالحافلة الى مجمع تظهر عليه ندبات القنابل على اطراف كابول، وانه المجمع الذي كان في يوم من الايام، مقر الاكاديمية الوطنية العسكرية لافغانستان وصار بعد ذلك خرائب تتناثر فيها نفايات الحرب والاهمال. ولا شك في ان اعادة بناء الثكنات العسكرية ومباني المكاتب تشكل تحديا كبيرا، لكن الاميركيين اخذوا على عاتقهم مهمة اكثر صعوبة فهم يحاولون الانطلاق من نقطة الصفر في تدريب نواة جيش وطني افغاني جديد، متعدد الاثنيات، وغير منخرط بالحياة السياسية ومستعد وقادر على حماية البلد وحكومته الوليدة، وبرغم العقبات الكبيرة الواضحة، يتعين عليهم انجاز المهمة بسرعة ويقول احد المدربين القائمين على تأهيل وحدات الجيش الجديد: افضل تدريب كل كتيبة على ستة اشهر الى عام كامل لكن الان يطلب مني انجاز المهمة في عشرة اسابيع، انها ليست بالمهمة اليسيرة. لكنها بكل تأكيد مهمة حيوية فعلى الرغم من وجود جيوش عديدة في افغانستان الا انها جميعاً تعود لامراء الحرب وليس للحكومة الوطنية المؤقتة في كابول، لايوجد قوة مقاتلة واحدة تعمل من اجل مصالح البلد. وفي الوقت الحاضر فان قوات حفظ السلام الدولية تبسط نفوذها في كابول فقط، وفي نهاية المطاف سيتعين عليها تسليم المسئولية للحكومة والانسحاب، وبدون جيش حقيقي، فان احتمال عودة حالة الفوضى التي انتجت انظمة مثل طالبان وامراء الحرب الذين تهيمن عليهم الضغائن سيكون احتمالا واردا، ويقول مصدر في الجيش الاميركي: الجماعات الخارجة عن القانون مثل تنظيم القاعدة ستعود مجددا وتتقيح وتجند الرجال وتنشر الحقد بغياب قوة عسكرية وطنية حقيقية. ولا يزال الهدف بعيد الامد الذي يتمثل في بناء جيش قوامه 60 الف جندي بعيدا في المستقبل، ونظرا للبنية التحتية المدمرة في افغانستان، فان مجرد ايصال المجندين الجدد من مختلف انحاء البلد الى بوابات الاكاديمية يصبح مهمة شاقة للغاية. ويقول المقدم كيفن مكدونيل، الذي يتولى التدريب في المجمع: اذا تجمع الجنود هنا، لا استطيع مباشرة التدريب. واضطر مكدونيل للبدء بالتدريب بعدد من الجنود اقل من العدد المطلوب، اذ كان من المفترض ان تتألف الكتيبة الاولى من 605 رجال، لم يصل منهم سوى 400 نقل معظمهم جوا من مراكز التجنيد، فيما وصل آخرون على ظهور الخيول والبعض الآخر سيرا على الاقدام. وبسبب فرط حماسة المسئولين الافغان القائمين على جهود التجنيد، فان العديد من المجندين لايدركون تماما معنى انتسابهم للجيش وطبيعة المهام التي ستلقى على عواتقهم، الجندي شمس الدين، وهو سائق جرار سابق في الـ 22 من عمره من مقاطعة فاريب بشمال غربي البلاد، غادر منزله وفي رأسه احلام بالسفر الى بلاد اجنبية وجني مال وفير من خدمته في الجيش. ويقول شمس الدين: اخبرونا اننا سنتقاضى 250 دولارا في الشهر وان التدريب سيكون في تركيا. لكنه اكتشف الآن ان مرتبه الشهري 30 دولاراً فقط وسيرتفع الى 50 دولارا بعد استكمال الدورات التدريبية وان الاضواء الساطعة الوحيدة التي يتاح له رؤيتها مرة في الاسبوع هي اضواء كابول. ويضيف: لو علمت ان الامر كذلك، ربما ما قدمت الى هنا اصلا، وصل شمس الدين الى المجمع مع 20 مجندا آخر من مقاطعته، ثمانية منهم عادوا الى قراهم وهناك ايضا مشكلة اللغة حيث يتعين ترجمة الدروس والاوامر الى عدة لغات مما يتسبب بالاحباط للطلاب والمجندين على حد سواء. ويقول احد الرقباء الاميركيين الذين يقومون بالتدريب: «عندما تترجم التعليمات مرة، يضيع منها القليل، وعندما تترجم مرتين يضيع منها قدر اكبر». وفوق ذلك كله فمن الغريب انه في بلد يفيض بالبنادق، يواجه المعسكر صعوبة في الحصول على الاسلحة للتدريب. فالطلبات يجب ان تمر عبر وزارة الدفاع، مملكة محمد قاسم فهيم الذي يتباهى بامتلاك جيش شخصي قوامه 18 الف رجل على الاقل. فدعم هذا الوزير يأتي من قواته الخاصة وليس من قوات البلد. والاولوية بالنسبة له تلبية احتياجات رجاله، وعلى الجيش ان يتدبر اموره بكميات الاسلحة المحدودة التي توافق عليها وزارة الدفاع. ويقول مسئول عسكري غربي رفيع المستوى في كابول: «ان دعم جيش تدربه اميركا لا يأتي على رأس قائمة اولويات وزارة الدفاع». وحتى عندما تستكمل دورة التدريب، ليس هناك ما يضمن التزام الجنود باتمام خدمة العلم لمدة اربع سنوات كما هو مذكور على الورق. ففي وقت سابق هذا العام، قام البريطانيون بتدريب اول كتيبة من الحرس الوطني الافغاني في دورة مكثفة جداً على مدى ستة اسابيع. وفي شهر ابريل تخرج 550 جندي حرس جدد تسلموا مناصبهم. لكن منذ ذلك الحين انخفض عدد الكتيبة إلى اقل من 400، حيث راح الجنود الذين خابت آمالهم يتركون فرقة الحرس الوطني ليبحثوا عن عمل آخر او يعودوا إلى مقاطعاتهم. لكن الاميركيين يدركون هذا الوضع ولا يتوقعون الخروج بوحدات مقاتلة مثالية في المدى القريب. ويعبر مكدونيل عن ذلك بقوله: «اذا كان التقدم العسكري على ثلاثة مراحل: زحفاً ومشياً وعدواً، فاننا في مرحلة الزحف الآن». ترجمة: علي محمد عن «تايم»