بيان الكتب:الكسندرا الينييل لافاستين، مؤلفة هذا الكتاب، هي فيلسوفة ومؤرخة مختصة بشئون أوروبا الوسطى. لها العديد من الأعمال والدراسات حول التاريخ الفكري والاجتماعي لبلدان هذه المنطقة وخاصة لرومانيا. موضوع هذا الكتاب هو «جزء» من سيرة حياة ثلاثة من عمالقة الفكر و الأدب في القرن العشرين. والثلاثة عاشوا واشتهروا في الغرب وهم «اميل سيوران»، فيلسوف اليأس، و«ميسيرا الياد»، فيلسوف الأديان، و«أوجين يونسكو» الكاتب المسرحي الكبير، والثلاثة من أصل روماني. إن مؤلفة هذا الكتاب عن «الثلاثة» قامت بـ «النبش» في ماضيهم «ما قبل مغادرتهم» لبلدهم الأصلي رومانيا.. وعندما «نبشت» وجدت ما يخالف الصورة الشائعة لهؤلاء الثلاثة، موضوع بحثها. والذين كانوا قد ولدوا بفارق بسيط بين كل منهم، فسيوران هو من مواليد عام 1911 والياد من مواليد عام 1907، أما يونسكو فهو من مواليد عام 1912.. أما وفاتهم فقد جاءت عام 1986 بالنسبة لالياد و1994 بالنسبة ليونسكو و1995 بالنسبة لاميل سيوران.. والثلاثة كانوا قد عاشوا في فرنسا بعد ان تركوا رومانيا. إن شهرة هؤلاء الثلاثة ليست بحاجة الى برهان.. ولكن لعل مؤشرا وحداً يكفي لمعرفة المكانة التي احتلوها.. وهذا المؤشر يخص الكاتب المسرحي أوجين يونسكو الذي لا تزال مسرحيته المعروفة «المغنية الصلعاء» معروضة كل يوم ومنذ أكثر من خمسة وأربعين سنة ـ نعم 45 ـ دون انقطاع على أحد مسارح العاصمة الفرنسية باريس.. وحتى اليوم لا يزال الاقبال شديداً عليها بحيث يفضل الحجز مسبقاً، لتأمين بطاقة للدخول. ويمكن الإشارة أيضاً إلى الكتاب ـ المرجع الذي قدمه ميسيرا الياد تحت عنوان «دراسة تاريخ الأديان».. واميل سيوران فهو مؤلف «على قمم اليأس»، الذي كان أول كتبه وقد نشره أصلاً باللغة الرومانية، وكذلك مؤلف «تاريخ اليوتوبيا».. وهذان الكتابان لا يزالان مرجعين للباحثين في مجال فلسفة اليأس والأمل. لقد كتب الثلاثة باللغة الفرنسية منذ منتصف القرن الماضي وحيث كان الأدب والفكر الفرنسيين يحتلان مكان الطليعة في المشهد الثقافي العالمي بوجود كتّاب ومفكرين كبار من أمثال البير كامي وجان بول سارتر واندريه مالرو وغيرهم.. إن بلادهم «لم تعرف كيف تحتفظ بهم»، كما ترى مؤلفة هذا الكتاب. لكن مسارهم الأدبي يرتبط إلى حد كبير بالتاريخ الدموي الذي عرفته بلادهم الأصلية «رومانيا». و من الملفت للانتباه انه لم يهتم أحد في بلدهم الثاني «أي فرنسا»، بما كانوا، أو بما فعلوا، قبل وصولهم كمنفيين إلى «بلد الملاذ».. إذن ما أهمية مسيرتهم الشخصية إذا كانوا قد قدموا للعالم أدباً «فرنسياً» رائعاً؟! لا شك ان مثل هذا السؤال يطرح موضوعاً كان محل جدل كبير باستمرار حول هوية الكتّاب والفنانين والمبدعين عامة، وهل ينتمي أدبهم الى بلدهم «الأصلي» أو بلدهم بالتبني!؟ فهل بيكاسو مثلاً اسباني أم فرنسي؟ في الصفحات الأولى من هذا الكتاب تقدم المؤلفة توصيفاً لرومانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وحيث تجد ان السمعة الأولى لتلك البلاد آنذاك انما كانت وجود نزوع قوي نحو الفاشية بالاضافة الى أوضاع اقتصادية صعبة. وفي تلك الفترة أيضاً كان الفكر السائد هو الذي كان يقوده «ناي يونسكو» والذي يدعو الى نوع من «التنقية الإثنية» وعلى أساس عنصري واضح وحيث تعرضت عدة «أقليات» في مقدمتها الغجر، للاضطهاد. إن ذلك النمط من المثقفين «ذوي الجلود السميكة» هو الذي استلهم منه أوجين يونسكو مسرحيته المعروفة «الخراتيت».. لكن حول هذه الفكرة أيضاً كتب ايميل سيوران عملاً يطرح الكثير من اشارات الاستفهام من زاوية ما تضمنه من اطروحات وعنوانه هو «اعادة انبعاث رومانياً».. كما تشير المؤلفة في نفس السياق الى كتابات لـ «سيرا ايلياد» يمكن وصفها بأنها «يمينية متطرفة» وهذا ما بدا بشكل خاص في كتاب له يحمل عنوان «الانسان العقائدي» وضمن نفس الاطار ايضا تشير المؤلفة الى انه قد تم اغفال مثل هذه «الانحرافات» حتى الآن من قبل مؤرخي الافكار والنقاد الادبيين. وقد استفادت مؤلفة هذا الكتاب من فك الرقابة عن العديد من المصادر التي كانت ممنوعة من التداول في ظل حكم نيكولاي شاوشيسكو وعبر استغلال هذه المصادر قامت المؤلفة بالكشف عن ان «الثلاثة» سيورات وايلياد ويونسكو قد تبنوا في العديد من كتاباتهم عندما كانوا في رومانيا، اي خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، مواقف فيها الكثير من التطرف القومي السوفييتي، بالاضافة الى نزوع معاد للسامية بل وتحاول مؤلفة هذا الكتاب الى البرهان على ان كل من سيورات وايلياد حاول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 اخفاء الآثار التي يمكن ان تدل على توجهاتهما السابقة، اما بالنسبة لاوجين يونسكو والذي يكشف هذا الكتاب لاول مرة علناً وصراحة بأن امه كانت يهودية فإن وضعه كما تراه المؤلفة اكثر تعقيداً وتدور اسئلة كثيرة حول الاسباب التي منعته ان يقول ما يعرفه عن كل من «زميليه» و«مواطنيه» ايلياد وسيورات: فهل كان عنده هو ما يرد ان يخفيه؟ وذلك على مبدأ من كان بيته من زجاج عليه ان لا يرشق الآخرين بالحجارة؟ وسؤال آخر: لماذا لم يتحدث ابدا عن وظيفته التي مارسها لمدة عامين كملحق ثقافي في السفارة الرومانية لدى حكومة فيشي؟ وحكومة فيشي هذه هي التي كانت قائمة في فرنسا بظل حكومة الجنرال بيتان الذي تعاون مع الاحتلال النازي وتم اعدامه بعد التحرير.. ان «التحقيق» الذي تقوم به مؤلفة هذا الكتاب يبدو في احيان كثيرة قريبا من الروايات البوليسية وهكذا تكشف مثلا عن ان سيوران وايلياد كانا في بوخارست عام 1941 عندما قام النظام القائم آنذاك بتصفيات كبيرة على اساس اثني وديني واذا كان لا يحق لاحد ان يعيب عليهما وجودهما في بلادهما باعتبارهما مواطنين رومانيين فإن المسألة تختلف فيما يخص صمتهما بعد ذلك وعدم الحديث ابداً عما كانا شاهدين مباشرين عليه، كما يتطلب موقف المثقف الملتزم بقضايا الحرية، كما حاولا ان يقدما نفسيهما بعد ذلك وضمن نفس الاطار ايضا تقدم مؤلفة هذا الكتاب عدداً من الشواهد المأخوذة من كتابات ايلياد يمدح فيها لدكتاتور البرتغال الشهير «سالازار» لكنه اخفى هذا كله عندما تم ترشيحه لنيل جائزة نوبل: ولعل اكثر ما يصعق في هذا التحقيق: ما قدمت عليه المولفة البراهين بأن سيورات كان قد كتب في سنوات الثلاثينيات نصاً اعتبر فيه اليهود بمثابة مخلوقات دونية ثم عاد في سنوات الخمسينيات ليكتب شيئاً مخالفاً تماماً باتجاه المزايدة والتمجيد.. لقد تغيرت الرياح فتغيرت المواقف. ان المؤلفة تقدم كماً كبيراً من التفاصيل التي حصلت عليها من مصادر عديدة لتؤكد من خلالها على مدى التناقض الكبير بين ما كتبه وردده الثلاثة «سيورات وايلياد ويونسكو» وهم في العالم الحر وبين ما كانوا قد عاشوه ومارسوه وكتبوه عندما كانوا في رومانيا وبخدمة الايديولوجيا الناشئة والسائدة آنذاك ويبدو كما تقول المؤلفة وتركز القول انه كان لديهم الكثير الذي كان يمكن ان يتبادلوه ولذلك كانوا يتجنبون اللقاء ولو صدفة في باريس التي سكنها الثلاثة لسنوات طويلة.. ومن المعروف في علم النفس بأن البشر يتحاشون دائما أولئك الذين يعرفون بعض اسرارهم التي يريدون اخفاءها، ان صورة وحيدة تجمعهم هي الموجودة على غلاف الكتاب. بكل الاحوال استطاع هؤلاء الادباء الكبار الثلاثة ان يخبئوا طيلة حياتهم «منطقة ظليلة» من حياتهم هذا على الرغم من ان الشهادات التي تركوها والشهود الذين عاصروهم عديدون ولكن لاشك بأن القطيعة اللغوية والسياسية التي شكلتها الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة والحاجز اللغوي و«الشعار الحديدي» الذي قام في العلاقات بين معسكري الغرب والشرق والتضامن في ارض المنفى، أمور لعبت كلها دوراً هاماً في طمس جزء من التاريخ لكن السبب الاهم بين هذه الاسباب كلها تحدده المؤلفة في «ميثاق الصمت» الذي قام بين الرومانيين الثلاثة الذين كانت تفرق بينهم اشياء كثيرة ولكن كانت ضرورة طمس الماضي «توحدهم» لكن يبدو انه كان لابد من انهيار جدار برلين كي تنهدم ايضا كل الحواجز التي كانت تمنع من وضوح الرؤية. وتبقى حالة اوجين يونسكو هي الاقل اثارة للشكوك رغم عمله كملحق ثقافي في السفارة الرومانية لدى حكومة فيشي. لقد كان يريد الهرب من الجحيم الروماني ولكن كيف؟ عبر ارتداء ثياب الحارس.. وهذا ما فعله بالتحديد. لكن لعل النقص الاكبر الذي يعاني منه هذا الكتاب هو «نقص البعد الانساني فيه» ان المقصود بالبعد الانساني تعبر عنه جملة قالها احد الفلاسفة وجاء فيها: هناك حيث لا يوجد امكانية للاختيار لن تكون هناك ايضا امكانية لاصدار الاحكام على الآخرين