بيان الكتب: في اطار الهم اليومي والضغوطات المختلفة التي يعيشها الانسان، أصبحت النكتة أو الطرفة ضرورة للانسان، لينفس بها بعض ما يعانيه، من حالات نفسية يجد نفسه مضطراً لمعايشتها. والكتاب الذي نستعرضه مخصص للنوادر والطرائف والنكت، لمؤلفه «أ. خالد»، وما يزيد من أهمية الكتاب على بساطة موضوعه انه بعض وميض الجزائر. يعكس الروحية المرحة التي يعيشها الانسان الجزائري على الرغم من جديته وصلابة حياته، والكتاب بعد ذلك هو جزء من ذاكرتنا العربية المرحة التي تنتشر في كل البلدان، اضافة الى مقدمته التي جعلها الكاتب دراسة معمقة لأصل النكتة في المعاجم والقواميس العربية، يقول: «بحثت في القاموس العربي عن مدلول النكتة فوجدت انها تعني النقطة السوداء في الثوب الأبيض، أو النقطة البيضاء في الثوب الأسود». لكن الكاتب يواصل البحث عله يعثر على معنى آخر للنكتة «ووجدت أيضا في القاموس ان النكتة هي الفكرة اللطيفة المؤثرة في النفوس» ولكنه لا يكتفي بهذه المعاني ويوسع دائرة بحثه ويجد في القاموس نفسه على حد تعبيره «ان النكتة تعني أيضاً المسألة العلمية الدقيقة التي يتوصل اليها بدقة وامعان فكر، لقد طبق أستاذ الرياضيات هذا المعنى فقال: اللهم اجعلني مستقيماً في حياتي ولا تجعل الدنيا حادة عليّ، واجعلني موازياً لعبادك الصالحين، اللهم اجعلني تابعاً للصالحين، أتقارب بانتظام نحو جنتك، وأتباعد عن النار مهما كان الحال وحيثما وجدت تقريباً، اللهم اجعل خيري من الخير مجموعة متراصة، ونصيبي من الشر مجموعة مهملة، واحتمال ارتكابي للمعاصي مجاوراً للصفر، اللهم اجعل مسقطي ونظري في الجنة، واجعل مرافقي عنصر حسنات... الخ». في هذا الكتاب نقرأ أكثر من 500 من النوادر والطرائف والنكت في القسم الأول منه، ومجموعة من الحكم والأقوال المأثورة في القسم الثاني من الكتاب، ويقول المؤلف انه استفاد في جمع مادة الكتاب من شبكة الانترنت، كما ان القاريء سيلاحظ ان الكثير من هذه النوادر والنكت والطرائف ذات طابع علمي بحت، وبعضها يأتي في صميم علم الرياضيات «فمن يتجرأ ويقول بعد اليوم ان الرياضيات جافة وان أهلها حادوا عن التنكيت، فقد كذب، ألم يروى عن أهل الرياضيات أنهم قاموا ذات يوم بترقيم نوادرهم وطرائفهم ونكتهم وصاروا يضحكون ويقهقهون كلما ذكر أحدهم رقماً، لأن كل رقم يذكرهم بنكتة طريفة». القسم الأول عن النكت والطرائف والنوادر، وقد قسمه الكاتب الى بعض الأعمار أو المهن أو القوميات، بمعنى انه حصر كل نماذج متشابهة تحت باب واحد، فيبدأ بالطرائف الخاصة بالأطفال والمعلمين، ثم مع الأهل، ومع السياسيين، والمحاسبين، والبخلاء، ومع العرب، والمسلمين، والمتهمين، والحمقى، والرياضيين والفيزيائيين والكيميائيين، ومع الاطباء والبيولوجيين، ومن متفرقات سماها من هنا وهناك والتي قد لا يستطيع تصنيفها بالأبواب التي ابتكرها، ولعلنا هنا نختار بعضاً من هذه النوادر والنكت والطرائف بصفتها نماذج لما ذهب اليه الباحث «أ. خالد». في باب الأطفال نقرأ «ذهب تلميذ بليد الى بائع الفاكهة القريب من مسكنه، وقال له: من فضلك زن لي 5 كلغ موز و3 كلغ تفاح و6 كلغ برتقال. فقام البائع بوزن ما طلبه التلميذ وجهزه في كيس كبير فسأله التلميذ: كم يكون وزن هذا الكيس الكبير. فقال البائع: 14 كلغ. فقال التلميذ: حسناً، احتفظ بالكيس وبالفاكهة، فقد كانت مجرد مسألة حسابية في كتاب الرياضيات لم أكن أعرف حلها». وفي باب نكات الأهل والعائلة نقرأ «كان لأم ولد دميم جداً وقبيح المنظر بحيث لا يقوى أحد على النظر فيه، وذات مرة اضطرت الى اخراجه معها لتشتري بعض مستلزمات البيت، وعندما كانت تختار بعض الخضار راح البائع يداعب ابنها فقالت الأم: لأول مرة أرى شخصاً يداعبه ويمزح معه، وعندما همت بالذهاب قدم البائع موزة الى الطفل، فقالت الأم: لا شكرا.. انه لا يحب الموز لأنه غير متعود على أكله. فرد البائع باستغراب: لأول مرة أرى قرداً لا يحب الموز»!! أما باب العرب فغزير بالطرائف التي تعددت ما بين الشعر والنثر، بعضها منقول من كتب السلف، والآخر مما يتناقله الرواة، ولعلنا نختار هذه الحكاية عن جحا والذي اشتهر بمواقفه ونكاته «كان جحا يتسوق فجاء رجل من الخلف وضربه كفاً على خده فالتفت اليه جحا وأراد ان يتعارك معه، ولكن الرجل اعتذر بشدة قائلاً: اني آسف يا سيدي فقد ظننتك فلاناً، فلم يقبل جحا هذا العذر وأصر على محاكمته، ولما علا الصياح بينهما اقترح الناس ان يذهبا الى القاضي ليحكم بينهما، فذهبا الى القاضي، وصادف ان ذلك القاضي يكون قريباً للجاني ولما سمع القاضي القصة، غمز لقريبه بعينه مشيراً الى انه سيخلصه من هذه الورطة، ثم أصدر القاضي حكمه بأن يدفع الرجل لجحا مبلغ 20 ديناراً عقوبة على ضربه. فقال الرجل: ولكن يا سيدي القاضي ليس معي شيء الآن. فقال القاضي وهو يغمز له: اذهب واحضرها حالاً وسينتظرك جحا عندي حتى تحضرها. فذهب الرجل وجلس جحا في مجلس القاضي ينتظر غريمه ليحضر المال، ولكن طال الانتظار ومرت الساعات ولم يحضر الرجل، ففهم جحا الخدعة فقام وتوجه الى القاضي وصفعه على خده صفعة طارت منها عمامته، وقال له: إذا أحضر غريمي الـ 20 ديناراً فخذها لك حلالاً طيباً، وانصرف». أما القسم الثاني فقد خصصه الكاتب «أ. خالد» الى الحكم والأقوال وقسم مادته الى أبواب مختلفة مثل الحكم التي تقال عن «الأولاد، المعروف، الصداقة، أحوال الناس، الرزق، المنطق، الحرب، الثقة، الجبان، الموت، الدنيا، النصيحة، الزواج، الرأي، الشجاعة، الوراثة، الفقر، العقل، اللسان، الكابوس، الغرور، الكتاب، الضيف، الحرية، السعادة، الاحسان، الصديق، شهر العسل، الشيخوخة، التواضع، النفاق... الخ». والواقع انه قسّم الحكم والأقوال المأثورة الى أبواب كما أسلفت بذكر نماذج لهذه الأبواب. قد لا تكون مادة هذا الكتاب في اطار أجناس الأدب والعلم إلا انه بالضرورة يمكن تصنيفه في اطار المعلومات العامة التي تجمع ما بين المتعة والمعرفة البسيطة، مثلما يرسم الابتسامة والمرح على وجه وروح القاريء. عبدالاله عبدالقادر