تحول مخيم جنين إلى بطولة ومأساة، وانتقل في انتفاضة الاستقلال والاقصى الفلسطينية من سبات النكبة الى الفعل المقاوم الذي هز العالم وأرعب جيش الاحتلال ومن هنا فقد دفع هذا الجيش بثقل كبير من طاقته العسكرية، ومن قواته لتدمير المخيم ومسحه عن الخارطة. فقد أمست اكثر من ألف و350 أسرة من سكانه بدون مأوى، إضافة إلى هدم اكثر من 200 منزل وتسويتها بالأرض، وتدمير 500 منزل بصورة جزئية، بينما غدت غالبية البيوت آيلة للسقوط وغير قابلة للسكن جراء التصدع الذي نالها تحت تأثير القصف الصاروخي الجوي وقذائف الدبابات وتم تدمير حارتي الحواشين، وجورة الذهب تدميراً كاملاً إضافة لتهجير ألفين و 500 نفر إلى خارج المخيم نحو مدينة جنين وقريتي اليامون ورمانة (35). ودفع اللاجئون الفلسطينيون من سكان المخيم مرة جديدة ثمناً باهظاً من الدماء والضحايا والآلام ضريبة البقاء قرب الموطن الأصلي ورفض تكرار ما حدث عام النكبة. عش الدبابير مخيم جنين الشوكة الفلسطينية في حلق شارون وموفاز والاحتلال الإسرائيلي، والوردة التي نشرت عطرها الفوّاح على مسار و درب الشعب الفلسطيني قدم خلال انتفاضة الاستقلال الراهنة أكثر من 30 فدائياً نفذوا عمليات نوعية خاصة فوق الأرض المحتلة عام 1967 وداخل عمق فلسطين عام 1948، فاعتبرته قوات الاحتلال بمثابة المصنع المنتج، ومعمل تفريخ الاستشهاديين أو «عش الدبابير» وفق مصادر العدو، مما حدا بقادة أجهزة وأذرع المخابرات الاسرائيلية لاعتبار مدينة رام الله بمثابة مركز القيادات السياسية الأولى، ونابلس مدينة تصنيع وتجهيز العبوات، ومخيمي طولكرم وجنين منبت الاستشهاديين. وآخر هؤلاء الاستشهاديين من أبناء المخيم شادي زكريا الطوباسي منفذ عملية حيفا 26 مارس 2002، وقيس عدوان نصار أبو جبل الذي استشهد في طوباس يوم 6 ابريل 2002 والشهيد أيمن أبو الهيجاء منفذ عملية الباص العسكري الإسرائيلي شرقي مدينة حيفا يوم 10 ابريل 2002 حيث قتل 13 من جنود الاحتلال. وكان لهذه العمليات الفدائية الاستشهادية شواهد ونتائج مباشرة وفق أربعة أنساق (36). 1ـ نتائج إيجابية مباشرة، تمثلت بتحقيق قدر من مراجعة الذات عند الطرف الإسرائيلي، واشعاره بأن أمنه معرض للاهتزاز من القشرة إلى العمق، وأن الأمن والسلام هو أمن الفلسطينيين أولاً، واستخدام البطش والعنف في قمع الانتفاضة وحركة التحرر الوطنية الفلسطينية سيعرض بالضرورة كيان دولة الاحتلال لضربات قاصمة على المستويات كافة، خاصة المستوى الأمني منها . 2ـ نتائج مربكة تكتيكياً في الجانب الفلسطيني على المستويين السياسي والميداني الانتفاضي العسكري، تمثلت في إحداث شكل من الاستقطاب الشعبي الفلسطيني حول أسلوب ونمط العمل المسلح، ووقوع حالة تحول تدريجي للانتفاضة خفف من كونها ظاهرة ديمقراطية جماهيرية تشارك بها أوسع قطاعات من الشعب الفلسطيني لصالح كونها ظاهرة عسكرية بحتة تقوم على كاهل أفراد أو مجموعات، وهو ما وضعها وجهاً لوجه أمام آلة الحرب الإسرائيلية المتطورة والمتفوقة. 3ـ كذلك فان العمليات المشار إليها أعطت شارون وحكومة الائتلاف الإسرائيلية الصهيونية مساحة ولو بحدود معينة من الرداء الذي تلحفت به أمام أوروبا الغربية وبالطبع الولايات المتحدة للظهور بمظهر الحمل الوديع. 4 ـ ومن المعطيات الجديدة المثيرة التي برزت تصدر الشابات الفلسطينيات ارتداء الحزام الناسف، والقيام بتنفيذ سلسلة من العمليات النوعية، وهو أمر لم تعتد عليه أجهزة الأمن الإسرائيلية في فلسطين، بينما اعتادت سابقاً على مشاركة الفلسطينيات بالعمل السياسي الوطني العام، والعمل الفدائي بحدود معينة في إطار المشاركة مع مجموعات قتالية، كمشاركة: الشهيدة دلال المغربي، الشهيدة شادية أبو غزالة، الشهيدة أمل الكرمي، المناضلة عائشة عودة، المناضلة لطيفة حواري في عمليات وقعت داخل فلسطين. مزيد من الاسئلة وبكل الحالات، ولّدت العمليات الفدائية التي وقعت اثناء حصار مخيم جنين والدفاع عن مدينة نابلس عند الإسرائيليين شعوراً إضافياً رفع من ميزان الرعب، وفتح المجال بشكل أوسع أمام الرأي العام الإسرائيلي، وأمام جمهور الإنتلجنسيا اليهودية على أرض فلسطين التاريخية لطرح المزيد من الأسئلة المتعلقة بالحدود الممكنة لإيقاف أو فرملة أو تخفيف الإندفاع الوطني في الشارع الفلسطيني. كما أن عمليات التطهير العرقي الإسرائيلية الصهيونية الجديدة التي شنت ضد الشعب الفلسطيني، واستشهاد مخيم جنين بعد صمود أسطوري دفع القطاعات الأوسع من الفلسطينيين لإطلاق الصيحة المدوية المنادية باستمرار العمليات الاستشهادية، بينما آثرت قطاعات أقل اتساعاً تجنب الانجراف نحو سلوك انتقامي وتركيز العمل المقاوم ضد قوات الاحتلال فوق الاراضي المحتلة عام1967 وتجنب المساس بالمدنيين، والاحتكام الى قواعد حسابات الربح والخسارة. فالعمل المقاوم الموجه والقائم على استهداف قوات الاحتلال وميليشيا المستوطنين المستعمرين فوق الأرض المحتلة عام 1967 والمتكامل مع الانتفاضة كنمط رئيسي للعمل الفلسطيني ضد الاحتلال عمل مشروع لا يختلف اثنان بشأنه ولا يثير أية ردود فعل سلبية أو استياء على المستوى العالمي، عدا كونه يقدم حركة الشعب الفلسطيني كحركة تحرر وانعتاق وطني، وهو الطريق لإعادة شحن الحضور الجماهيري والشعبي للانتفاضة كحركة تحرر وطني لشعب تحت الاحتلال .كما أنه الطريق الأسلم لنقل التفعيلات والتأثيرات إلى داخل الشارع اليهودي. وعلى هذا الأساس وقعت التحولات الإسرائيلية داخل جيش الاحتلال. وهو ما دفع زعيم كتلة ميرتس يوسي ساريد إلى القول بأن: الردع الذي حققه فلسطيني واحد (في إشارة إلى عملية حاجز عوفرا التي قتل فيها إحد عشر جندياً إسرائيلياً) يفوق ألف مرة الردع الذي حققه بن اليعازر وموفاز في عمليات بلاطة وجنين الاستعراضية، وأن الاحتلال هو الذي يقدم ويطوّل الحافزية لدوامة العنف وعلينا سحب أبنائنا من المناطق الفلسطينية حتى لا يتم اصطيادهم كطائر الأوز (37). ان التفاعلات المشار اليها لم تكن لتقع لولا الاسطورة التي صنعها ابناء مخيم جنين والانتفاضة الفلسطينية. وكما بقي يضم أبناء اللاجئين ذوي الانتماءات الطبقية شبه المسحوقة حيث أغلبية سكانه هم قرويون فلاحون أساساً، قبل أن يفقدوا أرضهم، يضم أيضاً أعداداً وفيرة من المناضلين المنتمين الى صفوف قوى منظمة التحرير الفلسطينية (حركة فتح، الجبهة الديمقراطية، الجبهة الشعبية) والتيار الإسلامي من حركتي حماس والجهاد الاسلامي. وسقط أثناء رد قوات الاحتلال والتصدي لها الشهيد زياد زبيدي قائد كتائب شهداء الأقصى/ الجناح العسكري لحركة فتح في المخيم، والشهيد مصطفى عبد الرحيم الشلبي قائد كتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية/ الجناح العسكري للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في المخيم، بينما أصيب المناضل الشيخ جمال أبو الهيجاء قائد كتائب عز الدين القسام ونسفت قوات الاحتلال منزله بعد أكثر من شهر على سقوط المخيم 18/5/2002، والشهيد محمود حلوة، والشهيد الشيخ محمد طوالبة (النورسي) قائد سرايا القدس / الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في المخيم ومدينة جنين، والشهيد حازم كبها الذي حمل الاسم الحركي (يوسف محمد ريحان ـ أبو جندل) الضابط في قوات الأمن الوطني الفلسطيني وقائد قوات المقاومة في المخيم المشكلة من أجهزة السلطة وجميع القوى الفلسطينية، وتم إعدام 33 من الأسرى. ومن الشهداء: أمجد الفايد، محمد الفايد، أشرف محمود أبو الهيجاء، نضال حسني ابو الهيجاء، منير وشاحي، محمد عطية، نضال محمد سويطات، نزار محمد مطاحن، وضاح فتحي صالح الشلبي، محمد عمر حواشين، فارس زيبن، عفاف علي حسن دسوقي، جمال فايد، كمال الصغير، الممرضة فروة جمال، فارس ذيب، احمد بشير شحادة حمدوني، محمد ابو سبعة. محمد حوشان، زياد حوشان. جمال عيسى محمد الصباغ، الهام الدسوقي، عبد الرحيم الشلبي، مريم الوشاحي، خليل القاطورة، عبد الكريم خليل القاطورة، ناصر الغريب، مراد شحادة، الشيخ رياض بدير، عبد الرحمن احمد فرج، عطية أبو رميلة، اكرم فضل عبد الحميد خليفة، عميد عزمي ابوحسن، محمد نافع عيد حردان، امل حسنين حميد حردان، منذر أمين الحاج، جميلة عبد العفو صادق حردان، مجدي ناجي محمد خليلية، فتحي عبد الله جمال، علي نائل سليم مصمص، جميل توفيق عرعراوي، عبد الكريم يوسف السعدي، يسري محمد خليل أبو الفرج، جابر حسني صابر جبر، كمال سعيد مصطفى الصغير، اياد فتحي قاسم بشارات، سعده عبد اللطيف محمود نجم، مريم عبدالله محمود شاهين، منير عيسى محمود شاهين، محمدتوفيق محمد كميل، منقذ محمد سعيد صوافطة، أشرف حمزة ضراغمة، نايف قاسم نايف عبد الجابر، عبد الناصر محمود احطوب، محمد مسعود محمد ابو السباع، علاء عبد اللطيف سايس، جمال محمود رشيد الفايد، كمال ابو الوفا (38). ووقع في الأسر العشرات من المناضلين من قادة وكوادر القوى المقاتلة: جمال حويل، الشيخ علي الصفوري، علاء الصباح، احمد دمج، فارس جرادات، علاء فرحات، اياد سلفيتي، محمد مصباح، عمر خنفر، محمد الرخ، أنور أبو راهوا، محمد تركمان، رياض عرقاوي، منير النجار، زكريا عيسى، سامي حلاقنة، نضال مصباح، معتصم البنا، صالح الستيخ، عبد الجبار خناص، كمال الصباح، محمد حطية، بلال رزة، ثابت مرداوي، عصام ابو السباع، حسن بشارات، الشيخ رياض جبر، حسن جبر (39). قصة الكمين المحصن بشكل عام فان حملة «السور الواقي» انتهت في مرحلة مابعد سقوط مخيم جنين باعتقال ما يزيد على خمسة آلاف و 500 فلسطيني، تم زجهم بالمعتقلات القديمة والجديدة القديمة التي أعيد فتحها. وحسب المصادر العسكرية والامنية الإسرائيلية، فقد تم اعتقال ما نسبته 5،0 بالمئة من الرجال الفلسطينيين البالغة أعمارهم بين 17 ـ 50 عاماً باعتبارهم يمثلون «القاعدة البشرية لتفريخ الإرهاب» في المناطق الفلسطينية (40). إن المقاتلين المدافعين عن المخيم شكلوا وحدة ميدانية من جميع القوى والفصائل الفاعلة والموجودة، وقاتلوا ببسالة نادرة، بالارادة، بالسلاح الفردي. وقاذف «أر بي جي» واحد فقط، وثمانية صواريخ لاو، إضافة إلى الأسلحة الرشاشة الخفيفة. والسلاح الأبيض الفردي في الالتحام مع قوات العدو. واستخدموا سلاح العبوات الناسفة التي تم زرعها في أماكن عدة في الشوارع مثل حاويات القمامة، والأماكن التي كان متوقعاً أن تخضع لتفتيش قوات الاحتلال الأمر الذي أوقع خسائر بشرية بصفوف الجيش الإسرائيلي. فالجانب التقني تمثل في تطوير عمليات زرع الأفخاخ والعبوات الناسفة واستبدال الحشوات التقليدية المعروفة والمشكلة من خليط (ثالث نترات التولوين) او بإختصار ( تي ان تي) لتتحول الى استخدام الحشوات الشعبية المتطورة ذات الفعالية، والمحضرة من المواد المتوفرة باليد. فضلاً عن زرع هذه العبوات بطريقة تبدو فيها للقوات الاسرائيلية وكأنها حجر أو صخرة على الطبيعة، أو حتى على هيئة أغصان، وبشكل غطى أطراف العقد الرئيسية لمحاور حركة قوات الاحتلال، وشهدت بعض المواقع داخل المخيم عمليات التحام بطولية فر خلالها جنود الاحتلال (41). لقد فشل جيش الاحتلال في اقتحام مخيم جنين حتى صباح 9 ابريل 2002 وسقط له أربعة عشر جندياً في الصباح ذاته في الكمين المحصن بالمقاتلين الفلسطينيين والذي استدرجتهم إليه الشهيدة الهام الدسوقي. وأصبحت مهمة إنهاء العملية العسكرية لاقتحام المخيم من أصعب المهام التي واجهت جيش الاحتلال على حد تعبير الصحف العبرية، وذلك في المرحلة الثالثة من خطة أورانيم المعنونة باسم «السور الدفاعي» فتمت إعادة تغيير الوحدة العسكرية الاسرائيلية وإرسال كتيبة احتياط جديدة من قوات الاحتلال لهذه الغاية، حتى استشهد المخيم ظهر يوم 10 ابريل 2002 بعد أن تكبدت قوات الإحتلال أكثر من 23 قتيلاً من لواء جولاني الذي يعتبر من خيرة القوات الإسرائيلية المنتخبة وبالذات وحدات العقرب الخاصة الاسرائيلية وتدمير أربع دبابات ميركافاه والعديد من العربات العسكرية (42). فأنتهت خطة «السور الواقي» من دون النتائج الحاسمة والسريعة التي أرادها شارون، الأمر الذي أشار إليه بنيامين بن اليعاز وزير حرب شارون حين قال: «يمكن الحد من الأعمال الإرهابية الفلسطينية، لكن لايمكن وقفها، وان السبيل الوحيد لوقفها يتم من خلال المحادثات والمفاوضات» (43).