سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يراد بها التعرف على حياته الاولى من ولادته الى مبعثه، ثم حياته بعد ذلك حين بعث للناس بالدين الحنيف، وامر ان يدعو الناس اليه، وما لقي في سبيل الدعوة من معارضيه، وما جرى بينه وبين المعارضين من مقاولات وحروب، ومن استجاب له حتى ظهر الاسلام وكمل الدين. ولم يعن احد من الصحابة بجمع اخبار السيرة، اذ كانوا مشغولين بالجهاد والفتوح انما التفت اليها فريق من التابعين، فكانوا يسألون من شاهد الغزوات من الصحابة ومن صاحب الاحداث التي وقعت للمسلمين في عهد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ويجمعون الاخبار. ومن هؤلاء الذين جمعوا اخبار السيرة محمد بن شهاب الزهري المتوفى سنة 124هـ وجاء محمد بن اسحاق بن يسار فاهتم بجمع المغازي، وجاء ابن هشام فهذب سيرة ابن سحاق فعرفت به، وابن هشام هو عبدالملك بن هشام بن أيوب الحميدي، نشأ في البصرة وتلقى العلم فيها، وبرع في الادب والعربية، حتى وصف بالنحوي واخذ عن نحويي البصرة وادبائها، وقد رحل الى مصر بعد ان اكتمل علمه في البصرة واستقر بها ونشر فيها علمه حتى صار عالم مصر في الغريب والشعر وقد توفي في مصر سنة 213ه. روي ابن هشام سيرة ابن اسحاق فاعجبته، ولكنه رأى فيها اشياء انكرها فأزمع تهذيبها ونشرها على الناس في صورة جديدة، وقد وضح منهج عمله فيها في قوله: وانا ـ ان شاء الله ـ مبتديء هذا الكتاب بذكر اسماعيل بن ابراهيم ومن ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولده وأولادهم لاصلابهم، الاول فالاول من اسماعيل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يعرض من حديثهم وتارك ذكر غيرهم من ولد اسماعيل على هذه الجهة للاختصار الى حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارك بعض ما ذكره ابن اسحاق في هذا الكتاب، مما ليس لرسول الله فيه ذكر، ولاننزل فيه من القرآن الكريم شيء. وبذلك فإن ابن هشام قد يزيد على ابن اسحاق ما يراه متصلاً ببحثه وهو يفسر ما ورد في الشعر وغيره، مما اورده ابن اسحاق، وقد سبق له ان شرح ما وقع في اشعار السيرة من الغريب. كما انه يرد على ابن اسحاق ما يراه خطأ ومن ذلك ما جاء: قال ابن اسحاق: ثم اسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل فقال ابن هشام: زيد بن حارثة بن شراحبيل. وقد يذكر ابن اسحاق وجها في نطق الكلمة، فيقره ابن هشام ويذكر وجها آخر فيها كما ينبه ابن هشام الى خطأ وقع فيه ابن اسحاق فيصححه ويتتبع ابن هشام الشعر الذي ورد في السيرة، فيرجعه الى قائل آخر غير الذي ذكره ابن اسحاق مصححاً ايضا العبارات التي قد ترد خاطئة في الأبيات، والخلل العروضي الذي قد يرد فيها، كما انه قد يحذف بعض الابيات الشعرية لانه رأى فيها قذعا لايناسب مكانة السيرة وعظمتها وقد اتبع ابن هشام منهجاً معينا في هذه السيرة النبوية فهو يبتديء بذكر شيء من كلام ابن اسحاق ثم يعقب عليه بما يراه مناسبا من زيادة او نقد. وقد ابتدأ ابن هشام السيرة بسرد نسب الرسول عليه الصلاة والسلام واستتبع ذلك ذكر جملة من انساب العرب واخبارهم في الجاهلية وعاداتهم واصنامهم وذكر تجديد حفر بئر زمزم على يد عبدالمطلب وولادة الرسول الكريم ونشأته ومبعثه ومن استجاب لدعوته وما لقيه في سبيلها من عنت وارهاق وما لاقى المؤمنون من اذى وهجرة بعضهم الى الحبشة فراراً بدينهم. ثم يعرض هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الى المدينة وما كان بينه وبين اليهود من مفاوضات ومقاولات ومعاهدات نقضوها، فكانت دائرة الغدر عليهم وانتهى الامر باجلائهم عن المدينة المنورة. ثم يعرض الغزوات والسرايا التي عز بها المسلمون وذل الشرك بفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، وبهذا الفتح المبين يدخل العرب في دين الله افواجاً ويوفدون الوفود الى المدينة معلنين اسلامهم، وطالبين من يفقههم في دينهم وذلك في السنة التاسعة للهجرة حيث سميت هذه السنة بسنة الوفود. وينتهي الكتاب بذكر ازواج الرسول صلى الله عليه وسلم ومرضه وانتقاله الى الرفيق الاعلى كما يذكر المؤلف ما جرى في سقيفة بني ساعدة من الخلاف الذي انتهى بخلافة ابي بكر رضي الله عنه. وقد كانت سيرة ابن هشام مثار اعجاب على الدوام، فقد لاقت الشروحات الكثيرة، والاختصارات وهذا يدل على اهميتها وبخاصة انها تتعرض لحياة الرسول الكريم والاحداث التي عاشها والغزوات والاحلاف.. وبالتالي فهي سيرة لأهم فترة عاشها العرب لتأسيس دولتهم وحضارتهم: إعداد ـ محمد سطام الفهد