كيف يمكن للدراسات المزدوجة للمستقبل والماضى ان تساعدنا على اتخاذ قراراتنا فى الوقت الحاضر؟ هل يمكن ان يكون للجمع بين الكيفية التى اصبح بها شبح الحرب يسيطر على الولايات المتحدة، منذ البداية الى الان وبين السيناريوهات التكهنية التى تبنتها مؤسسات مثل رويال دوتش وشل اية علاقة بالأزمات الراهنة كالأزمة ما بين الهند والباكستان؟ أعتقد أنه يمكن لها ذلك فنحن نمر الآن بإحدى تلك المراحل النادرة من خلال الـ 500 عام الأخيرة من التغيرات الجوهرية. إن تطورات مثل شبكة الإتصالات العالمية التى استطاعت أن تغزو الكترونياً كل الثقافات، والمنظومة الكونية لحقوق الإنسان التى استطاعت أن تخترق حواجز السيادة والنظام الدولى المالى والتجارى التى تتجاهل الحدود والمشكلات التى تتخطى الحدود القومية التى تشكل تهديداً للبيئة أو التى تنشر الأوبئة ونشر أسلحة الدمار الشامل الذى يتعدى حدود الدول الى الجماعات التى لا يمكن ردعها أو السيطرة عليها بتحديد مواقع وجودها، كل هذه التطورات تضعف بنية الولايات المتحدة التى صرنا نعرفها منذ سبعينيات القرن التاسع عشر باعتبارها الدولة القومية. لقد حلت الدولة القومية محل دولة القرن التاسع عشر التى كانت هى بدورها قد حلت محل (الأنظمة القديمة) للقرن الثامن عشر والدكتاتوريات المطلقة للقرن السابع عشر والقرن الخامس عشر. وكانت دول القومية قد تعهدت بالعمل على تحقيق مستوى من الرفاهية المادية لشعوبها. لقد قدم روزفلت وستالين وهتلر كلهم هذه التعهدات، على الرغم من اختلافهم حول كيفية الوصول اليها كما خاضت الدول القومية حرباً طويلة فى القرن العشرين من أجل تقرير ما إذا كانت الشيوعية أم الفاشية أم البرلمانية النيابية هى التى ستخلف بشكل بديهى الدول الإمبريالية الى حلت محلها. وعندما انتهت الحرب الطويلة فى سنة 1999 بانتصار النزعة البرلمانية، أخيراً، اعتقد الكثيرون أن مرحلة متصلة من السلم قد أصبحت ممكنة. غير أن صراعات جديدة حلت محلها فى الشرق الأوسط، وفى شبه القارة الهندية، وفى يوغسلافيا وأماكن أخرى من العالم. ذلك لأن الدولة القومية اشتملت ضمن ما اشتملت عليه وعودها بأن يكون لكل دولة لغز محير تصبح بموجبه أى أقلية فى أى دولة مؤهلة لأن تقيم دولتها المستقلة التى يتاح لها أن تمثل فيها أغلبية؟ إن هذه المسألة هى التى جلبت العنف الى دول منطقة البلقان والى فلسطين. وجعلتنا نعيش على شفا الهاوية ـ حتى فيما يتعلق بامكانية قيام الحرب فى كشمير. إن دولة القومية المدمرة لا تعنى نهاية الدولة ذاتها. وأكثر من ذى قبل فإن شكلاً جديداً يبدو مرشحاً للظهور كما حدث هذا من قبل. إنه هذا النظام الجديد ـ دولة اقتصاديات السوق ـ التى ربما حملت فى يوم من الأيام الوعد بالسلام الى باكستان والهند. إن دولة اقتصاديات السوق وبخلاف دولة الأمة تسعى الى السلطة من خلال وعودها بتوفير الحد الأقصى من الفرص لمواطنيها. ودولة اقتصاديات السوق الناشئة للتو بإمكانها أن تظهر باشكال مختلفة تستطيع أن تطلع عليها المشروعات الإبتكارية، الإدارية وتجارية وفى الكتاب الجديد الذى أصدرته مؤخراً بعنوان «ترس أخيل» يفرد الناشر الين لين جزءاً مطولاً لتقديم تسعة سيناريوهات يتصور أنها ستنهى السيناريوهات التى تشتمل عليها أحداث القرن الحادى والعشرين.أحد اهم التطورات المتوقعة هى «المظلة» المشتملة على دول مختلفة تتمتع بالحماية المشتركة لدول تجارية كبرى كاليابان حيث بإمكان هذه المظلة أن توفر مخارج للأمم التى تسعى لإقامة دول دون الحاجة الى اللجوء للعنف. وبالطبع فان اسرائيل وفلسطين تحتاج كل منهما للأخرى لأسباب اقتصادية كما تحتاج البوسنة لكرواتيا وصربيا لأسباب أمنية. أما آخر ما تحتاجه الهند كجارة فهو دولة فاشلة مسلوبة القوة لديها شعور بالمرارة تملك أسلحة نووية تستطيع الدخول معها فى مواجهة قاتلة على الحدود كلما اصبح من الصعب على تلك الحدود أن تكون اكثر أمناً. ولاشك فى أننا نمر بمرحلة فى عمر العلاقات الدولية يتحتم علينا خلالها أن نغير المفاهيم الأساسية التى تحكم مبدأ إنشاء الدولة. فعلى مدى خمسة قرون كانت مصادر الثروة لأي دولة قادرة على تحطيم دولة أخرى حيث كانت الدول وحدها هى التي تحشد مصادر دخلها العظيمة وتجند جيوشها الضخمة، وتتسلح بأنواع القوة العسكرية اللازمة لتهديد حياة الدول الأخرى. وبالطبع فإن فرض مثل تلك التهديدات، والقدرة على تحقيقها، هى التى أسست لقيام الدولة الحديثة. فى مثل هذه الظروف التى نتحدث عنها كان ممكناً لكل دولة أن تدرك أن عدوها يمكن استدراجه من أى فئة صغيرة من اعدائها المحتمل ظهورهم الا أن ذلك لم يعد صحيحاً اما اسبابه فتعود الى التقدم الذى شهده العالم فى مجال وسائل الإتصالات، واستخدام الكمبيوتر واسلحة الدمار الشامل. ان التغير الذى سيطرأ فى مجال صناعة الدولة المتزامن مع هذه التطورات سيكون عميقاً الى الحد الذى لم يتصوره احد من قبل. غير أن على مجتمع الدول كلها أن يتمكن من انتاج سلع تميل السوق الى الاستخفاف بها، كالتحالفات المبررة للتدخلات لأسباب انسانية، والأنظمة الواقية للبيئة والبروتوكولات التى تحول دون وقوع المجاعات والأمراض القاتلة. وعلى الرغم من ذلك، فان طموحات الدول الكبرى ومنها دول الإتحاد الأوروبى والأمم المتحدة ليست بتلك التقدمية ولا يمكن لأى دولة لوحدها أن تحصل عليها من خلال التعاون أو اى نظام عالمى وما زالت تنمو بقوة. مع ان احداث 11 سبتمبر منحت هذه الأفكار زخماً جديداً الا انها فى الواقع مكتوبة قبل هذا التاريخ فى الوقت الذى عملت فيه لدى وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض مع رؤساء جمهوريين وديمقراطيين، وكنت خلاله أقوم بتدريس القانون والعلوم الإستراتيجية فى عدد من الجامعات. وكنت اطمح فى ذلك الوقت الى الجمع بين علوم الحرب والقانون والتاريخ. والواقع انه لا يمكننا ان نقاضى القانون على نحو شديد الفاعلية كما انه لا يمكنننا ايضاً أن نقود الحرب دون ان يكون لدينا الوعى الكافى بالتحولات الدستورية التى يتحتم عليهما ان يجلباها معهما.ان الحرب ليست كعلم الأمراض التى يمكن تجنبها بمجرد اتباع اجراءات صحية او معالجات معينة. ولكنها حالة طبيعية للدولة، يتم تنظيمها لكى تتحول الى أداة فاعلة للعنف بتفويض من المجتمع.ان الحروب تشبه الموت الذى على الرغم من انه يمكن تأجيله الا أنه يأتى فى اى وقت شاء ولا يمكن لأحد أن يتجنبه. وبالطبع فانه يمكن لنا ان نختار انواع الحرب التى نريدها وربما كذلك ان نمنع الكثير من الصراعات والكوارث. لقد وفر هجوم 11 سبتمبر للولايات المتحدة وحلفاءها فرصة تاريخية حتى عندما تسببت هذه الأحداث فى جرح تاريخى لأميركا ان تلك الفرصة هى اللحظة والسياق التى يمكن خلالها تشكيل تحالف مع اى دولة تحدد واشنطن سياساتها على انها غير ارهابية.واذا كانت حرب التحالف ضد الإرهاب العالمى تحض أميركا وبريطانيا وغيرهما من الدول الحليفة على على قيادة عمليات مشتركة فى هذه الأوقات الحاسمة فى تاريخ التكنولوجيا الحديثة، فان هذه الحرب بامكانها ان تستبق الصراعات العنيفة المحتمل وقوعها بين القوى العظمى التى يمكنها ان تتحقق بواسطة استخدامها التكنولوجيا الحديثة لا أكثر. والواقع ان العلاقة مع روسيا مثلا فى الوقت الراهن هى فى حال افضل مما كانت عليه فى يوم من الأيام. لقد امضيت عقوداً فى العمل من اجل التوصل الى ايجاد صيغة للتفكير فى العالم الجديد الذى ندخل اليه. ان هذا العالم فى حد ذاته خطوة ليست غير مسبوقة حتى وان بدا فريدا من نوعه. وهناك لحظات اتيح فيها للحاضر ان يكسر اغلال الماضى وان يبنى المستقبل. وعلى الرغم من ذلك فهناك ايضا لحظات كعصر النهضة الذى تزامن مع ظهور الدول الحديثة ومثل هذا سيحدث فى قرننا الحادى والعشرين، عندما يولد المستقبل من لدن الماضى بكسره اغلال الحاضر. ترجمة : مريم جمعة فرج عن «صنداي تايمز»