بيان الكتب: تمثل قضية اللاجئين الفلسطينيين واحدة من القضايا المهمة على خارطة الصراع العربي الإسرائيلي وفي كتابه اللاجئون الفلسطينيون بين العودة والتوطين، يطرح الدكتور ابراهيم الجندي ابعاد هذه القضية ويشير الكاتب إلى أن مشكلة اللاجئين تعود بجذورها الى قيام المنظمات الصهيونية المسلحة كالبالماخ، والأرغون، وشتيرن التي ظهرت أثناء «اليشوف» ومما يذكر أن هذه المنظمات قد شكلت معا بعد قيام الدولة العبرية ما عرف بجيش الدفاع الاسرائيلي، لما ارتكبته من مجازر بحق الفلاحين الفلسطينيين بهدف إثارة الرعب في قلوبهم وطردهم من قراهم، من أجل إفساح المجال أمام المهاجرين الجدد القادمين الى فلسطين، وإحلالهم محل أهل البلاد الأصليين. ومما يذكر أن هذه المنظمات كانت تستمد أعمالها من الخطط التي وضعها قادة وزعماء الوكالة اليهودية، والداعية الى تهجير الفلاحين الفلسطينيين واقتلاعهم من أراضيهم وترحيلهم الى خارج البلاد. وقد استحوذت فكرة الترحيل على أذهان زعماء الوكالة اليهودية منذ وقت مبكر حال وصولهم الى أرض فلسطين، واخذوا يضعون الخطط للتهجير القسري لأهالي فلسطين، ومن هذه الخطط التي وضعت وقتذاك على سبيل المثال لا الحصر: ـ خطة سوسكين التي وضعت في 1937. ـ خطة فايتس ووضعت في ديسمبر 1937 ـ خطة بونيه في يوليو 1938 وقد صاغها الفرد بونيه من مؤسسة الأبحاث الاقتصادية التابعة للوكالة اليهودية. ـ خطة بن غوريون التي وضعت بين عامي 1943و1948 وقد اقترح بها ترحيل عرب فلسطين الى شرق الأردن والعراق. ـ خطة دالت وضعت بصورة مفصلة من قبل منظمة الهاجناه في الأول من عام 1942، واعتمدتها القيادة العليا للهاجناه في العاشر من مارس 1948، وكانت تهدف الى الاستيلاء وتوسيع حدود الدولة العبرية التي اقترحها قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الى ما هو أبعد من تلك الحدود، وكانت هذه الخطة تحمل بصمات بن غوريون. وبما أنه كان من المتعذر، تنفيذ هذه الخطط خلال الفترة التي وضعت بها، ولذلك أجلوا تنفيذها الى أحداث حرب 1948، حيث قامت المنظمات الصهيونية المسلحة، سالفة الذكر، وغيرها بارتكاب العديد من المجازر ضد الأهالي الفلسطينيين، وذلك لبث الرعب في قلوبهم ودفعتهم بالتالي الى الفرار بأرواحهم، ومن تلك المجازر ما يلي: ـ مذبحة قريتي بلدة الشيخ وحواسه، الواقعتين في الجنوب الشرقي لمدينة حيفا، حيث قامت قوة مؤلفة من نحو 200 مسلح من قوات الهاغناه في الفاتح من يناير 1948 بمهاجمة القريتين في الوقت الذي كان فيه الأهالي يغطون بسبات عميق، وقتلوا معظم سكانها. ـ مذبحة دير ياسين الواقعة بالقرب من القدس، حيث هاجمتها قوات مشتركة من الأرغون وشتيرن قوامها 300 مسلح بقيادة دافيد شلتئيل كانت تصحبهم مدرعات. وعاثوا في البلدة قتلا وقد وصفها بن غوريون قائلا: لولا دير ياسين لما تمكنا من بناء الدولة. ـ مذبحة ناصر الدين: وهي قرية تقع بالقرب من طبريا دخلتها القوات الصهيونية التي كان أفرادها يرتدون الزي العربي، وحينما استقبلهم أهلها على أنهم من المجاهدين العرب، أمعنوا بهم قتلا وتدميرا. ـ مذبحة بيت دارس الواقعة بالقرب من غزة. وقد هاجمتها قوات المنظمات الصهيونية المسلحة في الحادي والعشرين من مايو 1948 بالمصفحات من جهاتها الأربع وأبادوا الغالبية العظمى من سكانها. وبهذه الطرق وغيرها يتم ترويع العرب وقسرهم على الرحيل. وهذا ما أكده القائد العسكري لمنظمة البالماخ الصهيونية إيجال ألون وقتذاك حيث كتب في العاشر من مايو 1948 ما يلي: لقد رأينا هناك حاجة لتطهير الجليل من السكان العرب لنقيم منطقة اقليمية يهودية في كل أنحاء الجليل الأعلى. وإجبار عشرات الآلاف من العرب العنيدين الذين بقوا في الجليل على الهرب، لقد استخدمنا تكتيكا اعتمد على الأثر الذي خلفه سقوط وهزيمة العرب في المنطقة التي تم تطهيرها ولقد جنى هذا العمل ثماره بشكل معجز. وما أن بدأت حرب 1948 حتى أخذ الجيش الاسرائيلي يجلي السكان العرب عن ديارهم بالقوة. وخاصة بعد أن تم الاستيلاء على قسم كبير من الأراضي الفلسطينية بقوة السلاح حيث كانت مذبحة الدوايمة الواقعة جنوب شرق الخليل على يد موشي دايان قائد الكتيبة 89 في الجيش الاسرائيلي يومي 29، 30 أكتوبر 1948 حيث تم ذبح 96 عربيا من أهالي القرية، كما تم ذبح 12 شابا من قرية عيلبون الواقعة في الجليل وهوجمت قرية الصفصاف الجليلية وربط 52 رجلا من أهلها بالحبال وألقي بهم في البئر وقتل العشرات من رجال البلدة رميا بالرصاص في مسجد المدينة وكنيستها ووصلت حصيلة القتلى ما يفوق 250 قتيلا. ولعله من المفيد أن نشير الى أنه خلال الجولة الأولى لحرب فلسطين من 15 مايو حتى 21 يونيو من عام 1948 تم طرد أهالي نحو 68 بلدا. كما تم خلال الجولة الثانية من الحرب ما بين 8 يوليو الى 19 يوليو عام 1948 تم طرد أهالي نحو 83 بلدا. وفي الجولة الثالثة والأخيرة من 15 أكتوبر 1948 تم طرد أهالي نحو 138 بلدا من المناطق الفلسطينية. كما تم خلال الهدنتين الأولى والثانية للحرب، اجلاء أهالي سبع قرى من قبل جيش الدفاع الاسرائيلي، لكونها قد وقعت تحت سيطرتهم، على أثر انتشار المذابح المفزعة التي اقترفها هذا الجيش العنصري، والتي وصلت الى تسع عشرة مذبحة بما يعني القتل الجماعي ومنها: عرب السمنية وعيلبون ومجد الكروم قضاء عكا، وبدير الواقعة بقطاع غزة وجنيزة والطبرة وبلدة الشيخ الواقعة في قضاء حيفا والخصاص والصالحة وعين الزيتون والصفصاف والحسينية وسعسع قضاء صفد وناصر الدين بقضاء طبريا والطنطورة والحواسة، علاوة على دير ياسين والدوايمة. وكان توزيعها الجغرافي أربع عشرة مذبحة في الشمال، تم ارتكابها خلال عملية حيرام التي رتبها الجيش الاسرائيلي لاحتلال الجليل في أكتوبر 1948، وثلاث مذابح في الوسط أي في أقضية القدس والرملة. واثنتان في الجنوب بأقضية الخليل وغزة خلال عملية بواف التي قام بها الجيش الاسرائيلي ضد الجيش المصري. ولعل ما سبق - يقول المؤلف - يؤكد للجميع أنه كانت هناك استراتيجية رامية الى احلال المهاجرين اليهود الوافدين الى البلاد محل المطرودين قسرا أو المرحلين عنوة وهؤلاء عرفوا باسم اللاجئين واللاجئ حسب تعريف مواثيق الأمم المتحدة 1 من المادة الأولى من اتفاقية 1951: هو كل من وجد نتيجة لأحداث قد وقعت قبل الأول من يناير 1951، وبسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد، وبسبب آرائه السياسية - خارج البلاد التي يحمل جنسيتها، ولا يستطيع أن يوفر حماية ذلك البلد، أو كل من لا جنسية له وهو خارج بلد إقامته السابقة، ولا يستطيع أو لا يرغب بسبب ذلك الخوف من العودة الى بلده. وفي مجال العمل الدولي بصدد القضية الفلسطينية، فقد درج على استخدام اصطلاح اللاجئ الفلسطيني حسب تعاريف الأمم المتحدة، بأنه الشخص الذي كانت فلسطين محل اقامته المعتاد مدة لا تقل عن سنتين، قبل قيام النزاع 1948 والذي فقد بسببه دياره ومورد رزقه ولجأ في عام 1948 الى أحد البلدان التي تتواجد فيها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين. وتضارب الآراء بين الاسرائيليين والفلسطينيين حول الرقم الجامع للاجئين الذين طردوا من بلادهم فالباحثة الاسرائيلية ديفيت ستينباوم في مركز الأبحاث الايديولوجية بجامعة تل أبيب أشارت في بحثها الصادر عن مركز صندوق أرماندو هامر للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط والمعنون: اللاجئون الفلسطينيون - صورة الوضع والحلول الممكنة، قدرت عدد الفلسطينيين الذين تم طردهم خلال حرب الاستقلال الاسرائيلية عام 1948 بنحو ما بين 500-700 ألف مواطن عربي أما الأرقام الفلسطينية فتشير الى 900 ألف لاجئ. ونظرا لكبر حجم الجريمة التي ارتكبت بحق الفلسطينيين، فقد تحرك المجتمع الدولي، وذلك من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أصدرت في 11 من ديسمبر 1948 وفي الدورة الثالثة لانعقادها القرار رقم 194 والذي نصت المادة الثالثة منه على «وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة الى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة الى ديارهم أو عن كل مفقود أو مصاب بضرر. إلا أن دولة اسرائيل رفضت وما زالت هذا النص وعملت على الجانب المعاكس للعودة وهو التوطين وقد أوضح بن غوريون ذلك أثناء لقائه مع لجنة التوفيق الدولية عندما أبلغها بأن حكومة اسرائيل ترى أن الحل الصحيح للجزء الأكبر من مسألة اللاجئين في اعادة توطينهم بالدول العربية. ومن المشاريع المبكرة التي طرحت لتوطين اللاجئين مشروع دالاس والذي تبناه الرئيس الأمريكي أيزنهاور والذي نادى بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي هاجروا منها واقترح أن يتم ذلك على عدة مراحل منها: اعادة 100 ألف لاجئ في المرحلة الأولى والتي تمتد في الفترة 1956-1957 اعادة 100 ألف لاجئ آخر في الفترة ما بين 1959/1960 توطين 160 ألف لاجئ في سوريا، 125 ألفاً في الأردن ولتنفيذ ذلك يتم إنشاء صندوق تحت اشراف الأمم المتحدة لتوطين اللاجئين. وتوالت الاقتراحات وما زال حق العودة مؤجل بحثه للمفاوضات اذا كانت هناك مفاوضات واذا كانت هناك عدالة دولية، ولعل قرار تشكيل فريق تقصي حقائق بالنسبة لما حدث في جنين يكشف لنا عوار هيئة الأمم ومجلس أمنها. امين اسكندر