بيان الكتب: يرشح كثير من الباحثين الصين لكي تكون القوة الدولية الصاعدة في العقود المقبلة لكي تلعب دورا مهما في اعادة التوازن الدولي سواء كان بصورة ذاتية، او من خلال محاور جديدة يمكن ان تبرز، الامر الذي جعل الصين محط اهتمام الباحثين والدارسين، وكتاب (الصين الشعبية عملاق قادم من الشرق) للدكتور منير الحمش يشكل محاولة لدراسة التجربة الصينية في الانفتاح والاصلاح الاقتصادي وفي العمق الثقافي والسياسي الذي يساعد على هذا الانفتاح. يناقش الباحث في بداية الكتاب الاسباب الموضوعية التي ادت الى الهزة الاقتصادية والمالية التي ضربت مجموعة النمور الآسيوية الخمسة لعام 1997 في حين استطاعت الصين بفضل القواعد والضوابط التي اوجدتها لحركة رأس المال والسياسات الاقتصادية والمالية في النجاة من هذه الازمة، ينتقل بعدها لاستعراض استراتيجيات التنمية التي اعتمدتها الصين والتي ابتدأت مع التنمية الاولى التي بدأت منذ ميلاد دولة الصين الشعبية وحتى عام 1979، هذه التنمية التي استندت الى مباديء النظرية الماركسية اللينينية والعمل على تكيفها مع الواقع الصيني، وقد تميزت بالعمل على تحقيق التوازن بين الزراعة والصناعة، وبتنمية فروع الصناعة الثقيلة والخفيفة معا الى جانب تطوير اساليب الانتاج عالية التقنية واساليب الانتاج التقليدية ايضا. وتمتد المرحلة الثانية من عام 1979 الى عام 1999 حيث تميزت هذه المرحلة بالعمل على التوفيق بين رأس المال الخاص، ورأس المال العام وبين رأس المال الوطني (العام والخاص) ورأس المال الاجنبي، وقد نجم عن هذه السياسة تغيرات في هيكل انتاج الصناعات التحويلية ترافق مع تطور تكنولوجي ادى الى حدوث نقلة نوعية في تركيب الصادرات وارتفاع في نمو الناتج المحلي الاجمالي. بعد ذلك يتحدث د. الحمش عن تاريخ الصين ومرحلة وصول الشيوعيين الى السلطة كما يتناول تعاليم كونفوشيوس، ويتحدث عن سياسة الاصلاج الاقتصادي التي بدأت في مرحلتها الاولى عام 1978 وامتدت الى عام 1992 ثم استكملت بالمرحلة الثانية لكن الاصلاح الاوسع تم في عام 1997 عندما جرت الموافقة على برنامج الاصلاح الذي تقدم به جيانغ زيمين الامين العام للحزب الشيوعي الصيني اذ احدث هذا البرنامج تطويرا كبيرا في بنية الاقتصاد الصيني ادى الى نمو واضح في الناتج الاجمالي المحلي. ويشير الباحث في هذا الصدد الى الغياب التام للاستثمار المالي العربي في الصين في الوقت الذي بلغت فيه الاستثمارات الاسرائيلية مئات الملايين في مجالات التكنولوجيا وبرامج الكمبيوتر ويبين الباحث نتائج هذا الوضع على العلاقات الصينية الاسرائيلية التي شهدت تطورا واضحا وتعاونا في مجالات تطوير الصناعات العسكرية الصينية في الوقت الذي شهدنا فيه ضعفا في الموقف الصيني تجاه القضايا العربية. وبعد ان يتحدث عن الجوانب التاريخية والسياسية ينتقل للحديث عن مسألة الاستثمار الاجنبي في الصين والمناطق الصناعية الخاصة التي اقيمت لهذا الغرض والتعديل الذي طرأ على النظرية الاشتراكية الماوية التي استبدلت بنظرية (اشتراكية السوق) ثم ينتقل للحديث عن موقع الصين في العلاقات الدولية خاصة فيما يتعلق بالموقف من سياسة توسيع حلف الناتو، والعلاقات الروسية الصينية وقضية الامن في شرق اسيا الى جانب قضايا الحد من اسلحة الدمار الشامل وانتشارها والموقف من القضايا العربية وما يتصل بذلك على صعيد العلاقات الصينية الاسرائيلية التي شهدت انتعاشا في السنوات القليلة الماضية كما يقدم عرضا لوجهة النظر الصينية في علاقاتها مع العرب. وفي ختام الكتاب يناقش الباحث وضع الصين في الربع الاخير من القرن الحادي والعشرين من خلال طرح مجموعة من المشاهد الداخلية والسيناريوهات المحتملة لمستقبل الصين وسياستها الخارجية اذ يطرح المشهد الداخلي عددا من المشاكل والاشكاليات تتعلق بالمسيرة الاقتصادية وما يتصل بها على مستوى السياسة الداخلية مع نمو القطاع الخاص وتزايد دوره ودور الاستثمارات الاجنبية في حين ان السيناريوهات المحتملة تحاول ان تتحدث عن نجاح الصين في سياساتها الاقتصادية وانعكاس ذلك على سياساتها الخارجية وموقعها الدولي في حين ان سيناريو آخر يذهب الى افتراض نمو اقتصاد الليبرالية الاقتصادية والسياسية، ومساهمة ذلك في اندماج الصين في الاقتصاد الرأسمالي العالمي بصورة تؤكد انتصار الرؤية الاميركية لنهايات مسيرة الاصلاح والانفتاح في الصين لكن ذلك لايمنع من القول بان ثمة مفاجأة يمكن ان تحدث وتقود الاوضاع باتجاه مختلف عما تفترضه هذه السيناريوهات المقترحة واذا كان ثمة تركيز على تجربة الصين في هذا المجال فلكونها تمثل تراثا حضاريا وقوة بشرية، وتوجها جديا لبناء صين قوية. احلام سليمان