ريمو بودي هو فيلسوف ايطالي معروف، ولعله احد أكثر الذين كان لهم أثرهم في الفكر الايطالي المعاصر، وهو من مواليد «سردينيا» التي أمضى طفولته فيها ودراساته، حتى الثانوية لينتقل بعدها لاتمام تعليمه في جامعة «بيزا» والتي يتولى فيها الآن منصب مسئول قسم الفلسفة. اهتم المؤلف أولاً بدراسة الفلسفة الألمانية على يد احدى الشخصيات الفكرية المهمة في القرن العشرين والمتمثلة في «ارنست بلوخ». في هذا الكتاب «منطق الهذيان» يحلل ريمو بودي آليات الهذيان والجنون، وذلك بين عدة مواضيع يتطرق لها باستمرار في أعماله. تجدر الاشارة هنا الى ان الفيلسوف الفرنسي الكبير الراحل ميشيل فوكو كان قد أولى دراسة ظاهرة الجنون اهتماماً خاصاً، لاسيما في عمله الكبير «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي». ان ريمو بودي يبحث في هذا الكتاب ايضاً، مثل فوكو، عن معنى التاريخ الانساني وخاصة عبر دراسة النصوص الرومانية واليونانية القديمة، حيث اهتم في هذا السياق بشكل خاص بأعمال القديس أوغسطين الذي يرى انه كان من أوائل الذين دعوا الى تأكيد النزعات الفردية في المجتمعات الغربية. ومن خلال البحث في المسيرة التاريخية لتطوير مفهوم الفرد بدأ هذا الفيلسوف الايطالي خلال السنوات الأخيرة بالبحث في موقع الانفعالات والعواطف بمصائر الافراد ولكن ايضا بمصائر الحركات السياسية.. وكان أول كتاب له في هذا الاطار هو «هندسة الانفعالات» الذي صدر في ايطاليا في مطلع عقد التسعينيات الماضي، وكتاب «منطق الهذيان» هو عمل آخر في الاتجاه نفسه. إن المؤلف يدرس في هذا الكتاب أطروحات «فرويد» وغيره من الذين جعلوا من التحليل النفسي مركز أعمالهم خلال القرن الماضي وذلك من أجل فهم الآليات التي تجعل كل المظاهر اللاعقلانية، بما في ذلك أكثر أشكال الهذيان تطرفاً، إنما تبدو بمثابة أحد مكونات «الانسجام الداخلي». هكذا يقول بأن هذيان الشخص المصاب بالعصاب النفسي الشيزوفريني ليس تعبيراً عن الفوضى البحتة وإنما هو رد عالم وسيط متناقض يمتزج فيه البعد العام والبعد الخاص ومنطق العقل ومنطق العواطف والمحاكمة العقلانية والتهويمات ومنع الرغبات وتحقيقها والتأقلم الكامل مع العالم والهروب المطلق منه. وبهذا المعنى يبدو الهذيان من وجهة نظر المؤلف الفيلسوف بمثابة «متنفس» يستخدمه أولئك الذين يعيشونه بصورة لاواعية في أغلب الاحيان من أجل البحث لمخارج عن صراعات داخلية لا حل لها عندهم. وبهذا المعنى أيضاً يقول «بودي» بأن سيرة حياة كل انسان، كل منّا، إنما هي مصاغة من مناطق ظليلة عديدة ومغطاة بجروح سرية لم تلتئم تماماً، ولن تلتئم تماماً في أي يوم من الأيام، وهي ايضاً سيرة محكومة بمعطيات الزمن الذي يعيش به صاحبها وذلك تبعاً لمسار شديد التعقيد وتتخلله مجموعة من المخططات.. وبكل الاحوال هي سيرة زاخرة بالمتغيرات وبالثوبات المتكررة. إن المؤلف الفيلسوف يحاول في هذا الكتاب ان يبين آليات تغير «البنى الداخلية» للانسان وآماله ومخاوفه وذلك كله على المدى الطويل.. انه بهذا يحاول ان يؤرخ للمشاعر والانفعالات، ومن خلالها للمنظومات الاخلاقية نفسها