مطربة تونس الأولى تزور القاهرة الآن.. جملة كهذه، كان ينبغي ان تكون عنوانا يتصدر الصفحات الفنية في الصحف المصرية الى جوار صورة لعلياء بلعيد مع عرض لمشوارها الفني، الذي امتد لأكثر من ثمانية عشر عاما، توجه أخيرا مهرجان الاغنية التونسية بجائزته الكبرى. لكن الزيارة بدأت وكادت تنتهي من دون أن نقرأ خبرا واحدا يشير لتلك الزيارة! هذا التجاهل غير المتعمد له ـ بالطبع ـ مايبرره، وله أسبابه التي تجعله منطقيا، كما أن له نتائجه التي تجعل زيارات مطربة تونس الأولى علياء بلعيد تتكرر كثيرا الى حد الاستقرار شبه الدائم في مصر. تبريرات التجاهل، والاسباب التي جعلته منطقيا، ونتائجه وشيكة التحقق دفعتنا للرجوع الى بداية علياء والمضي معها من محطة إلى التي تليها.. حتى نصل الى المستقر والمنتهى. في العام 1985 كان الظهور الأول لها على الساحة الغنائية التونسية، فحينها شاركت في مسابقة نادي المواهب ولم تكن قد أتمت عامها السابع عشر غنت علياء أغنيتين لأم كلثوم وحصلت على 90% في أغنية «هو صحيح الهوا غلاب» وعلى 95% في أغنية «رباعيات الخيام». ثمانية عشر عاما مرت، ورغم ذلك تسمعها وهي تغني مقاطع من هاتين الاغنيتين فتدرك انها استحقت ماحصلت عليه عن جدارة. كانت المسابقة عبارة عن تصفيات لمسابقة الصيف: مسابقة مهرجان الاغنية التونسية، وطبعا أهلتها التصفيات للوصول اليها، فغنت من أشعار نزار قباني وألحان شاذلي أنور قصيدة «اغضب»، لتحصل على الجائزة الثانية بعد صابر الرباعي الذي كانت الجائزة الأولى من نصيبه. النتيجة مشرفة، ومشجعة لمطربة تضع أولى قدميها على الطريق، لكن علياء بكت بشدة، وحزنت جدا، لانها لم تنل ماتحلم به، لكن ماخفف عنها حينئذ، هو أن الملحنين بدأوا يطرقون ابوابها، ويضعون الألحان خصيصا لها ولصوتها الذي كان حافزا لهم على التحرك واخراج مايداعب خيالهم من تيمات مهما كانت درجة صعوبتها، فغنت علياء للملحن قاسم كافي «ياحبيبي لا تقل كيف افترقنا»، قبل أن تنضم مع بداية العام 1986 لفرقة مدينة تونس، وتغني من ألحان د.محمد عبيد «يانسمة جيتي منين»، ويخصها بقصيدة نزار قباني التي لحنها واحتفظ بها «أخبروني». عام مضى، وتم حل الفرقة، لكن سريعا ماجاءت الفرصة لعلياء كي تنضم للفرقة القومية للموسيقى التي كان يقودها الملحن التونسي المعروف عبدالرحمن العيادي، والذي غنت له «تشكي من المكتوب» و«دمعة وبسمة» و«أنا مااشتهيت» والتي نالت عنها الجائزة الأولى في الاستفتاء الجماهيري لمهرجان الأغنية التونسية. الفترة الطويلة التي قضتها علياء على الساحة الغنائية التونسية، كانت حصيلتها شهرة كبيرة، ونجاح أكبر، وذيوع صيت، وأصبح القاصي والداني يعرفان أن في تونس صوتا ينبض حسا، وقوة وحلاوة، اسمه «علياء بلعيد». ومرات قليلة خرجت علياء الى خارج حدودها، ذهبت الى الجزائر وليبيا وعراق ماقبل حرب الخليج. حصيلة السنوات الطويلة موجود في خزينة الاذاعة الوطنية التونسية، ستون أغنية تقريبا بين العاطفية والوطنية والدينية. وموجود أيضا في سوق الكاسيت في تونس عبر سبعة ألبومات غنائية. أليس غريبا بعد كل ذلك أن تظل علياء بلعيد مجهولة بالنسبة لقطاعات كبيرة من المهتمين بالفن والغناء في مصر؟ علياء فسرت لنا اللغز فأوضحت أن وسائل الاعلام في تونس محدودة الاثر على المستوى العربي، أما على المستوى المحلي فهي في منتهى القوة وتعطي للداخل رعاية كبيرة تجعل كل فنان كفء يحظى بالرعاية والاحتواء. محدودية تأثير الاعلام التونسي ليست هي السبب الوحيد، فعلياء تضيف اسبابا اخرى منها انها لا تجيد التخطيط، وان نسبة طموحها قليلة، وانها تحبط بسرعة حين كانت تسأل نفسها: ماذا أفعل داخل مصر وبها المئات يغنون، وهناك آلاف المطربين يدخلون اليها ويخرجون منها. وتعترف علياء انها لم تكن تعرف غير أن تغني وتفرح عندما يشيد بها وبصوتها المطربون والملحنون والنقاد. لكن كل ذلك تغير فجأة حين ظهر د.شكيب عبيد في حياتها، اذ تولى هو مهمة التخطيط، وأخذ يزيد من جرعة طموحها، ويشجعها على الخروج من الداخل الى الخارج حيث الظروف والمناخ أكثر ملاءمة لمزيد من الانتشار والنجاح. وكانت النتيجة سريعة، ومتسقة مع قدر الجهد، ففي العام 2000 حصلت علياء على جائزة أحسن أغنية وطنية عن اغنيتها «بلادي تغني» وفي العام 2000 أيضا حصلت على جائزة أحسن مطربة في مهرجان الأغنية التونسية عن أغنية «أعود إليك» التي لحنها لها لطفي بوشناق في أول تجربة له في التلحين لغيره من المطربين. والجائزة نفسها حصلت عليها في العام 2001 عن أغنية «حكم الشوق» التي لحنها عادل بندقة. ثم توجت ذلك كله بحصولها على الجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية التونسية لهذا العام عام 2002، الأمر الذي أهلها للغناء في مهرجان قرطاج القادم. الجديد الآخر، الذي أحدثه شكيب في حياة علياء الفنية، هو اقناعها بالاستقرار شبه الدائم في مصر، بعد أن عرفت مصر ـ كما تقول ـ ووجدت شعب مصر قريب من الشعب التونسي وقريب منها ومن قلبها، وماشجعها حين ظهرت في برنامج «القاهرة اليوم» الذي يقدمه عمرو أديب على شاشة الأوربيت2. ففي هذا البرنامج الذي استمر لأكثر من ساعتين على الهواء غنت علياء لأم كلثوم ألف ليلة وليلة، وبناء على طلب الجمهور غنت جزءا من «سيرة الحب» وكان للمدخلات الجماهيرية في البرنامج عبر الهاتف أثرا أثلج صدر كل من شاهدوا البرنامج قبل أن يثلج صدر مقدم البرنامج وضيفته علياء وزوجها د.شكيب. قررت علياء ـ اذن ان تستقر بشكل شبه دائم في القاهرة واعتمدت في الاذاعة والتليفزيون بمصر وبدأت بالفعل في التعرف على كبار الملحنين الموجودين على قمة الساحة الغنائية مصر، وهي الآن تبحث في الطريقة التي ستتعرف خلالها على الجمهور المصري. ستتخلى علياء بالعيد عن اسمها الثاني في أول ألبوم غنائي يصدر لها بالقاهرة، سيصبح اسمها علياء.. فقط. لم يكن ذلك سهلا عليها، وهي التي حققت شهرة باتساع تونس الخضراء، لكن ماذا تفعل؟ وهي تعرف مسبقا أن الاسم الثاني سيكون صعبا على الجمهور في مصر. علياء جديدة قالتها قبل أن تضيف وعلامات الفرح تكسو وجهها: لقد اتفقت مع الملحن حسن أبوالسعود على أن يضع لي لحنا وأعتقد انه سيكون فرصة جيدة ليعرفني الجهمور في مصر، فقد رأيت انها ستكون مغامرة غير محسوبة ان أدفع بأغنية لي نجحت في تونس للجمهور المصري، لذلك اخترت الاستاذ حسن أبوالسعود لأنه عاش في تونس ويستطيع أن يقدم لحنا يحمل الروح التونسية بكلمات ستلقى صدى طيبا لدى الجمهور المصري، وفي الوقت نفسه، سيكون متماشيا مع العصر. علياء التي نجحت في تونس حين قدمت أغاني في مستوى امكانياتها الصوتية، ونقصد الأغاني الدسمة القائمة على التطريب ترى أن الجمهور في القاهرة قبلة ووجهة كل الفنانين العرب، يحتاج الآن أن يسمع صوتا قويا ونقيا كي يعتمده النخبة، لكن العامة في الوقت نفسه يحتاجون الى الاغنية الخفيفة التي يقبلون عليها ويرددونها. مدلول الخفة متفاوت، وغير محدد، لذلك طلبنا منها توضيحا أكثر فقالت أن الأغنية الخفيفة تعني بالنسبة لها ايقاعا خفيفا، مع حرص على الكلمة، لأن الكلمة مهمة في النفاذ الى روح وذوق المتلقى والتأثير فيهما. المعادلة اذن هي ايقاع سريع تدعمه الكلمة الراقية وتلك هي المنطقة البيضاء، التي تلتقى فيها الاغنية الطويلة الرصينة مع الأغنية القصيرة السريعة التي تحمل سمة العصر وتتعاطى مع من يعيشون فيه.