لعل الهدف من أي برنامج وقائي يتمثل في منع حدوث مشكلة ما لاحقًا، أو على الأقل تقليل حدوثها والآثار الناتجة عنها، ومعه أيضا التوفير في الصرف على علاج تلك المشكلات. ولكن... لو كان الهدف هو تأخير ظهور تلك المشكلة فقط ولفترة زمنية معينة، فهل يمكن القبول بها كعملية وقائية؟ لنضرب أمثلة على ذلك بالبرامج الصحية الوقائية المدرسية التي تستهدف طلاب وطالبات المدارس كالبرامج التي تساعد على الوقاية من تسوس الأسنان، ومن بينها استخدام مادة الفلورايد سواء على شكل مضمضة أو بالشكل الهلامي أو إضافته إلى خزانات مياه الشرب المدرسية أو غيرها من الطرق، فبعضهم يجادل بقوله بأن التأثير الوقائي لتلك البرامج سيقل وينعدم بعد فترة من الزمن ويصبح الفرد ـ الطالب في المدرسة سابقًا ـ معرضًا للتسوس مرة أخرى مثله مثل غيره، وذلك بعد تخرجه من تلك المدارس، ترى لو كان هذا الكلام صحيحًا فهل يقلل ذلك من أهمية تلك البرامج الوقائية؟ بمعنى آخر، هل هناك فائدة لتأخيرنا حدوث مشكلة صحية؟ لو كنا على يقين أن البرنامج الوقائي المطروح فقط يؤخر المرض ـ ولا يوجد له بديل مناسب ـ فلا يزال هناك فوائد من تطبيقه، وتتلخص تلك الفوائد في النقاط التالية: أولاً: إذا أخرنا حدوث المرض ـ بعد توفيق الله تعالى ـ فإننا نعطي فرصة زمنية مناسبة لاستحداث أدوية أو طرق علاجية جديدة أكثر فعالية أو أكثر تقبلاً من قبل المجتمع، ومثال ذلك طرح الحشوات البيضاء للأسنان الخلفية التي تجعل صاحبها يضحك دون الانتباه إلى وجود حشوات داخل فمه، وكذلك ما يدور حاليًا في مجال إمكانية استنساخ الأعضاء كالكبد وغيرها. ثانيًا: إمكانية اكتشاف أو تطوير طرق وقائية أكثر فعالية مثل إمكانية الوصول وبشكل نهائي على تطعيم ضد التسوس، الذي فعلاً بدأ يتبلور في صورته النهائية الفعالة ـ وكذلك ما انتشر حاليًا من توفير تحصين ضد الأنفلونزا وغيرها من الأمراض والمشكلات الصحية. ثالثًا: بتأخير حدوث الإصابة بالمرض نصل إلى إطالة فترة الاستمتاع بالحياة دون مشكلات صحية أو نزف مالي ومن ثم القدرة على الإنتاج الشخصي الاجتماعي بشكل طبيعي ومثمر، فمع تأخير المرض تصبح الفترة الزمنية الطبيعية والسليمة أكبر للفرد المعرض لخطر الإصابة. رابعًا: بتأخير نشوء المرض نعطي فرصة لأن تنخفض تكاليف الأدوية أو وسائل العلاج الحالية، كالأشعة وحشوات الأسنان أو تركيباتها والعلاج الطبيعي وغيرها، أو ربما تنتج أدوية جديدة أرخص من المتوفرة في الأسواق حاليًا. خامسًا: اقتصاديًا يقولون إن توفير مبلغ من المال على أن يدفع بنفس الكمية لاحقًا يعتبر عملية مربحة، نظرًا إلى أنه يمكن الاستفادة من ذلك المبلغ واستثماره في الوقت الحالي ثم دفعه بعد خصم الأرباح منه، وهكذا يمكن الاستفادة من ذلك المبلغ المخصص لعلاج مرض معين بعد العمل على تأخيره إن لم يمكن منعه نهائيًا واستثمار ذلك المبلغ في مجال أبحاث أو تنفيذ برامج وقائية مضمونة قد توفر مبالغ أضعاف المبلغ المصروف. د. ماجد المنيف