بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب، أدير تورنير، هو عبارة عن رجل اعمال، ورجل سياسة، وأستاذ جامعي في آن معاً. وبالتالي فخبرته واسعة في كافة المجالات. وهو الآن مدير للعديد من وسائل الإعلام وشركات الانترنت في انجلترا كما انه استاذ زائر في مدرسة لندن للاقتصاد. والمقصود بالمدرسة هنا الكلية أو الجامعة. وكان بين عامي 1995 ـ 1999 المدير العام لاتحاد الصناعات البريطانية. وقبل ذلك كان مديراً لشركة دولية متخصصة في الاستشارات وشئون الادارة. وفي كتابه الأخير هذا يطرح المؤلف السؤال التالي: كيف يمكن ان نجمع بين الديناميكية الاقتصادية من جهة، والعدالة الاجتماعية ومراعاة البيئة والطبيعة من جهة اخرى. وجوابه عن هذا السؤال يكمن فيما يلي: ينبغي ان نحافظ على اقتصاد السوق الحرة بدون ان نقبل بعقيدة التطرف الرأسمالي أو الفلسفة المحافظة واليمينية على طريقة ريغان وتاتشر. في الواقع ان منهجية المؤلف تجمع بين التحليل الاقتصادي الدقيق والصارم من جهة، وبين رؤية واضحة لفلسفة العدالة الاجتماعية من جهة أخرى. وهذه الفلسفة المعتدلة أو الوسطية ترفض مذهب الاشتراكية أو الشيوعية كما ساد في القرن العشرين، كما وترفض الفلسفة الرأسمالية المحافظة التي تقول: دعه يعمل، دعه يمر. فالتطرف في الرأسمالية ضار ويؤدي الى التفاوتات الاجتماعية الصارخة والمظاهرات والانفجارات والعنف. انه يؤدي الى فقر شرائح واسعة من السكان، وغنى شريحة ضيقة بشكل فاحش. بمعنى آخر فإن المؤلف يجدد نظرية الرأسمالية عن طريق الدعوة الى تبني رأسمالية مشروعة وعادلة الى اقصى حد ممكن. وقد قالت جريدة «الغارديان» عن الكتاب فور صدوره ما يلي: ليس من المبالغة ان نقول ان نجاحه كان باهراً ومنقطع النظير. والكتاب مؤلف في تركيبته الأساسية من مقدمة عامة وعدة فصول. تتخذ المقدمة العامة العنوان التالي: انتصار السوق الحرة العالمية (أي انتصار العولمة الرأسمالية الشيوعية). وأما الفصل الأول فيتحدث عن التنافس بين الأمم. ثم يتحدث الفصل الثاني عن أنماط الرأسمالية في كل من أوروبا، وانجلترا. ويتساءل: أيهما أفضل؟ وهناك فصل يتحدث عن النموذج الأوروبي. وفي الفصول الأخيرة يتحدث المؤلف عن الانعكاسات السياسية المترتبة على العولمة الرأسمالية التي شهدها حالياً. باختصار فإن الكتاب يعطينا فكرة واضحة عن المناقشات الاقتصادية والسياسية والفلسفية التي تتم الآن على أعلى مستوى في الغرب الأوروبي والأميركي. من هنا أهمية الكتاب وخطورته وضرورة الاطلاع عليه من قبل مثقفي العالم الثالث. فنحن ينبغي ان نعرف كيف يفكر الغرب لكي نعرف كيف نتحاور معه بشكل مثمر. منذ البداية يقول المؤلف ما يلي: في شهر نوفمبر من عام 2000 قام الرئيس بيل كلينتون بزيارة رسمية الى فيتنام. ومعلوم ان هذا البلد كان قد هزم أميركا بالقوة العسكرية وطردها شر طردة قبل خمسة وعشرين عاماً، ثم راح يبني مجتمعاً شيوعياً. وعلى الرغم من ذلك فإن فيتنام حكومة وشعباً استقبلته استقبالا حافلا. في الواقع ان بيل كلينتون كان يحمل معه رسالة مصالحة الى الشعب الفيتنامي من الشعب الأميركي. وفي ذات الوقت كان يحمل رسالة ثقة واعتذار بالنموذج الرأسمالي. ولذا راح يحض الفيتناميين على اعتناق النظام العقلاني الذي يمثل قوة الطبيعة: أي نظام العولمة واقتصاد السوق الحرة. والواقع ان فيتنام غيّرت خطها مؤخراً وانضمت الى السوق الاقتصادية العالمية. وأصبحت صادراتها تنافس صادرات الدول المتطورة بسبب انخفاض قيمة العمل أو الرواتب عندها. وأصبحت مصانعها تنتج البضائع وتبيعها للشركات المتعددة الجنسيات. وأصبح اقتصادها مشكلا على هيئة اقتصاد السوق وطبقاً لمبادئه وقواعده. والواقع انها تتبع في ذلك خط الدول الشيوعية التي سبقتها الى اقتصاد السوق والتي كانت نموذجها الأعلى سابقاً: أي روسيا والصين. وهكذا يبدو ان انتصار السوق الحرة العالمية قد اصبح كاملاً على مستوى الكرة الأرضية بأسرها. فقد انتهت الحرب الباردة وسقطت الشيوعية وأوهامها.. بالنسبة للكثير من الناس فإن هذا الانتصار كان بشرى سعادة وفرح. فالتجارة الحرة العالمية وتدفق الرساميل يشكلان الطريق الوحيد الموصل الى الازدهار والبحبوحة العالمية. ولكن بالنسبة للآخرين فإن هذا الأمر كان مزعجاً ومقلقاً. فأحزاب البيئة أو الخضر يعتبرون رأسمالية العولمة بمثابة تهديد للمناخ الجوي والطبيعة. ولذا راح المتظاهرون في شوارع «سياتل» و«براغ» يهاجمون الرأسمالية باعتبارها مجرد «كازينو» للأغنياء والمقامرين. ثم باعتبارها كارثة بالنسبة للعالم الفقير. وأما التيار الانعزالي في الولايات المتحدة فقد كان يخشى العولمة لأنها تؤدي في رأيه الى حصول منافسة غير شريفة مع دول العالم الثالث المصنعة التي لا تدفع الا أجورا ضعيفة لعمالها. وبالتالي فهي تستطيع ان تخفض من قيمة سلعها بالقياس الى قيمة السلع ذاتها في البلدان الرأسمالية. وهكذا تستطيع ان «تضرب» السوق كما يقال وتكسد بالتالي سلع أميركا التي تدفع أجوراً غالية لعمالها بالقياس الى تايوان مثلاً أو كوريا الجنوبية أو ماليزيا أو بقية النمور الآسيوية. لهذا السبب يخشى التيار الانعزالي في أميركا العولمة: أي تشكيل سوق اقتصادية واحدة على مستوى العالم ككل وهدم كل الحواجز القومية التي تحول دون سريان السلع بكل حرية من بلد الى آخر.. لقد كان يخشاها لأنها تؤدي في نظره الى ازدياد البطالة داخل أميركا ذاتها أو داخل العالم الغربي بشكل عام. والأنظمة الديمقراطية الاشتراكية الأوروبية كانت تخشى ان تؤدي الاجور المنخفضة والضرائب الضعيفة في دول النمور الآسيوية الى منافسة السلع الأوروبية وبالتالي الى تهديد النموذج الاجتماعي الأوروبي. ولكن معارضي العولمة الرأسمالية ومؤيديها كانوا يشتركون في قناعة واحدة. وهي ان العولمة اصبحت هي القوة الانفتاحية للتغيير فيما يخص الحياة الاجتماعية والاقتصادية سواء في الدول المتقدمة أم في دول العالم الثالث. وغالباً ما يشاطرون بعضهم البعض قناعة اخرى وهي ان المنافسة بين الامم تقلل من الخيارات الاقتصادية والاجتماعية وان مواصلة تحقيق الاهداف الاخلاقية والبيئوية والاجتماعية واقع تحت اكراهات هذه المنافسة بالذات. ولكن الجميع بالغوا في تقدير الانعكاسات السلبية للعولمة. لا ريب في انها تؤثر على مصير بعض الشركات الفردية وتحد من حرية السياسة القومية لأي بلد. ولكنها فيما يخص العالم المتقدم لا تشكل المؤثر الأكبر على الاقتصاد والحياة الاجتماعية. والسبب هو ان البلدان المتقدمة قوية وغنية وهي التي انتجت ظاهرة العولمة اساساً. يضاف الى ذلك ان معظم التحديات التي تواجه العالم المتقدم ليست ناتجة عن العولمة وانما عن عوامل تحصل في أميركا وأوروبا واليابان. وهي تطورات سوف تحصل حتى ولو لم يكن العالم الثالث موجوداً. ينبغي العلم بأن هذه الدول الكبرى هي سيدة أمرها وتسيطر على أوضاعها الاقتصادية بشكل كامل، وذلك على عكس الدول الفقيرة أو ما يدعى ببلدان الجنوب. إنها دول قادرة على ان تؤمن لشعوبها نظاماً صحياً مرموقاً، وضماناً اجتماعياً. وتحسينا للوضع البيئوي، وسياسة خارجية مستقلة. ولكن انعكاسات العولمة أو قيودها وإكراهاتها بالأحرى تكون أحياناً قاسية على دول العالم الثالث. وعلى الرغم من ذلك فيمكن القول بأن ايجابيات العولمة اكبر من سلبياتها حتى بالنسبة لهذه الدول. فهي تفتح لها من الخيارات اكثر مما تغلق. ان التحدي الذي يواجه دول العالم الثالث ومؤسسات العولمة في آن معاً هو التالي: كيف يمكن ان تستفيد من منافع السوق العالمية الحرة في الوقت الذي تصلح فيه من نواقصها وثغراتها. ينبغي العلم بأن العولمة الرأسمالية ليست هي المسئولة عن تدمير البيئة والمناخ الجوي ولا عن التفاوت الهائل الحاصل بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة كما يزعم اعداؤها. ولكنها ليست خالية من الأخطاء والنواقص بالطبع. على مدار القرن العشرين كان الناس يحلمون بتحقيق المجتمع المثالي أو المدينة الفاضلة. وكانوا يشتبهون بالرأسمالية واقتصاد السوق الحرة والليبرالية ويعتقدون ان هذه الاشياء مضادة للمجتمع المثالي. ولكننا نعلم الآن ان اقتصاد السوق اذا ما استخذم دون عبادة أو تطرف هو أفضل اداة لتحسين الوضع الاقتصادي والوضع الاجتماعي في آن معاً. ويقول المؤلف حرفياً ان هدفه من هذا الكتاب هو تبيان كيف يمكن للاقتصاد الحر ان يوصلنا الى تحقيق هذه الاهداف التي يسعى اليها كل مجتمع بشري. ثم يريد ان يوضح لنا كيفية تعديل الرأسمالية أو التخفيف منها لكي تصبح أكثر انسانية وأقل ظلماً، ثم لكي تصبح اكثر مراعاة للبيئة والطبيعة والأجواء المناخية. وهنا تكمن النقطة الأساسية في الكتاب. فإذا كانت الرأسمالية قد انتصرت على الشيوعية فهذا لا يعني انها خير في المطلق أو انها لا تعاني من نواقص وثغرات. فنحن ينبغي ان نتساءل: اي رأسمالية نريد؟ اى نمط من انماط الرأسمالية نرغب في العيش فيه؟ وذلك لأنه على عكس ما نتوهم فإنه توجد عدة انواع من الرأسمالية لا نوع واحد. في اوائل التسعينيات كان الكثيرون في بريطانيا وأميركا مقتنعين بتفوق اقتصاد المضاربات والودائع على اقتصاد المساهمين أو حاملي الأسهم المالية. وكانت النتائج الرائعة التي حققتها المصانع اليابانية والألمانية قد أقنعت الكثيرين بتفوق هذا النوع من الرأسمالية. وعُزي هذا التفوق الى استثماراتها التي تتم على المدى الطويل لا القصير، وإلى ودائعها ذات المدى الطويل أيضاً، وإلى تحررها من ضغوط مخزونات السوق على المدى القصير. كان النموذج الانغلو ـ ساكسوني قد شهد بعض الانتعاش في منتصف الثمانينيات الا انه تراجع في التسعينيات. وبدا للكثير من المراقبين وكأنه خسر المعركة مع النموذج الياباني أو الألماني. فالنمو الاقتصادي الذي شهدته أميركا في السبعينيات والثمانينيات تراجع بعدئذ. ولهذا السبب لم يحصل العامل الأميركي على أية زيادة في مرتبه طيلة خمسة عشر عاماً! هذا في حين ان ألمانيا وفرنسا حافظت على معدل جيد من حيث الانتاجية الاقتصادية. بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تبين ان الرأسمالية قد غلبت الاشتراكية بكل وضوح. ولكن بدا أيضاً للكثيرين ان نمط الرأسمالية الأميركية ليس هو الأفضل، وانما النمط الألماني. وقد نشر الباحث ميشيل البير كتاباً ممتعاً عام 1991 تحت عنوان: رأسمالية ضد رأسمالية. ونفهم منه ان الصناعات الأميركية في حالة تراجع. كما ويروي لنا قصة تفوق الرأسمالية الألمانية على الرأسمالية الانغلوساكسونية. ثم ظهر كتاب للباحث ادوارد لوتداك تحت عنوان «الحلم الأميركي المتحطم»، وكتاب آخر للباحث كلايد بريستو تحت عنوان: «المناطق التجارية». وكلاهما حذر الأميركيين من مخاطر النواقص التي يعاني منها اقتصادهم في مواجهة المنافسة اليابانية. وحتى في عام 1995 قال الباحث ويل هوتون للبريطانيين بأن ألمانيا واليابان هما النموذج الذي ينبغي اتباعه. جاء ذلك في كتاب بعنوان: الدولة التي نعيش فيها. من المعروف انه يُعقد في مدينة دافوس بسويسرا معرض اقتصادي عالمي كل سنة. وفيه يحصل أكبر تجمع للرأسماليين ورجال الأعمال الكبار وقادة الدول الكبرى والصحافيين والسياسيين. وهم يقررون مصير العالم الى حد كبير بمشاوراتهم، ومناقشاتهم، واجتماعاتهم، وفي التسعينيات خصص المؤتمرون احدى جلساتهم لمناقشة الموضوع التالي: قوة الاقتصاد الياباني وكيفية محاكاته او الاستفادة من نموذجه. ولكن بدءاً من منتصف التسعينيات راح كل شيء يتغير. فالاقتصاد الياباني راح يشهد مرحلة ركود والاقتصاد الاوروبي بدا وكأنه فقد بريقه او لمعانه. ولم تعد الولايات المتحدة تخشى منافسة اليابان او المانيا لها وانما منافسة دول جنوب شرق آسيا. وقد نوقشت اسباب النجاح المدهش لهذه النمور الآسيوية كثيراً. وحاول كل من اليمين واليسار ان يفسر ذلك لصالحه. اي لصالح نظرياته واطروحاته. فبعض منظري اليسار يعتقدون ان النجاح الاقتصادي الذي حققته كل من كوريا الجنوبية وتايوان عائد إلى اتباعها نظرية المضاربات والودائع او نسخة جديدة منها. لقد اتبعت هاتان الدولتان نسخة جديدة من الرأسمالية نسخة تمزج بين القطاع الخاص والقطاع العام بطريقة لا يعرفها النموذج الانغلوساكسوني. واما بالنسبة لمنظري اليمين فإن سبب النجاح مختلف تماماً. انه يعود إلى سيادة القطاع الخاص في كل من كوريا وتايوان وإلى الحد الادنى في تدخل الدولة في الاقتصاد وإلى الضرائب المنخفضة، وإلى السوق الحرة. وكل هذه الاشياء مجتمعة امنت امتيازات التفوق لهاتين الدولتين. في الواقع ان نمور آسيا الشرقية تطرح تحدياً تنافسياً على الغرب. وبالتالي فينبغي علينا مواجهة هذا التحدي والارتفاع إلى مستواه. ويتوقع الخبراء ان يتوصل اقتصاد كوريا الجنوبية إلى مستوى اقتصاد انجلترا عام 2010: اي بعد سبع او ثمان سنوات فقط. وبالتالي فينبغي على الغرب ان يقلص نفقاته، ويشد الاحزمة حول بطون ابنائه، لكي يستطيع ان ينافس هذه النمور الآسيوية في المعركة الضارية للعولمة. وهكذا شعرت اميركا بانها مهددة، ولكن التهديد كان اعظم بالنسبة لاوروبا. فاوروبا تعاني من البطالة اكثر من اميركا، وبالتالي فموقعها كان اكثر صعوبة وهشاشة. نقول ذلك وبخاصة ان اليد العاملة في دول الجنوب وكذلك تكاليف الانتاج ارخص بكثير مما هو عليه الحال في اوروبا. وبالتالي فالمنافسة صعبة حقاً. وبالتالي فما على اوروبا الا اتباع طريقين: اما ان توظف استثمارات كبيرة في الطرق، والبحث العلمي، والتنمية والحرف واما ان تخفض رواتب موظفيها وعمالها وتقلل بالتالي من رفاهيتهم ومستوى معيشتهم. واذا لم تفعل ذلك فانها ستجد نفسها في آخر السباق الجاري حالياً على مستوى العالم. ولهذا السبب كان مؤتمر «دافوس» لعام 1995 يتأرجح بين الشعار التالي: التحديات التي تواجه اوروبا، والشعار الآخر: عولمة القيم الآسيوية. ولكن في عام 1997 حصلت المفاجأة الكبرى وتعرض اقتصاد النمو الآسيوية للانهيار! وقد ابتدأ الانهيار في تايلاند اولاً، وكان على هيئة تخفيض العملة، وافلاس البنوك، والانحسار الاقتصادي. وتم القضاء على المعجزة الاقتصادية الآسيوية في ايام معدودات. وانكشفت عندئذ مساويء الرأسمالية الشرقية وفساد النظام الاقتصادي والسياسي. واخذت اميركا عندئذ زمام المبادرة. وتبين للجميع ان دول شرق آسيا بحاجة إلى اجراء اصلاحات عميقة على نظامها اكثر من اوروبا. فهي بحاجة إلى الشفافية، وإلى الحرية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية وشهد الاقتصاد الاميركي عندئذ مرحلة انتعاش كبيرة ازالت جو التشاؤم الذي كان سائداً آنذاك.