إنه الكتاب الأول للباحث السوري عمر كوش بعد رحلة طويلة تجاوزت العقد من الزمن في البحث عن أعماق التجربة الفلسفية الانسانية ودراستها ومقارنتها عبر زمن بدأ بالخلق الابداعي للانسان وحتى الآن. حيث يؤكد الباحث ان الكائن البشري عرف التفكير خلال مختلف مراحل نشاطه وحياته ووقف مذهولاً أمام ابداع خلقه وما حوله من أمور الكون وجزئياته ثم تطور عقله حتى ما وراء الطبيعة «الميتافيزيقيا». وتطورت معارف الكائن الانساني خلال مجريات الحضارات وتفاعل وتبادل معها أينما كان متجاوزاً الحدود والصراعات والاختلاف وكل ذلك كان عبر معارفه ومفاهيمه قديمها وحديثها ولعل الفلسفة كانت من أهم هذه التفاعلات ويؤكد الباحث على ان الفلسفة كانت في الحضارات القديمة أم المعارف والعلوم، وكلما تطورت هذه المعرفة الراقية وانتقلت من مكان الى آخر خارج حدود تواجدها ومختلفة ما بين أسماء مبدعيها، تغيرت حكمتها وفلسفتها ونشأتها وكأن الأرض تُبدل الكثير من هذه المفاهيم، فتتعدد الصور ويتغير الاشخاص ويبدأ نموها في تربة وشعوب وأمم جديدة. ويستعرض الباحث كوش تطور الفلسفة المعرفية داخل أقاليمنا من منطق التبادل الحضاري ما بين هذه الأقاليم واقليمنا، وان من حق حضارتنا وكل حضارة ان توظف مفاهيمها الانسانية وفق معايير ترتئيها حسب موروثها المعرفي ولكنه يقف أمام الأقلمة الحالية لمنطقتها العربية ويتساءل: هل يعود الفكر كفكر كما كان في بدايته الخلاقة المتجاوزة لحدود الأقلمة، أم ان مقاومة الخوف والتسلط والقمع والعبودية في الاقاليم العربية وفي العالم المتراجع، ستؤدي الى ظهور أرض جديدة تنمو فيها صناعة المفاهيم الجديدة للمعرفة وتطورها. الكتاب حوى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول بحث في المفاهيم وحركات الأرضنة والجزء الثاني بحث في نقد التمركز ونقد الميتافيزيقيا، أما الجزء الثالث فكان حول المفهوم والاختلاف. في الجزء الأول علل الباحث توقف الفلسفة العربية بأنه جاء بسبب منظومة الممارسات التي قيدت الفلسفة وطبقت عليها مختلف أشكال العنف والتدمير وحاربت حرية فعل التفلسف بما يقوم عليه من مساءلة ونقد، وجعلت الفيلسوف العربي كوكباً تابعاً للتناحر السياسي والمذهبي، وكل فيلسوف عربي حر خرج من اطار هذا القيد، وسم بالدونية والزندقة وفقدان الشرف وخارجاً عن طاعة واجماع الجماعة، علماً بأن الفلسفة وعبر كل تاريخها وفي مختلف الحضارات لا تنمو إلا في مجتمع مكلل بالحرية والفضاء المعرفي الواسع، كان على الباحث ان يذكر بعض الأسماء التي دفعت حياتها ثمن فلسفتها خارج دائرة الرضا السلطوي ورضا الحاكم «كالمعري والحلاج وسفيان الثوري والسهروردي والنسيمي واخوان الصفا... الخ». كما بحث في أصل وفلسفة العقل وان الأخيرة بدأت على يد الاغريق وتوسعت وتطورت عبر حضارات بلاد الرافدين والنيل وحوض المتوسط ثم تطورت الى الفكر العقلاني الاسلامي ثم ارتحلت نحو الغرب حيث النموذج الأوروبي الأخير وانتشاره وتعميمه على العالم ويطرح عمر كوش السؤال الأهم ما هي وظيفة الفلسفة؟ هل هي خلق مفاهيم جديدة وهي العقل المعرفي الوحيد الذي يقوم برفد معايير جديدة لكل أنواع المعرفة وفي دراسة لمفهوم «ترجمة المفهوم الفلسفي» حيث يعتبره حالة انتقال المفاهيم الفلسفية للغير عبر الترجمة وهذه الترجمة تضعنا أمام اشكاليات متعددة من ناحية الثقافة واللغة بشكل غير دقيق وربما لا يناسب بـ «الاقلمة أو الأرضنة» كما يسميها الباحث إذن المفهوم الفلسفي حين يطير خارج اقليمه تنتشله الفلسفة من الترجمة بوصفها تأويلا جديداً في اللغة المنقول اليها حيث يقول نيتشه: «يمكن للحياة ان تنشأ فيه» أي يمكن ان يكبر وينمو هذا المفهوم القادم من أرض جديدة الى أرضنا وتتم بذلك أرضنة المفهوم لصالح لزومية المكان والاستخدام، وليس لصالح عقيدة الأصول القادم منها، على مبدأ «وما كل ما يُعرف يقال». يقول الباحث في مفهوم العقل وظهوره وأشكال التفكير العقلاني انه خلاصة للمتغيرات التاريخية والمادية التي أصابت المجتمعات البشرية وتفكيرها وهذا ما يؤكده «هيغل وهيدغر». وأرسطو يحدد العقل على انه ملكة منفعلة بالقوة واتصفت الفلسفة الاغريقية بأنها فلسفة عقل، وكل المحركات لطاقات الانسان مصدرها العقل، أما الفلسفة العربية الاسلامية فتعددت معاني العقل فيها حسب اختلاف الترجمات القادمة من الفلسفة الاغريقية والهندية والفارسية وغيره، فالمسلمون العرب اعتبروا العقل لفظا مشتقا من «عقل» أي ضبط ومنع وكف. وهكذا جُعل مفهوم العقل عندهم في دائرة مغلقة الجوانب وإن كان هناك هامش كبير من المساحة والحرية لتداول هذا المعنى للعقل، وهم لا يختلفون بذلك عن كثير من الألسن البشرية الأخرى «هذا برأي الباحث». وانقسم الفلاسفة المسلمون في قمة حضارتهم الى طرفين، المتكلمون دافعوا عن حق العقل في النظر بكافة المسائل الدينية والدنيوية وطالبوا بتقديم العقل على النقل ونظروا للقول الشهير «تقديم العقلي على النقلي» ثم توسع مفهوم العقل ليشمل العلوم الطبيعية والرياضيات والمنطق. أما المعتزلة فقد جعلوا من العقل «وكيل الله على الأرض» وجعلوه مع الكتاب والسنة والإجماع الدليل الرابع وسموه حجة العقل وكان قولهم الشهير «معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل» وأكد الاشاعرة هذه الآراء وحدث النزاع ثم تحول للصراع حول اختلاف المفاهيم والشروحات للعقل حتى كانت في الأخير فلسفة الكندي والفارابي والرازي وابن سينا والغزالي وابن رشد وغيرهم. ولعل المتعمق في الفلسفات الاسلامية العربية على مختلف أشكالياتها يلاحظ ان هذه الفلسفات لم تخرج مفهوم العقل من مجال توظيفاته واستثماراته في ضوء العلوم الدينية والوضعية. وينتقل الباحث الى مفهوم العقل في الفلسفة الاوروبية الحديثة ويطلق عليه «الحداثة» ويعتبر ديكارت أبا هذه الحداثة الفلسفية الاوروبية ثم يأتي «كانط» بمشروعه الداعي العقل الى معرفة نفسه كي يصبح واعياً بغاياته وحدوده ومصالحه ومبادئه. أما «هيغل» فيؤكد ان العقل هو حاكم العالم وهي مقولة للاغريقي «انكساغوراس» ولكن هيغل يصل في مرحلة يؤسس فيها لمدرسة العقل وتصوراته الميتافيزيقية وفق تعاليم اللاهوت الجديد للمسيحية الجديدة «البروتستانتية» كون مصدرها مارتن لوثر ألماني الأقلمة وهيغل ابن اقليمه. وربما هيغل يعود بتلك النظرية اللاهوتية المسيحية الى مصدرها الكتاب المقدس وقول القديس أوغستين: آمن كي تتعقل. ويتابع الباحث استعراضه لكبار الفلاسفة الذين ارتبطت حداثتهم بتتويج مفهوم العقل المتمركز على الذات، حيث اعتلى العقل قمة الهرم أمثال ماركوز، يور كهايمر، هابرماس، فوكو، دولوز، فرانسوا اليوتار، ديريدا. وأعطى مثالاً لرأي كل واحد منهم. ثم انتقل الى نقد العقل في الفكر العربي الحديث واستعرض التصورات العديدة التي تناولت نقد العقل في الفكر العربي الحديث وكيف اتخذ هذا النقد اتجاهات متنوعة فكرية وثقافية ودينية واستعرض أسماء كبار المفكرين العرب أمثال: محمد عابد الجابري، برهان غليون، جورج طرابيشي، طه عبدالرحمن ومطاع الصفدي... الخ. وشرح نظرية كل من هذه الاسماء، فالجابري صاحب نظرية تشطير العقل العربي. أما برهان غليون فسماها تبعية العقل، وطه عبدالرحمن سماها وصل العقل بالدين، وجورج طرابيشي أطلق عليها نقد النقد، أما مطاع الصفدي فوصفها بنظرية الحاق العقل، وكل هذه التسميات والاشكاليات نابعة عند معظم المفكرين العرب المعاصرين بما يسمى «اشكاليات العقل العربي» وفي بحثه حول الميتافيزيقيا وتأويلها الفلسفي عند الغرب والشرق يرجع الباحث الى ديانات الشرق وأساطيره هي المصدر الأساسي لهذه الفلسفة الميتافيزيقية من أساطير بابل وتأثر التوراة بها الى أساطير الفراعنة والساحل السوري الى النص الانجيلي كله، دخل في المرادفات الفلسفية الميتافيزيقية حين تمت التترجمة من لغات الشرق القديم الى لغات أوروبا الحية. فمصطلح أسطورة الرب هي حالة اشكالية في النقل المعرفي، اما تسمية الباحث بالاقلمة فكل ما صدر عن الغرب من معارف ليس سوى قادم انطلق من أرض الشرق العريقة بمعارفها الى الغرب وتأقلم معه عبر ترجمات ومرادفات انصهرت بمعارفه المتواترة على أرضه وبين شعوبه التي سكنت شمال المتوسط حيث انتقلت هذه المعارف من شرق وجنوب المتوسط الى شماله فدمجته وألبسته ثوباً جديداً مطرزاً وإن كان النسيج شرقياً. وهذا ما أطلق عليه عمر كوش مصطلح «فاعليات الاستشراق» التي أدت فيما بعد الى ان نظرة غربية متعالية نحو بلاد الشرق توجت بالحروب الصليبية التي غذتها نزعة لاهوتية ذات مخيلة عدوانية واستعمارية. وينهي الباحث كتابه بدراسة لفن الابداع الادبي عند العرب وفي العصر الحديث من رواية. وشعر وقصة ونحت ورسم وذكر اسماء لمبدعين في هذه المجالات كطه حسين وحنا مينا وعبدالرحمن منيف وجمال الغيطاني وصنع الله ابراهيم ومحمود درويش وغيرهم كثر. وضاح محيي الدين