رجال القانون بشر، وجنس البشر ليس مبرأ من الخطأ فهم يعتمدون في اصدار الاحكام على قوانين جامدة وباردة تمت صياغتها بعناية فائقة وبدرجة تجعلها تفتقر الى الاخطاء ، فالقوانين الباردة قد لا تضع اعتباراً لإنسانية الانسان برغم الشعار البراق «المتهم بريء حتى تثبت ادانته» ومع ذلك فقد ادانت المحاكم ابرياء ارسلتهم الى غياهب السجون وادانت ابرياء آخرين ازهقت المشانق والبنادق والكراسي الكهربائية ارواحهم وبعد تنفيذ تلك الاحكام اكدت الوقائع براءة اولئك الذين كانوا بعيداً عن ارتكاب الجريمة. بعض النظم القانونية ـ والاميركي تحديداً ـ يعتمد على مجموعة المحلفين، وهم اشخاص يتم اختيارهم عشوائياً لحضور جلسات المحاكم واستصدار احكام شبه نهائية قد تدعمها هيئة المحكمة او ترفضها الا انها وفي الغالب الاعم تدعمها وتؤيدها، ويصدر الحكم النهائي البراءة او الادانة ومن ثم السجن او الاعدام. الذاكرة الاميركية تحتشد بحكايات ابرياء حصد القضاء ارواحهم دون وجه حق ودون البحث المتعمق في وقائع الجرائم واستناداً الى شبهات لا ترقى لمستوى الادلة الدامغة التي يتوقع من القضاء الرصين ان يلهث خلفها ويتأكد من مصداقيتها. وجه القضاء الاميركي تهمة القتل من الدرجة الاولى للزنجي الاسود جيمس آدمز، حدث ذلك في ولاية فلوريدا العام 1974. وصدر حكم باعدام الرجل ونفذ فيه حكم الاعدام العام 1984 ذكر الشهود العيان وجود سيارة ادمز لحظة ارتكاب جريمة القتل بمنزل الضحية الذي كان مزارعاً من البيض عثرت الشرطة على مجموعة من مجوهرات القتيل داخل الصندوق الخلفي للسيارة استمسك آدمز ببراءته واكد ان صديقته قامت باستعارة السيارة، ولكن احد الشهود افاد بأنه شاهد ادمز وهو يقود السيارة بعيداً عن منزل الضحية قبيل ساعة ارتكاب الجريمة الا ان ذلك الشاهد كان في تلك اللحظة يقود سيارة شحن ضخمة في الاتجاه المعاكس لاتجاه سيارة ادمز، وربما لم يكن يركز نظره على الشخص الذي يجلس خلف المقود وتم خلال المحاكمة اكتشاف ان ذلك الشاهد لم يكن على وفاق مع آدمز الذي كان يشك في انه يقيم علاقة مشبوهة مع زوجته. وافاد شاهد آخر انه سمع صوتاً يأتي من داخل منزل الضحية لحظة ارتكاب الجريمة وشاهد شخصاً يهرول هارباً من المكان، وذكر امام المحكمة ان الصوت كان لامرأة، الا انه اكد بعد ارتكاب الجريمة بيوم واحد ان الشخص الذي هرب من المكان لم يكن آدمز. وعلاوة على ذلك عثرت الشرطة على قطعة شعر كان الضحية يقبض عليها واكد الطبيب الشرعي انها جزء من شعر القاتل ولا علاقة لها بشعر آدمز ولم يتم الكشف عن هذه الحقائق الا بعد شهر من تنفيذ حكم الاعدام بحق آدمز الذي فاضت روحه بسبب وقائع وأدلة خاطئة البسته جريمة قتل هو بريء منها. برونو ريتشارد، الاميركي الابيض فارق الحياة نتيجة حكم قضائي لم يحالفه التوفيق وجد برونو نفسه متهماً بارتكاب جريمتي سطو واختطاف وقتل وصدر حكم باعدامه العام 1936 ولم تمض سوى ايام قليلة وتم تنفيذ حكم الاعدام. تلخصت التهمة في اقتحام منزل عائلة ليندبيرج الثرية واختطاف ابن ليندي الشخصية المحبوبة على نطاق واسع الذي تزوج ابنة مورو الشخصية الثرية والذي يعتبر من وجوه المجتمع البارزة. وقضية ريتشارد من القضايا الكلاسيكية التي يعتمد الحكم فيها على مجموعة من الأدلة والبراهين المتشابكة والضغط على المحلفين وتهديد الشهود وهيئة دفاع تفتقر الى ابسط المقومات القضائية والظروف الهستيرية التي تنعقد خلالها جلسات المحاكمة وسبقت المحاكمة حملات بحث شملت جميع ارجاء الولايات المتحدة واستمرت طوال عامين وصدر الحكم ضد ريتشارد الذي كان ضحية هيئة اتهام بدت وكأن مصير اعضاءها يعتمد على مدى الحسم الذي يتسم به الحكم اضافة الى عزم اعضاء هيئة المحكمة والمحلفين على اغلاق ملف واحدة من القضايا المثيرة للجدل. وبالرغم من ان هوفمان حاكم ولاية نيوجيرسي كان واثقاً من براءة ريتشارد، الا انه فضل عدم وقف تنفيذ حكم الاعدام وما من شك ان الحكم قد استند في جزء منه على ممارسات قضائية فاسدة رافقت المحكمة، والتأثير على الشهود والحنث بالقسم والضغوط التي مارستها عائلة ليندبيرج واسعة النفوذ واستغلال القضاء. وتأكدت براءة ريتشارد العام 1986 بعد ان رفعت ارملته التي عانت صنوف العذاب بعد اعدامه قضية مدنية ضد هيئة الاتهام وعشرة من الذين قدموا للمحكمة براهين وأدلة كاذبة وهكذا فاضت روح بريء لم يرتكب اي جرم. لفظ موريس مايز الاميركي الاسود انفاسه الاخيرة صبيحة العاشر من يونيو 1922 بعد ان اصدرت المحكمة العليا بولاية تينيسي حكماً باعدامه لادانته بارتكاب جريمة قتل امرأة بيضاء اعقبت عملية توجيه الاتهام ضد مايز اعمال عنف واسعة شنها البيض ضد الاميركيين السود وتحولت مدينة كونكسفيل الى ما يشبه ساحة الحرب قتل البيض العشرات من السود ولم تتوقف اعمال العنف الا بعد ان تدخلت قوات الحرس القومي. اعتمدت المحكمة وهيئة المحلفين في اصدار حكم الاعدام على شهادة ضابط شرطة كان يكن للمتهم العداء طوال سنوات وعلى اقوال شاهد عيان لم يتمكن من النظر الى القاتل عن قرب ولم يتمعن في ملامح وجهه. تم رفع الحكم الى محكمة الاستئناف بناء على طلب مايز وأكدت المحكمة الحكم بالرغم من اختلاف القاضي وهيئة المحلفين حول الحكم اذ رأى المحلفون ان الجريمة لا تستحق سوى السجن المؤبد بينما أصر القاضي على ان مايز ارتكب جريمة قتل من الدرجة الأولى ويستحق الاعدام، برغم تأكيد المتهم على براءته. وبعد أربعة أعوام من تنفيذ حكم الاعدام بحق مايز تكشفت الحقيقة واعترف القاتل الحقيقي في مذكرة كتبها بخط يده ومهرها بتوقيعه. كان القاتل أميركية من البيض تخفّت في ملابس أظهرتها مثل زنجي أسود وقتلت المرأة التي كانت تعتقد بأنها ترتبط بعلاقة مع زوجها. والغريب في الأمر ان السلطات رفضت ذلك الاعتراف لا لسبب إلا لأنه تم تنفيذ حكم الاعدام بحق مايز الذي اتهم بارتكاب الجريمة، كما ان قبول الاعتراف كان سيعني وقوع خطأ قضائي وان حكم الاعدام لم يكن سوى حكم باطل لا أسانيد له. شارلس سابرينا أميركي أبيض اتهم بجريمة قتل ضابط شرطة العام 1938. صاحب القضية الكثير من الملابسات الغريبة. سلفاتوري جاتي المتهم بالاشتراك في ارتكاب الجريمة أكد براءة سابرينا أمام المحكمة، كما أكد المتهمان لأحد نزلاء السجن براءته أيضاً. ذكر سلفاتوري في إفادته امام المحكمة ان جاكوب رويزنبلوم رئيس شعبة جرائم القتل بمدينة نيويورك كشف له عن ثقته في براءة سابرينا وانه سيفرج عنه اذا كشف سلفاتوري بدوره عن أسماء من شاركوه في ارتكاب الجريمة. رفض سلفاتوري العرض، وتم تنفيذ حكم الاعدام بحق سابرينا وسلفاتوري في العام نفسه. قال مدير السجن الذي شهد تنفيذ حكم الاعدام: «هذه أول مرة في حياتي أكون متأكداً فيها من أن رجلاً بريئاً تم اقتياده إلى الكرسي الكهربائي، ولم يكن في وسعي القيام بأي شيء. أتمنى أن يكون الناس على ثقة من أنهم يدركون جيداً ما يتحدثون عنه قبل أن تساعد إفاداتهم في ازهاق روح بريئة». مأمون الباقر