اجرت مجلة «ربليون» الاسبانية مؤخرا حوارا مطولا مع الباحث الاميركي البارز نعوم تشومسكي، ألقى فيه الضوء على طبيعة الموقف السائد في الشرق الاوسط، حاليا محذرا من التدهور الكبير الذي يتسم به هذا الموقف وانتقد اسرائيل بشدة موضحا انها تمارس احتلالا للارض الفلسطينية منذ 35 عاما يتسم بطابعه الوحشي والعنيف والمدمر منذ البداية كما اتهم مسئولي الادارة الاميركية بأنهم يدبرون براهين زائفة لتوريط العراق تمهيدا لضربه مجددا. وفيما يلي نص الحوار: ـ في هذه اللحظة يتحرك موقف الرئيس الاميركي جورج بوش من ازمة الشرق الاوسط بشكل سريع، لكن حتى الآن كان هناك اشارات ملتبسة ومتناقضة من الادارة الاميركية، ما الذي يحدث باعتقادك؟ ـ اعتقد ان الالتباس داخل الادارة ماهو الا بلبلة متعلقة بالاهداف. ما اريد قوله هو ان الجناح اليميني واعني اليمين المتشدد يقف في صف رفع وتيرة العنف ضد الفلسطينيين وصولا الى سحقهم وآخرون قلقون بسبب الصدام في العالم العربي الذي هو شيء معقد ويحاولون العثور على سياسات تأخذ هذا بعين الاعتبار. والوضع هناك متدهور جدا حتى انه من الصعوبة بمكان الحديث عنه. فهي حالة لايوجد فيها تماثل وهناك الكثير من العنف والرعب على كلا الجانبين مما يعني انه وضع رهيب، وغير مبرر لكن المسألة هي ان الفلسطينيين عاشوا تحت الاحتلال على امتداد 35 عاما وكان هذا الاحتلال منذ البداية عنيفا ووحشيا ومفعما بالنازية والاذلال والتخريب ولقد كان مدعوما بالكامل من قبل الولايات المتحدة الاميركية بطريقة احادية الجانب ويشتمل الاحتلال على نشر المستوطنات في الاراضي الفلسطينية المحتلة وكان باراك في سنته الاخيرة عمليا هو من ضرب رقما قياسيا في هذا الميدان منذ اوسلو ودائما مدعوما من الولايات المتحدة. ببساطة لايوجد هناك تماثل. وفي الميدان الدبلوماسي من الممكن توجيه الكثير من النقد للدول العربية فعمليا قليلة هي الاشياء الجيدة التي يمكن ان تقال عنها لكن حقيقة القضية تتمثل في ان الذي يحاصر الآن هي الخطة السعودية، انها باختصار المعارضة الاميركية ـ الاسرائيلية احادية الجانب. ـ وفقا لما تؤكده حول الاحتلال، هل تعتقد ان «الانتحاريين» الفلسطينيين هم مناضلون في سبيل الحرية ام انهم «ارهابيون»؟ ـ ارهابيون!! انهم يحاولون الكفاح في سبيل الحرية، لكن بطريقة غير مقبولة بشكل كامل. ولقد كنت ضدهم دائما كما انا الآن لكن ما يمارسونه (ارهاب) صغير جدا بالمقارنة مع الارهاب الاسرائيلي المدعوم اميركيا وعادة مايستجيب العنف للوسائل العنيفة وهذه الحالة لاتشكل اي مخالفة للقاعدة المذكورة. اما اذا وافقت على ان «الانتحاريين» لا يملكون تبريرا، فان المسألة تصبح اذا كان لدى ضحايا هذه الاعتداءات الحق في القيام بأي فعل يعتبرونه ضروريا للقضاء على هذا الامر الذي شكل تبريرا لارييل شارون منذ بداية هجومه. من المؤكد انه مبرر ان يدافعوا عن انفسهم لكنه ليس مبررا ان يحتلوا شعبا آخر منتهكين بشكل مفتوح الحق العالمي بارهابيتهم ووحشيتهم، هذا ليس مبررا مع انه يحدث منذ 35 عاما. ولو انهم يتوصلون الى اتفاق سياسي، ولو انهم يتقدمون خطوات باتجاه اتفاق سياسي حقيقي وتوافق عليه كل من الولايات المتحدة واسرائيل لكان مبررا ان يدافعوا عن انفسهم لكن لا يمكن الحديث عن دفاع عن النفس عندما يوجد احتلال عسكري وهذا لايبرر العمليات (الارهابية) لكن مفهوم الدفاع عن النفس ليس له متسع في هذا الاطار قطعا. ـ هل هذا يعني انه من الممكن مقارنة الهجمات الانتحارية مع هجمات 11 سبتمبر بطريقة ما؟ ـ ليس بأي شكل من الاشكال اذ ان «القاعدة» لم تكن تحت احتلال عسكري اميركي، مع انهم يؤكدون ذلك مثلما يبررون لانفسهم قائلين ان الولايات المتحدة تحتل ارضا عربية. اما فيما يتعلق بالرد الصحيح على اعتداءات 11 سبتمبر الارهابية فتلك مسألة اخرى فاذا اردنا الحديث عن ذلك الرد، يتعين علينا ان نكون مستعدين لتثبيت بعض المباديء. على سبيل المثال مبدأ اساسي يتمثل في انه اذا كان هناك شيء مناسب لنا فهو مناسب ايضا للآخرين واذا كان هذا الشيء خطأ بالنسبة للباقين اذن هو خطأ بالنسبة لنا ايضا واذا لم نقبل بهذا المبدأ فلا يمكننا حتى الحديث عما هو سيء وماهو خير. وهكذا فان الذين يعتقدون ان الرد المناسب على 11 من سبتمبر يتمثل في قصف افغانستان سيتعين عليهم ايضا الاعتقاد بان الاسلوب الصحيح للرد على ارهاب الولايات المتحدة هو قصف واشنطن. وانا لا اعرف احدا يعتقد بذلك. انا متأكد. او ان جميع الذين ناقشوا حول هذا الموضوع منذ 11 سبتمبر تقريبا يمكن تفنيد افكارهم ذلك انهم لم يبلغوا حتى مستوى الحد الادنى الاخلاقي. هذا يبقي مسألة الرد المناسب على ارهاب القاعدة مفتوحة واعتقد ان هذا الرد كان موجودا ـ لكنه لا يمت بأية صلة مع ما يحدث في «اسرائيل» وفلسطين. ـ وفي حالة اسرائيل، أليس الذي يحدث بالضبط انهم يجرون مقاربات وبالتالي يبرر تطبيق وسائل الولايات المتحدة ضد الارهاب بما في ذلك تغيير نظام هنا أو نظام هناك؟ ـ إن الحديث عن أن الأمرين متوازيين مثير للسخرية. ذلك ان اسرائيل تمارس احتلالاً منذ 35 عاماً، وكان هذا الاحتلال منذ بدايته وحشياً وعنيفاً ومخرباً. ببساطة أقول ليس هناك مقارنة. وذلك لا يبرر النشاطات الارهابية الفلسطينية ولا الارهاب الاسرائيلي الأكثر تطرفاً الذي يتواصل، لكن ببساطة لا يمكن اجراء المقارنة بأية طريقة عقلانية. ـ يمكننا الآن توسيع التحليل باتجاه خطط بوش الخاصة بمهاجمة العراق، والتي تشاهد بوضوح انها متأثرة جداً بما يجري في الشرق الأوسط.. ترى هل يمكن لتهديد محتمل لهجوم ارهابي بأسلحة دمار شامل أن يبرر هجوماً وقائياً ضد العراق؟ ـ تحتاج الهجومات الاحتياطية لوضوح قوي للغاية وهو كثير ما يجب تبريره، ونحن بعيدون كل البعد عن وجود شيء من هذا القبيل. من الصعب أخذ بوش ومستشاريه على محمل الجد، عندما يتكلمون عن الأسباب التي يريدون من خلالها عزل الرئيس العراقي، ولكن مستشاري بوش لا يتعارضون معه، لأنه يحاول تطوير اسلحة تدمير شامل، فعندما تحرك كان ذلك بدعم من جانب والد الرئيس الاميركي الحالي. وتواصل الدعم ـ ايضاً من جانب بريطانيا ـ الى وقت متأخر زيادة عن اللزوم، فلقد كان الرئيس العراقي صديقاً وحليفاً مخلصاً للغرب وأكثر من ذلك، فبريطانيا والولايات المتحدة على حد سواء، واصلتا تزويده بالوسائل اللازمة من أجل تطوير أسلحة دمار شامل، ولذلك كان أخطر بكثير مما هو عليه الآن. فضلاً عن ذلك، إذا دققت في الأشخاص الذين تحاول الولايات المتحدة جمعهم من أجل عزله الآن ـ مثل ذلك الجنرال الذي لا يستطيع الحضور الى الاجتماع لأنه يحقق معه في الدنمارك بسبب مشاركته في مجزرة ـ ألا يظهر هذا بعض الاهتمام بكل الوضع بطريقة مقبولة بالنسبة للشعب العراقي. لذلك فإن مسألة ما العمل مع الرئيس العراقي جدية جداً، لكن لا يمكن أخذ هؤلاء الأشخاص على محمل الجد. ـ أي نوع من البراهين كان عليه تقديمها؟ لأن تقديم هذا النوع من البراهين يبدو خارج متناول الوكالات الدولية، وفي نهاية المطاف، ألم يكن يتعين عليهم ان يثقوا بوكالات الاستخبارات الخاصة بهم؟ ـ إنهم لا يثقون في استخباراتهم، بل انهم يثقون بمآربهم الخاصة التي هي شيء مختلف تماماً. ونحن لا نملك أي حق كي نعتقد بأن تعطي أية دولة ـ بخاصة دولة لها تاريخ الولايات المتحدة ـ الصلاحية لنفسها لتتصرف بشكل مستقل وبطريقة عنيفة معتمدة على مجموعات السلطة الخاصة بها. وان ذلك مثير للسخرية. ولن نسمح به لأحد اضافي، فلماذا نسمح به للولايات المتحدة؟ ـ ماذا هناك من الهجوم الوقائي المقترح مؤخرا من قبل مدير سابق لوكالة المخابرات المركزية الاميركية، والموجه على وجه التحديد لمنشآت يعتقدون انها تنتج أسلحة كيماوية نووية أو بيولوجية؟ ـ في المقام الأول لم يقدموا أية توضيحات حول تلك المنشآت ولم يشيروا الى انها تفترض تهديداً أو انهم ينوون مهاجمتها. ليس هذا ما يركزون عليه. لا يتعين علينا أن نكون ساذجين، فالذي يركزون عليه، كما نعرف جميعاً، هو ان العراق يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم. وبطريقة أو بأخرى ستحاول الولايات المتحدة العودة لفرض سيطرتها والتنصل من مدخل الخصوم الذي أصبحوا في الداخل، وبخاصة فرنسا وروسيا، وربما يعتقدون ان هذا الهدف الأمثل للتحقيق. ـ مع ذلك، هناك اتجاه متنام في تصريحات القادة السياسيين الأميركيين وكذلك في وسائل الإعلام وفي التصريحات المسربة من قبل وكالات الاستخبارات لاعطاء البراهين على الأقل من أجل اقناع الجمهور الأميركي بضرورة شن هجوم ضد العراق.؟ ـ لا مجال للشك بأنهم يبذلون جهوداً حثيثة لتلفيق ذرائع ـ أنا أفضل أن أنحي جانباً كلمة براهين ـ يبررون بها هجوماً ضد العراق وذلك من أجل محاولة استعادة السيطرة على ثاني احتياطي نفطي في العالم. وهو ليس هجوماً بكل معنى الكلمة، بل هو محاولة للتخلص من الرئيس العراقي، وقد يكون ذلك انجازاً ولكنه ليس الهدف الحقيقي. الهدف الحقيقي هو ما وصفته بالضبط. وتذكر انه بعد حرب الخليج الثانية تماماً، عندما كانت الولايات المتحدة تستحوذ على السيطرة الكاملة على المنطقة، كان هناك تحرك في الجنوب كان من الممكن ان يلحق الهزيمة بالنظام العراقي وحينها كان جورج بوش هو الوحيد الذي أعطى الصلاحية لبغداد للقضاء على هذا التحرك مستخدماً مروحيات عسكرية واسلحة أخرى. وهذا تم تفسيره بشكل علني. كتب توماس فريدمان الذي كان مراسلاً دبلوماسياً لـ «نيويورك تايمز» ان ذلك كان ضرورياً لأنه كما أوضح من الأفضل في العالم بالنسبة للولايات المتحدة ان تكون هناك حكومة عسكرية بقبضة حديدية تحكم العراق، وذلك لمصلحة حلفاء الولايات المتحدة مثل تركيا وغيرها، وطبعاً في مصلحة زعيم واشنطن نفسه، على الرغم من ان فريدمان لم يذكره بالاسم. ذلك كان الموقف عندما سمحت الولايات المتحدة للرئيس العراقي بسحق التحرك الشعبي في الجنوب ومنذ ذلك الحين لم يتغير شيء على الاطلاق. وإذا أرادت الولايات المتحدة فعل شيء لاستعادة السيطرة على العراق بالقوة فعليها ان تحافظ على تلك الشروط. ومن جانب آخر، لا يمكن السماح بنشوء نظام ديمقراطي ولا حتى ديمقراطية محدودة، وفي حال وجود مشاركة ديمقراطية فالاحتمال الأكبر ان تسير باتجاه التحالف مع العراق أو على الأقل باتجاه صلات مع العراق، وهذه ستكون محاصرة من قبل الولايات المتحدة التي تحاول الآن تنظيم جنرالات عراقيين كانت لهم يد طولى في بعض أبشع الفظاعات، وذلك كي يبنوا الحكومة العسكرية ذات القبضة الحديدية التي ستحكم العراق مثلما فعل الرئيس العراقي، كما وصفها توماس فريدمان ودعمها عملياً. عن «ربليون» ـ اسبانيا