بيان الكتب: المسرح العربي الممتد منذ نشأته على مدى قرن ونصف من شواطئ الأطلسي الى سواحل الخليج، عبر العروض والمهرجانات المسرحية المحلية والجامعة، كمهرجان دمشق وقرطاج والشارقة والكويت، ومهرجانات اخرى يجمع بعضها المسرحيين والباحثين العرب في المسرح. هذا المسرح اصبح مؤهلاً من حيث الكم والتنوع لدراسة الباحث والناقد لاكتشاف ما هو عام في المسرح العربي وما هو خاص في كل قطر. وكتاب فرحان بلبل «مراجعات في المسرح العربي» الصادر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق هو دراسة جادة وشاملة لاكتشاف الخصائص المشتركة وتبيان المراحل التي مر بها المسرح العربي في تطوير أساليبه. والمؤلف كاتب وناقد ومخرج مسرحي سوري منذ عام 1968م، ساهم في تأسيس فرقة المسرح العمالي بحمص عام 1973م وهو حالياً استاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وله العديد من المسرحيات والدراسات المسرحية. التاريخ هو احد القواعد الاولى التي انطلق منها المسرح العربي، وتعمق هذا الاتجاه ابان الثورات الوطنية من اجل الاستقلال، والمؤلف في الفصل الاول المخصص للحديث عن تناول المادة التاريخية يشير الى ادراك المسرحيين العرب بأنهم ليسوا مؤرخين فهم يغيرون في سير الاحداث ونهج الشخصيات بقصد مقاربة الحاضر نقداً وتحليلاً. وقد مرت المسرحية التاريخية بمراحل: فعندما كانت عظة للناس او تحميسا لهم على النضال كان الالتزام بالحدث والشخصية التاريخية اكثر مثل: مسرحيات صلاح الدين وصقر قريش وجابر عثرات الكرام، وعندما صارت فنا قل الالتزام به، ولما ارتقى الفن المسرحي حدث الخروج عن التاريخ وهذا ما نجده في مسرحية فرحان نفسه «الممثلون يتراشقون الحجارة» وذلك في تناوله لشخصية عبدالمطلب. المسرحية التاريخية التي تخلصت من اشكالية اللغة، الفصحى ام العامية؟ حيث ظلت الفصحى والى الآن هي المناسبة لها، لم تتخلص من مشكلة صدامها مع سلطات الاحتلال، يروي الممثل والمسرحي رضا الصافي حادثة جرت عام 1924م في حمص وكان النضال الوطني من اجل الاستقلال على اشده، واثناء عرض مسرحية خالد بن الوليد على مسرح الروضة، والجمهور المسرحي الحاشد كان بمثابة تظاهرة قومية تنظمها روح الثورة، وقد حضر العرض في اليوم الرابع محافظ المدينة مع المستشار الفرنسي ورجال الامن وضباط الجيش كنوع من التحدي، وهنا أخذ الحماس بالجمهور وبالممثلين غايته، وخرج الفنان تيسير ظبيان في دور خالد عن النص ليرتجل ابياتاً من الشعر وهو يشير باتجاه المستشار الفرنسي: الشام تبكي والسواحل مثلها والكل يندب طالعا منكودا لا تندبي يا شام حظك واعلمي انا سنبذل دونك المجهودا انا سنطرد بالجحافل والقنا لصاً تفيّأ ظلك الممدودا وبالطبع اوقف العرض في اليوم التالي ونفي الممثل الى دمشق. المسرحيات التاريخية في فترات الصراع العربي الاسرائيلي وبخاصة بعد حرب 1967م انصرفت عن تكريسها للزعامات العربية الى الاشادة ببطولة الشعب ونقد الواقع السياسي فظهرت ثورة الزنج لمعين بسيسو والمهرج لمحمد الماغوط وليل العبيد لممدوح عدوان وثورة صاحب الحمار وديوان الزنج لعز الدين المدني. النقد المسرحي جاء متأخراً عن النص والعرض المسرحيين، وهذا امر طبيعي، وقد خص له المؤلف الفصل الثاني من الكتاب واشار الى العلاقة القديمة المتوترة بين المسرح والنقد، واذا كان النقد في المرحلة الاولى ـ القرن التاسع عشر واوائل العشرين ـ اقتصر على تأييد او شجب الظاهرة المسرحية، وعلى بعض الآراء الانطباعية التقريظية غير الاختصاصية فإنه في المرحلة الثانية ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الثقافة المسرحية تحدث تغييراً جذرياً وبخاصة بعد الاطلاع على المسرحيات الاجنبية المترجمة وعلى الكتب الاختصاصية في فن المسرح، وكان للصحافة الدور الكبير في نشر الثقافة المسرحية. غير ان الناقد المسرحي العربي ظل اسير الكتب النقدية التي قرأها ولم يدرك ما فعله الكتاب المسرحيون الذين حاول كل منهم ان ينفرد بأسلوب خاص به. كما ان حاجة الصحافة الى متابعة العروض جعلها تفتح الباب لمن هو عالم بالنقد او غير عالم، يقول المؤلف: «واذ بالنقد المسرحي ينتهي الى الشكل الذي صار معروفاً في اكثر المقالات والابحاث الفنية قوامه تلخيص حكاية المسرحية ومجموعة آراء سريعة عن التمثيل والاخراج من نوع: كان التمثيل رائعاً وكان الاخراج رديئاً وكان استخدام الاضاءة والموسيقى صحيحاً» وهذا الرأي الذي نتفق عليه جميعاً هو ما اكده الباحث المسرحي د. عبدالرحمن بن زيدان في محاضرته المقامة على هامش مهرجان الكويت المسرحي حين فرق بحزم ما بين النقدة والنقاد. هل صحيح ان المسرح العربي بعد قرن ونصف من حياته النابضة يعود الى الانحسار والبوار، وهو ما يردده الجمهور والمسرحيون في كل قطر عربي؟ هذا السؤال يطرحه الكاتب في الفصل الثالث ويقول: ان ما حدث له في النهاية، موجودة بذوره في البداية، فالمسرحي العربي كان في نشوئه وليد الحاجة ولم يكن وليد الموروث الثقافي، فهو ليس كالشعر ديوان العرب، ولهذا ظل العرب يتعاملون معه بحذر والأمر الثاني هو ان المسرح هو ابن النهضة العربية الفكرية والسياسية، وكان منذ نشأته وحتى اليوم مقاتلاً شرسا عن الحرية والتقدم والعدالة. الشعر يمكن ان يكون ممالئاً للسلطة اما المسرح فلا. والامر الثالث في ملامح المسرح العربي هو انه تقليد للغرب» الذي هو العدو السياسي والصديق الفكري، والمقلد مهماً اجاد منتقص. ومما لا شك فيه ان عناية خاصة طالت المسرح من تكوين الفرق القومية وغيرها من الفرق الرسمية او شبه الرسمية وازدياد عدد العروض، وانشاء معاهد للتمثيل. غير ان المسرح في المرحلة التي نعيشها اليوم يشهد غياب النص الأدبي وسيادة التوليفات التي يقوم بها المخرج، وكثير من العروض تبدأ بخطة اخراجية تطال الرقص الحركي والاضاءة والموسيقى ثم يفصل لها كلام مناسب، وبالتالي فإن العمل يموت بعد انتهاء عرضه لانه يقوم اساساً على بنية شكلانية لا تهتم بالدراما. والامر الآخر هو «ان الموضوعات الكبيرة خرجت من المسرح وحلت محلها موضوعات صغيرة حياتية وانسانية، فلم تعد قضايا الوطن والمجتمع والتغيير الاجتماعي من هموم المسرح كما كانت من قبل، بل صار التعرض لها امراً مستغرباً يوصف بالمباشرة الكريهة في المسرح ولم يعد العرض المسرحي سياسياً معارضاً لائماً مهاجماً مناقشاً لامور الحرب والوطن والهزيمة، ولم يعد نداء الى قلب المجتمعات واكتساح الفقر والظلم والقهر الاجتماعي، وانما صار همسة انسانية خافتة». ومجمل الامر تطور فن الاداء المسرحي لكن التأليف المسرحي تراجع وتطور فن الاخراج ولكن من غير هدف وتكاملت فنيات العروض وبهاؤها لكنها مشوبة بالابهام والشحوب. تلك هي ازمة المسرح، وكان من الطبيعي بعد هذا كله ان ينحسر الجمهور. عبدالفتاح رواس قلعة جي