تبع اقتحام مخيم جنين وسقوطه، قيام جرافات الاحتلال المصفحة ثقيلة الوزن من نوع (دي ـ 9)، وهي من أثقل آليات الجرف والحفر في العالم، باقتلاع منازل المخيم، فضلاً عن التنكيل بالأسرى من المقاومين الذين نفدت ذخيرتهم، وإعدام ما بين 60 ـ 70 مقاوماً وفق تصريحات نبيل شعث، واكثر من هذا التنكيل بجثامين الشهداء (44).وكل هذا أحدث الضجة الدولية الكبرى والتي لم تجد طريقها للتوظيف الفعلي من قبل الحالة العربية الرسمية وحتى الفلسطينية، . بينما استطاعت دول القارة الأوروبية أن تجعل مما وقع في البوسنة والهرسك وإقليم كوسوفو فرصة لاتخاذ قرارات دولية ذات منسوب عال واستخدام القوة ضد يوغسلافيا من قبل حلف الأطلسي، وفرصة للانقضاض على نظام ميلوسيفيتش، وتحويل جنرالاته إلى المحاكم الدولية بما في ذلك ميلوسيفيتش ذاته القابع الآن بين جدران المعتقل. شهود على المذبحة يمكن استعراض بعض المواقف الدولية غير الحكومية المؤثرة والتي تعبر عن نبض الشارع الدولي. فقد وصف مفوض «الاونروا» بيتر هانسن، ومدير المساعدات في الوكالة ريشار كوك هول ما وقع، وما أصاب مخيم جنين بأنه هزة أرضية (45). وهذا هو ما عبر عنه أيضا الموفد الدولي الخاص للأمم المتحدة تيري رود لارسن الذي وصف ما جرى فالمخيم جنين بأنه فظاعة تفوق التصور مضيفا ان المخيم دمر كلياً، وكأن زلزالاً حل به بينما دعت منظمات حقوق الإنسان لإجراء تحقيق فوري. كما وجه الصليب الأحمر الدولي نداءً إلى المنظمات الدولية لتقديم المساعدة حيث تواجه عملية البحث عن أحياء تحت الأنقاض أو انتشال الجثث مصاعب جمة في ظل غياب المعدات اللازمة، وفي ضوء عدم وجود فرق إغاثة تستطيع إزالة الألغام من منازل يعتقد أنها مفخخة (46). بينما أعلنت أيرينا خان السكرتير العام لمنظمة العفو الدولية (الامنستي) خلال زيارتها لمخيم جنين على رأس وفد يوم 28 ابريل 2002 أن الدمار الذي شاهدته في مخيم جنين لا يمكن أن يصدق، وقالت انه ليس من صنع الإنسان حيث يبدو وكأنه زلزال (47). وقالت منظمة «هيومان رايتس ووتش» في تقرير مؤلف من 48 صفحة نشر يوم 3 مايو 2002 ان (48): الأدلة توحي بأن جيش الاحتلال ارتكب جرائم حرب في مخيم جنين، وقالت ايضاً انها استطاعت معرفة هوية 52 فلسطينياً قتلوا وكان منهم 22 شخصاً مدنياً، واضافت أن كثيراً من المدنيين قتلوا عمداً وان بعضهم استخدم «كدروع بشرية». وقال كبير الباحثين في «هيومان رايتس ووتش» بيتر بوكارت ان الانتهاكات التي وثقناها في جنين خطيرة للغاية، ويبدو في بعض الحالات أنها جرائم حرب (49). أما رئيسة المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ماري روبنسون فقد أشارت في مؤتمر صحافي في فيلينوس بليتوانيا إلى وقوع جرائم حرب إسرائيلية داخل مخيم جنين (50). وفي الجانب الأميركي شبه الرسمي، أو القريب من مصدر القرار، يجيء إعلان جيمي كارتر الرئيس الأميركي السابق من الحزب الديمقراطي في ندوة خاصة اقامها مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية في أبوظبي أن إسرائيل قامت بتدمير مخيم جنين .. ونشارك كل شعوب العالم الذين أصابهم الفزع من العنف والدمار والظلم الذي وقع على الفلسطينيين (51). من جانب آخر، وبعد الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في مخيم جنين فضلاً عن مخيمات طولكرم ونور شمس، الدهيشة، الأمعري، العزة، عين بيت الما، عايدة، قدورة، والجلزون. ومخيمي نابلس: عسكر وبلاطة، أطلق المفوض العام للأونروا بيتر هانسن نداء الطوارئ الرابع الذي دعا فيه إلى رفد ميزانية «الأونروا» بـ 117 مليون دولار إضافية كمساعدة عاجلة لتقديم خدمات الطوارئ لمخيم جنين وباقي مخيمات الضفة التي تضررت من العدوان الإسرائيلي الأخير. وتحتاج وكالة «الاونروا» بعد عدوان «السور الواقي» بشكل عام إلى مبالغ إضافية لاصلاح ما ألحقته قوات الاحتلال بمنشآت الوكالة، فقد تم تدمير 22 مدرسة في الضفة الغربية من اصل 95 مدرسة تابعة للاونروا على ارض الضفة، وعشرات العيادات الطبية، وسحق أعداد إضافية من سيارات الإسعاف ووسائل النقل التابعة للمنظمة الدولية، واحتجاز الوف الأطنان من المواد الغذائية العائدة للاونروا في ميناء أشدود. وعادت وكالة الاونروا وناشدت المجتمع الدولي تقديم 70 مليون دولار إلى المبلغ السابق كمعونة عاجلة على ضوء احتمالات الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة (52). وأكد المفوض العام للوكالة في الاجتماع المشترك للدول المانحة والمضيفة للاجئين الذي التأم في العاصمة الأردنية عمان يوم 8 مايو 2002 بحضور ممثلي ثلاثين دولة، أن عملية اعادة بناء مخيم جنين تتكلف وحدها 40 مليون دولار، وأن اكثر من نصف أعداد الشهداء الذين سقطوا خلال عام ونصف من عمر الانتفاضة هم من اللاجئين المسجلين في سجلاتها . الأمر الذي يزيد من الأعباء المادية الملقاة على كاهل الوكالة. وأعلن هانسن أن ما تجمع مالياً حتى 30 ابريل 2002 لا يتجاوز 80 مليون دولار إضافة لتعهد دولة الإمارات العربية المتحدة ببناء 800 شقة سكنية لابناء المخيم في المكان ذاته الذي خضع للدمار . وفي السياق ذاته كانت رئاسة الوكالة قد أطلقت من قطاع غزة يوم 5 مايو 2002 بياناً أشارت فيه إلى أن سلطات الاحتلال «تعمل ضد المنظمة الدولية» وحمل البيان تحذيراً جديداً من أن «الأراضي الفلسطينية على وشك مواجهة كارثة إنسانية وأزمة سريعة» مع انتقال التضييق والخناق على عمل المنظمة الدولية من مخيم جنين إلى باقي أنحاء الأراضي الفلسطينية ، واستمرار سلطات الاحتلال بالتضييق على دخول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، ووضع العقبات التي تسهم في شل عمل الموظفين الدوليين والمحليين. فضلاً عن استخدام منشآت الاونروا كمراكز اعتقال وتحقيق. دروس للأجيال المقبلة بالمحصلة، ومع الأذى والألم الكبير الذي لحق بالشعب الفلسطيني جراء عدوان «السور الواقي» الا أن شارون فشل تماماً في تحقيق ما عمل من اجله، وهنا تكمن قوة ويقظة الحقيقة الفلسطينية، حيث لا يمكن تبليع الشعب الفلسطيني حلول القوة الإسرائيلية، وبرز انسداد الأفق السياسي لمشروع شارون الدموي ضد الفلسطينيين من سلطة ومعارضة . ومع تهافت الشعارات التي دأب على ترديدها بشأن نجاحه في عملية «السور الواقي» بتدمير « البنى الإرهابية التحتية» و «اعتقال كبار المطلوبين»، فما هدم هو البنية التحتية المدنية على الأغلب، وهي البنى التي تم تمويلها بالأموال الأوروبية واليابانية وغيرهما ... مثل: المؤسسات ومحطات المياه والكهرباء ... وابنية السلطة، فهل سيلغي التدمير المشار إليه للبنى التحتية الكفاح الوطني الفلسطيني المشروع بما فيه العمل الفدائي المقاوم؟ أم أن دوافع الفعل قد تعاظمت بالضرورة عند ابناء مخيم جنين وعند الفلسطينيين بشكل عام، وعند أوسع القطاعات التي تضررت جراء العدوان الإسرائيلي الأخير؟ سؤال يتكرر اليوم في الداخل الإسرائيلي، ويقض مضاجع شارون، ويتصدر هموم شرائح الانتلجنسيا اليهودية، ووسائل الإعلام، فضلاً عن قطاعات الجيش والأمن. إن شارون وحكومة الوحدة الصهيونية زرعا الحقد والكراهية للأجيال المقبلة، حين يلقى الجرحى في الشوارع وينزفون حتى الموت، وحين يدفن جيش الاحتلال مئات الجثث، وحين تهرس الدبابات البشر والسيارات وتسقط أعمدة الكهرباء وتفجّر انابيب المياه . فما حدث في مخيم جنين مثّل عملية إبادة جماعية وتطهير عرقي في الوقت الذي عبرت البشرية نحو الألفية الثالثة معتقدة بأن حروب الإبادة أصبحت خلف التاريخ. فكانت مجزرة مخيم جنين «هولوكوست» القرن الحادي والعشرين. ولم يخجل شارون المتلحف بالغطاء الأميركي من أن يعلن أمام لجنة الخارجية والأمن الصهيونية عن نتائج حملته الدموية: تصفية 188 «مطلوباً فلسطينياً »، و اعتقال 4 آلاف و 230 منهم 366 من أجهزة أمن السلطة التي تضم العشرات من المناضلين المنتمين إلى مختلف القوى الفلسطينية، والباقي عناصر وكوادر من حركة فتح، حركة حماس، حركة الجهاد الإسلامي، الجبهة الديمقراطية، الجبهة الشعبية، جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، جبهة التحرير الفلسطينية، جبهة التحرير العربية (53). وفي هذا السياق كان من الضروري الإسراع في الجهود الفلسطينية والعربية والدولية لبدء أعمال لجنة تقصي الحقائق الدولية مع شارون وقادة جيش الاحتلال، كما جاء في دعوة منظمة العفو الدولية في حينه بعد أيام من اقتحام قوات الاحتلال للمخيم . وكما تمخض دولياً في القرار الرقم 1405 الصادر يوم 20 ابريل 2002 عن مجلس الأمن الدولي على الرغم من المحاولات التعطيلية التي قام المندوب الأميركي لمنع صدور القرار. كما أن المحاولات التعطيلية الإسرائيلية تواصلت لمنع تنفيذ القرار بوضع الاشتراطات على عمل اللجنة المكلفة بالتحقيق، بما في ذلك التدخل بتسمية أعضاء الوفد الدولي المكلف، والطلب بإضافة أربعة عسكريين من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى قوامها، المشكل بالأصل من ثلاث شخصيات برئاسة الرئيس الفنلندي السابق مارت أهتساري والى جانبه: كورنيلو سوماروغا، وصاداقو اوغاتا وطاقم إضافي يضم عشرين شخصاً، كما وفي رفض القبول بحق اللجنة في استدعاء شهود عيان وتخويل إسرائيل وحدها صلاحيات هذا الأمر، وألا يسمح بنشر أسماء من يخضعون للتحقيق أو بملاحقتهم قضائياً، فضلاً عن إضافة خبراء في مسائل مكافحة الإرهاب، والتحقيق في نشاط المقاتلين الفلسطينيين في المخيم . وعلى هذا صوتت الحكومة الإسرائيلية على قرار يقضي بوقف التعامل مع لجنة التحقيق الدولية وذلك مساء 30 ابريل 2002، ومن هنا جاء إعلان كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة عن إمكانية حل اللجنة بعد أن استعصت الأمور وأصبحت تحت الضغوط اليومية الاسرائيلية الأميركية . فوقع مجلس الأمن في مأزق كبير اسمه مخيم جنين. الأمر الذي حصل فأعلن كوفي عنان عن حل اللجنة يوم 4 مايو 2002 وعادت البلبلة الكبيرة إلى مجلس الأمن . ويعتبر حل اللجنة تطورا خطيرا في عمل الأمم المتحدة، فلأول مرةً في حياتها تشهد الهيئة الدولية أزمة من هذا القبيل، وتمرداً فجاً وسافراً من قبل عضو في الأمم المتحدة تحت غطاء ورعاية الولايات المتحدة العضو الدائم في مجلس الأمن. إن الموقف الأميركي المنحاز في مجلس الأمن عطل عملياً ارسال لجنة تقصي الحقائق، فكان الخيار العربي الذي تقدم به مندوب سوريا باسم المجموعة العربية في مجلس الأمن اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة مع أن قراراتها ذات أثر معنوي فقط، لكنه من النواحي السياسية والدعاوية والدبلوماسية. وعلى هذا اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها بأغلبية دول العالم بإدانة سلطات الاحتلال، وتحميلها المسئولية الكاملة بشأن ماجرى داخل مخيم جنين وعموم الأرض الفلسطينية المحتلة، وادانتها لرفضها التعاون مع لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الأمن بشأن ما جرى، وكلفت الامين العام بإعداد تقرير شامل حول الموضوع . وصوت إلى جانب القرار 74 دولة، بينما عارضته أربع دول (إسرائيل، الولايات المتحدة، جزر مارشال، ميكرونيزيا ) وامتنعت 54 دولة عن التصويت، وذلك من المجموع الكلي لمنظومة الأمم المتحدة 189 دولة قبل أيام من انضمام الدولة الوليدة للمجموعة الدولية (أصبحت عضوية الأمم المتحدة 190دولة مع انضمام تيمور الشرقية). ثلاثة مستويات للحقائق إن دروس معركة مخيم جنين تضاف إلى التراث الكفاحي للشعب الفلسطيني، والى المسيرة الخالدة التي سطرها المقاتلون الفلسطينيون عبر كل المواقع والمحطات التي عبرت خلالها حركة التحرر الفلسطيني من منعطف إلى آخر. والعبرة الإضافية الراهنة المستخلصة أن المقاومة التي حدثت في جنين ستبدو متواضعة إذا ما حاولت قوّات الإحتلال الدخول إلى مخيمات قطاع غزّة حيث اكتظاظ اللاجئين الفلسطينيين والحشد الكادري الفلسطيني لمختلف القوى والفصائل وأجهزة السلطة الفلسطينية، والدرس البليغ الذي استوعبه الجميع من تجربة وصمود مخيم جنين، حيث الوحدة الوطنية الميدانية، والقتال حتى آخر لحظة ممكنة.وخلاصة القول ان ملحمة جنين والاسطورة التي صنعها اللاجئون الفلسطينيون من أبناء المخيم كما كل أبناء فلسطين خلال المحنة العسيرة جراء عدوان «السور الواقي» أبرزت على السطح ثلاثة مستويات: ـ العطاء العالي والمتقدم للقاعدة الشعبية الفلسطينية الواسعة، بما في ذلك العطاء الرائع لافراد الأجهزة العسكرية والأمنية في التصدي لقوات الاحتلال . خاصة في مناطق جنين ومخيمها، ونابلس، وطولكرم، وقلقيلية. ـ مدى الضعف داخل بعض الهياكل المفصلية القيادية لمؤسسات السلطة الأمنية والعسكرية . فنتائج العدوان «السور الواقي» والوقائع اليومية التي رافقته، أظهرت الهشاشة الفاقعة في العديد من بنى وهياكل السلطة ومدى تغلغل الترهل البيروقراطي الإداري داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية. ـ غياب الأطر السياسية الجامعة الموحدة للحركة الوطنية التحررية للشعب الفلسطيني في إطار منظمة التحرير والمجلس التشريعي المنتخب عام 1996. وسيادة الحالة المستديمة من مصادرة القرار على يد هيئات قيادية لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليد الواحدة . وغياب الوحدة السياسية عطل عملية إدارة دفة الأمور بطريقة خلاقة مثمرة . وأوصل إلى اتفاق محرج لفك الحصار عن المقاطعة في رام الله، عدا عن ترحيل المحاصرين من بيت لحم وكنيسة المهد إلى خارج فلسطين . وعلى هذا، فان الإصلاح الداخلي الفلسطيني بجوانبه السياسية والتنظيمية وفي الجانب المتعلق بالسلطة ذاتها ومؤسساتها، مسألة أمست أكثر من ضرورية، وتشكل في المرحلة الراهنة عنوانا رئيسيا من عناوين العمل الفلسطيني العام لتمتين الجبهة الداخلية، خاصة بعد عدوان «السور الواقي» وانكشاف هول الثغرات الداخلية داخل أجهزة السلطة الوزارية والإدارية والأمنية والعسكرية . إن تصحيح الأوضاع الداخلية بجانبها السياسي تمثل العنوان الأول نظراً لما يعنيه الإصلاح السياسي من استعادة للوحدة الوطنية الحقيقية الائتلافية في إطار مرجعية فلسطينية موحدة تمثل كل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وعودة لتثمير مصادر القوة الفلسطينية. عاصفة التغيير مع أن كلمة الرئيس الفلسطيني في المجلس التشريعي (54) أطلقت موقف السلطة الإيجابي أمام عاصفة المطالبة بالتغيير وتصحيح الخلل القائم، إلا أنها حملت أسلوب التعويم، فتم إحالة عناوين التصحيح إلى لجنة خاصة في المجلس التشريعي بدلاً من تحويل الموضوع برمته إلى الإطار الفلسطيني الأوسع المشكل من منظمة التحرير أطرها ومؤسساتها . فالسلطة الفلسطينية تمثل جزءاً من الشعب على جزء من الأرض، بينما تمثل المنظمة الإطار الاشمل «الاوسع» والمسئول عن رسم السياسات الفلسطينية. وبالتالي فان الإصلاح الداخلي عملية بيد الجميع: قوى سياسية ونقابات مهنية، ومؤسسات وبنى وتشكيلات مجتمعية . تقود إلى إصلاح حقيقي يطال كل الأطر والمؤسسات والبنى، إصلاح يأخذ بعين الاعتبار الإصلاح السياسي والدستوري من خلال احترام القانون واستقلال القضاء وخضوع الجميع له. ومن خلال انتخابات ديمقراطية للمجلس الوطني في الوطن وحيثما أمكن في الشتات، وانتخابات بلدية تصنع نتائجها بقوة الورقة الانتخابية . كما أن تجريد عملية الإصلاح في هياكل وبنى السلطة عن عملية الإصلاح السياسي سيحول قضية الإصلاح إلى مسألة شكلية واستخدامية لا مضمون لها. وبالتالي لن يتحقق من الأمر شيئاً سوى تكرار ما سبق أن تم التوقف عنده عبر مراحل مختلفة.ان صرخة وصمود مخيم جنين دعوة قوية لتقييم مسيرة العمل الفلسطيني منذ توقيع اتفاق اوسلو الاول عام 1993، والسير بخطى حثيثة نحو تحقيق الاصلاح الذي يريده الفلسطينيون وليس الاصلاح المراد فرضه عليهم. لقد ارتسم مخيم جنين في الذاكرة الفلسطينية، وتحول إلى أسطورة، والى ستالينغراد جديدة هي جنين غراد الفلسطينية . ويوري افنيري داعية السلام الاسرائيلي يعلن للصحافة العبرية جنين ومخيمها تحولت الى ستالينغراد فلسطينية كتعبير عن قصة طويلة خالدة، وهذه الصورة هي التي ستبقى . فالملحمة التي سطرها مخيم جنين هي التي ستبلور ذاكرة الجيل الفلسطيني الجديد.مخيم جنين يستحق أكثر من تخليد، وبتضحيات أبنائه وشهدائه يدخل بقوة إلى السجل المضيء لمسار ومسيرة الشعب الفلسطيني. وشهداؤه الأبطال فاقت أعدادهم في العدوان الأخير أكثر من أربعمائة شهيد حتى سقوطه 10 ابريل 2002 حسب معطيات مستشفى جنين وفق ما صرح به مدير المستشفى محمد ابو غالي ومتوقعاً أن تستمر عمليات البحث تحت الانقاض لشهرين مقبلين. بينما يؤكد الدكتور رياض الزعنون وزير الصحة في السلطة الفلسطينية أن عدد شهداء مخيم جنين 380 شهيداً، بينهم 280 امرأة وطفلاً، بينما تحدثت مصادر ثالثة عن خمسمئة شهيد (55). مخيم جنين بوجوه أبنائه البرونزية تحت شمس فلسطين المطلة كتعتيق الفضة بالنحاس صنع بصموده ومآثرته «كومونة العرب» التي تعانق السماء وصنع بشبابه وشاباته المسلحين بأسلحة فردية دروساً لحروب الاستنزاف الوطنية ضّد عدو طاغية مسلح بأرقى صرعات تكنولوجيا السلاح في العالم. فتعاهد جميع أبنائه على الصمود حتى الرمق الأخير (57). وعاد قمر فلسطين يطل من سماء جنين، وقمر جنين يبزغ من فضاء المخيم، ومخيم جنين، يزرع بذور الإستيقاظ الجديد ليحمي ويحرس حلم العودة، ويطلق رياح العودة والعودة، ويعيد إلى الصدارة قضية اللاجئين الفلسطينيين، فتسوية مدريد ـ أوسلو وكما برهنت الوقائع الماضية خلال العقد المنصرم ليست قادرة على تجاوز قضية اللاجئين الذين يشكلون 65 % من أبناء الشعب الفلسطيني، وليست قادرة على فرض منطق التوطين على الفلسطينيين في البلاد العربية والتهجير إلى المنافي الأجنبية البعيدة،فالحق لا يموت بالتقادم ولا يلغيه تجبر ظالم.