بيان الكتب: في كتابه بعنوان «العولمة والتكنولوجيا» يذكر الدكتور محمد عبد الشفيع عيسى أن قضية العولمة وتأثيراتها المختلفة على دول العالم مازالت محل نقاش بين الدوائر الاقتصادية المحلية والدولية. ولأن هناك قضية أخرى ترتبط بها ولا تقل عنها أهمية وهي التطورات التكنولوجية السريعة والمتزايدة في كل القطاعات والمجالات. ولم يكن ذلك الربط بين العولمة والتكنولوجيا جديدا، فها هو طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» المنشور لأول مرة عام 1938، قد ذكر فيه: جاء العصر الحديث، وتحقق الاتصال بين مصر وأوروبا، بل وبين أجزاء الأرض جميعاً.. وقوى هذا الاتصال حتى أصبح المقوم الأول والأساسي لحياة الأفراد والجماعات. وأضاف - بالنص الحرفي: فقد ألغيت مسافات الزمان والمكان بين الأمم والشعوب وأصبح المصريون يعرفون في اليوم نفسه، بل في اللحظة نفسها، أحداث العالمية، كما يعرف العالمان في اليوم نفسه، بل في اللحظة نفسها أحداث مصر. وبعد نحو ستين عاما من هذا القول جاء في التقرير الدولي للتنمية البشرية - لعام 1999 - الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي مايلي: والعولمة ليست جديدة، ولكن الحقبة الحالية ذات سمات متميزة. فانكماش المكان وانكماش الزمان واختفاء الحدود وهي كلها أمور تربط حياة الناس على نحو أعمق وأشد وأسرع مما كان يحدث في أي وقت مضى. ويضيف هذا التقرير: العولمة®. هي تزايد الاعتماد المتبادل بين سكان العالم®. والعولمة هي عملية لا تدمج الاقتصاد فحسب بل تدمج أيضا الثقافة والتكنولوجيا والحكم. ويمكن ان نخلص من هذه المقارنة بين عملين يفصل بينهما نحو ستين عاما، إلى أن هناك تسليما بالتقدم الذي أحدثه التطور التكنولوجي المعاصر في تقريب الشقة بين ابناء العالم الواحد، بحيث أمحت مسافات الزمان والمكان.وتلاشت الحدود بمعنى الجيو - سياسي®. ولا شك ان ادراك علاقات الزمان والمكان يتسم دائما بصفة النسبية، فقد حدثت عدة قفزات في التاريخ لطريقة الاتصال المادي والثقافي بين المناطق الجغرافية المختلفة. وكان هناك ترافق متواز بين خطي الاتصال المذكوري: فبالتوازي مع الثورة التكنولوجية الأولى بظهور الزراعة والرعي، حدث تقدم جوهري في وسيلة الاتصال المادي بترويض الحيوان وخاصة الخيول، كما حدث تغير نوعي في اداة التواصل الثقافي بنشأة اللغة. وجرى تطوير وسائل الانتقال المادي بظهور وسائل النقل المائي، وتطوير النقل البري بالخيول عن طريق استخدام المركبات ذات العجلات®. وسمح تقدم النقل البري والبحري بتطور التواصل الثقافي، عبر انتقال المخطوطات الورقية، ومن ثم اثراء اللغة لأغراض التعبير الأدبي والفلسفي والعلمي، وذلك في الحضارات الزراعية والتجارية الكبرى في العصر القديم حضارات الشرق الأدني والاغريق والعصر والوسيط الحضارة العربية الاسلامية. وتبزغ الثورة التكنولوجية الثانية في التاريخ البشري الثورة الصناعية مدفوعة بقوي اجتماعية معينة في أوروبا ظهرت ارهاصات الثورة المعاصرة في النقل، من خلال تقدم الملاحة البحرية وماسمحت به من الكشوف الجغرافية الكبرى في أوائل القرن السادس عشر كشف رأس الرجاء الصالح والامريكتين ومع اكتشاف طاقة البخار واستخدامها الصناعي المتطور في أواخر القرن الثامن عشر حدثت ثورة موازية في النقل البري في أوائل القرن العشرين، ثم ثورة النقل الجوي بتصنيع الطائرة لغرض الاستخدام العسكري والمدني وخاصة منذ العقد الثالث للقرن العشرين. وفي نفس الوقت شهد التواصل اللغوي والثقافي - لأغراض مختلفة - ثورة موازية من خلال الاستخدام التجاري للطاقة الكهربائية في الاتصال عبر المسافات البعيدة من خلال المبرقة منذ الثلث الاخير للقرن التاسع عشر ثم الهاتف، جنبا الى جنب مع التقدم في وسائل الاتصال الثقافي عن طريق تكنولوجيا التسجيل الصوتي الفونوجراف في أوائل القرن العشرين. وقد مضت الثورة الصناعية تواصل تطورها: فبعد مايمكن أن يسمى الثورة الصناعية الأولى الممتدة منذ الربع الاخير للقرن الثامن عشر الى الربع الأخير من القرن التاسع عشر والتي شهدت تصنيع واستخدام الالات والمعدات من المعادن الاساسية خاصة الحديد، واستخدام مصدر الطاقة الصناعي ممثلا في البخار - جاءت الثورة الصناعية الثانية التي شهدت التقدم النوعي في مصادر الطاقة: في الكهرباء والبترول، وفي استخدامات الحديد والصلب وذلك خلال ثلاثة أرباع القرن الممتدة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 ثم تلتها ثورة صناعية ثالثة قامت على تغيير نوعي في الطاقة بالذات، وذلك باكتشاف الالكترونيات، ومن ثم الطاقة النووية®. وقد استخدمت الالكترونيات من خلال مايمكن أن تطلق عليه الثورة الالكترونية استخداما متطورا، عبر الطيران والفضاء من ناحية أولى، والأجهزة الالكترونية الدقيقة الموجهة لاغراض متعددة من بينها الحساب الآلي والتحكم الأوتوماتيكي - من ناحية ثانية. ولقد مكنت الثورة الالكترونية بني البشر من تنوير طريقة اتصالهم المادي والثقافي عن طريق الطائرات السريعة الأسرع من الصوت وغزو الفضاء بالأقمار الصناعية وسفن الفضاء والمركبات المجهزة لحمل البشر والبقاء لفترات طويلة واستكشاف بعض الكواكب القريبة، جنبا الى جنب الثورة في نقل البيانات عبر الحدود بواسطة الأقمار والكوابل من الألياف الضوئية تحت البحار والمحيطات. وسرعان ماظهرت ثورة من داخل الثورة، وذلك منذ أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن العشرين ثورة التكنولوجيا العالية وخاصة في المجالين الالكتروني والحيوي. ففي المجال الالكتروني الدقيق تم استحداث جملة تغيرات نوعية من أجهزة معالجة المعلومات وأجهزة الاتصال عن بعد. وبعد أن كان هناك مجالان منفصلان نسبيا هما المعلوماتية والاتصالية، فقد اندمجا معا ليصبحا نواة لتكنولوجيا المعلومات المتقدمة الراهنة في مطلع القرن الحادي والعشرين، باستخدام التطور في تكنولوجيا النقل المعلوماتي الرقمية وتلك هي ثورة الاتصال أو التواصل الشبكي عبر العالم كله ثورة الانترنت والدش والهواتف المحمولة. هذا عن المجال الالكتروني الدقيق، أما المجال الثاني وهو المجال الحيوي، فهو مسرح التغير النوعي في التكنولوجيا الحيوية على صعيدين: صعيد التصنيع لمنتجات الهندسة الوراثية وتطبيقاتها المختلفة في الطب الزراعة والغذاء، وصعيد البحث العلمي بغرض استكمال الخريطة الوراثية للجسم البشري الجينوم. وفي هذا الاطار بالدقة، اطار انمحاء مسافات الزمان - المكان، شاع الحديث عن العولمة والحق أن هذا التماهي بين العولمة واختفاء فواصل الزمان والمكان وحدود الجغرافيا السياسية بين مجتمعات العالم الآن، هو أبرز مايطرح على المستويين العالمي والمحلي حول مفهوم العولمة، ويقابله طرح اخر يعتمد مقاربة اقتصادية - سياسية فحواها أن العولمة جوهرها التمدد النوعي في نشاط نفوذ الشركات عابرة الجنسيات في الاقتصاد العالمي بل والمجتمع العالمي المعاصر. وهكذا نلتقى بوجهتي نظر رئيسيتين حول مفهوم العولمة. وجهة نظر تعبر عن التطور النوعي في وسائط الاتصال وتقنياته، فإذا العالم قرية صغيرة واحدة. - وجهة نظر تعبير عن تعملق فواعل اقتصادية كبرى، هي الشركات العملاقة دولية النشاط. ويخلص الباحث بعد مناقشة عميقة مع الرؤيتين أو وجهتي النظر الى: النظر الى مصطلح ومفهوم العولمة وعلاقته بالتكنولوجيا - كبنية معرفية - على مستويين: مستوى البنية الظاهرة أو السطحية، وبهذا المعنى تعبر العولمة عن مستوى مرتفع نوعيا في مدى وكثافة الاتصال الكوكبي، أو سرعة وعمق عملية التشابك العالمي. مستوى البنية العميقة، وبهذا المعنى فإن العولمة تعبر عن عملية التعامل اللامتساوي بين غير الانداد في الميدان التكنولوجي بالذات. وبعبارة أخرى فإنها لا تمثل الاعتماد المتبادل بين الفرقاء وانما هي تمثل بالتعبير الشائع حكم القوي على الضعيف. هل كانت مصادفة أن تتصاعد نبرة العولمة والدعوة الى اللبرلة منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين في نفس الوقت الذي شهد انهيار القطب الثاني في النظام الدولي - الاتحاد السوفييتي، وانهيار وحدة العالم الثالث تحت ضربات التحول الاقتصادي الجوهري في شرق اسيا والتحول السياسي - العسكري المرافق لحرب الخليج الثانية؟ فقد أتاح انهيار القطب الثاني وانهيار وحدة العالم الثالث بروز العالم الأول ليصبح سيد العالم وفي قلبه وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية. وهكذا صار من الممكن أن يسود نموذج اقتصاد السوق من قبل النظام الرأسمالي المتقدم ويعيد صياغة العالم على شاكلته. ان فتح الأسواق، الذي هو جوهر اللبرلة التي انداحت من بوابة اتفاقات أوراجواي لعام 1995، وقد سبقه فتح من نوع اخر هو فتح منطقتي أوراسيا والبلقان بانهيار الكتلة السوفييتية وتوابعها وفتح الجنوب انطلاقا من تأمين السيطرة على منابع امدادات البترول®. ويمثل هذا الاختراق الاقتصادي - السياسي المحاولة الطموح الكبرى لتحويل الرأسمالية من نظام دولي محصور في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية والشمالية والجنوبية واليابانية الى منظومة اقتصادية عالمية تشمل العالم كله، بل والى نظام عالمي بالمعنى المحدد قائم على الضبط والربط المقنن بالتشريع الاقتصادي الدولي اتفاقية أوراجواي. وتمتد المحاولة الطموح الى مد نفوذ الرأسمالية من الاقتصاد الى الاجتماع الى رسملة المجتمع العالمي ككل، انطلاقا من الثقافة باعتبارها منظومة أنماط للتفكير والسلوك. وانطلاقا مماسبق يمكن لنا أن نميز بين ثلاث فئات من القوى الفاعلة في عملية بناء العولمة أو معارضتها: قوى العولمة الدول الرأسمالية المتقدمة مجموعة الدول السبع الصناعية +الشركات عابرة الجنسيات + المنظمات الاقتصادية الدولية الرسمية متعددة الأطراف. أما القوى المضادة للعولمة: الحركات ذات الانتماء الضيق أو الصغير أو الأصغر بالمقارنة حتى مع الدولة الوطنية وليدة الاستقلال وقد أخذت هذه الحركات صورة التمردات والهبات العرقية والقلبية والطائفية والدينية. وأما عن قوى العولمة المضادة: الجريمة الدولية المنظمة العصابات - الدولية الكبرى لتهريب المخدرات والأموال وغسيلها على النطاق الدولي وهي شكل من أشكال العولمة المضادة السلبية. والعولمة المضادة الايجابية هي محاولة فرض صيغة المشاركة الايجابية والمقاومة النسبية وذلك من خلال المشاركة الايجابية في تقاسم التكنولوجية العالمية ونواتجها. بعد ذلك ينتقل الباحث الى دراسة حالة تفصيلية متخصصة الصناعة الدوائية كمجال للعولمة المقيدة وفيها يكشف عن الحدود المعروضة على نقل التكنولوجيا. القاهرة ـ «بيان الكتب»