بيان الكتب: مؤلف الكتاب آلان دوبوتون من مواليد 1969 وعلى الرغم من صغر سنة الا انه استطاع ان يؤلف حتى الان عدة كتب مهمة نذكر من بينها: مقالات عن الحب 1993، الحركة الرومانطيقية 1994، كيف يمكن لمارسيل بروست ان يغير حياتك 1997، عزاء الفلسفة 200. وفي كتابه الجديد الذي نعرضه الان يتحدث المؤلف عن موضوع شيق فعلا: اي العلاقة بين الادب والفن من جهة، ثم السفر والترحال من جهة اخرى، انه يتحدث عن السفر كفن او كباعث على الالهام الادبي والفني ويتناول الموضوع من خلال كتابات الشعراء والروائيين الكبار من امثال شارل بودلير، اوغوستاف فلوبير، او ويليام وورنس وورث، اوفان غوغ، او سواهم من العديدين، والشيء الممتع في الكتاب هو ان صاحبه يزور نفس الاماكن التي زارها هؤلاء الكتاب الكبار او عاشوا فيها اثناء القرن التاسع عشر انه يزورها لكي يعرف كيف الهمتهم لوحاتهم او قصائدهم او رواياتهم الخالدة، وما هي المناظر التي رأوها، وما هي اراؤهم بالسفر والترحال وكذلك يتحدث بشكل خاص عن آرائهم بالطبيعة والمناظر الخلابة يقول مثلا عن احد كبار الشعر الرومانطيقيين في انجلترا، ولد ويليام وورد وورث في مدينة صغيرة تدعى كوكرمارث عام 1770 وهي مدينة تقع على الطرف الشمالي من بحيرة رائعة تدعى: بحيرة المقاطعة، وقد تحدث عن نفسه مرة وقال: نصف طفولتي التي امضيتها وانا اركض بين الجبال، وماعدا بعض الرحلات الى لندن وكامبردج وبلاد اوروبية اخرى فأني عشت كل حياتي في منطقة البحيرة حيث ولدت، في البداية كنت اسكن شقة صغيرة ثم بعد ان كبرت واشتهرت في بيت واسع ومريح، وفي كل يوم تقريبا كان الشاعر الكبير يقوم بنزهات طويلة على مدار شواطيء البحيرة وفي الجبال، ولم يكن المطر يزعجه او يعطل نزهاته على الرغم من انه كان يهطل احيانا بقوة حتى يكاد يذكره بالسيول النازلة من جبال الحبشة نحو نهر النيل! كان وورد وورث شاعرا كبيرا مثل الشاعر الفرنسي رامبو ويقول احد معارفه السيد توماس دوكوانسي بأن وورد وورث مشى في حياته ما لايقل عن 180.000 ميل او حوالي الثلاثمئة الف كيلومتر! نقول ذلك على الرغم من انه لم يكن ذا جسد رياضي ولم تكن بنيته الجسمية قوية، وفي اثناء هذه النزهات الطبيعية كان وورد وورث يستلهم اجمل اشعاره، ويكتب افضل قصائده نذكر من بينها: الى فراشة، الى طائر الوقواق، الى زهرة الربيع، الخ.. وكلها قصائد تتحدث عن ظواهر الطبيعة كما تدل عناوينها، ومعلوم ان الشعر الانجليزي كان يعتبر هذه الموضوعات ثانوية حتى ذلك الوقت ولكن مع ووردوورث اصبحت موضوعات شعرية من الدرجة الاولى وتقول اخت الشاعر في مذكراتها ان اخاها كان يمر في احدى نزهاته فوق بحيرة رائعة ليست بعيدة عن قريته فتوقف قليلا لكي يكتب هذه الابيات: الديك يصيح والجدول يجري والعاصفير الصغيرة تغرد والبحيرة تتألق هناك فرح في الجبال هناك حياة في الينابيع السحابات الصغيرة تبحر في سماء صاحية هذه القصيدة البسيطة في تعابيرها تكاد تقدم صورة فوتوغرافية اي واقعية، عن الطبيعة وظواهرها، انها صورة نابضة بالطبيعية الحية، التي تحدثها الطبيعة في نفوسنا، فالطبيعة هي أمنا الحنون،هي اطارنا الجميل الذي نعيش فيه، ومنه نستمد السكينة والغذاء الروحي لاعصابنا المرهقة من ضجيج المدينة، بعد بضعة اسابيع من ذلك التاريخ رأى الشاعر عشا جميلا فكتب هذه الابيات: انظر، خمس بيضات زرقاء تومض هناك! بضع رؤى رأيتها ولا أجمل منظر ولا أبهج لا شيء يسر العين اكثر! في الواقع انه وراء قصائد وورد وورث تقبع فلسفة كاملة للطبيعة او عن الطبيعة، وهي فلسفة تخترق كل اشعاره وتجعل منه واحدا من اهم شعراء الغرب كله واكثرهم اصالة، في اي شيء تكمن هذه الفلسفة في قول مايلي: ان معظم متاعبنا النفسية عائدة للعيش في المدينة وعدم الذهاب الى الريف من وقت لاخر ورمي انفسنا في احضان الطبيعة، هذه هي فلسفة الشاعر الانجليزي الكبير ملخصة في كلمات معدودات: سبب المرض المدينة، وعلاجه لا يكون الا في الريف، في القرية، في سماع صوت العصافير وخرير السواقي والينابيع، ولكن وورد وورث لم يستطع ان يقنع معاصريه بسهولة بهذه الفلسفة فالجميع يريدون ان يعيشوا في المدينة، ويستمتعوا بأضوائها ومباهجها ومسارحها وساحاتها العامة وشوارعها العريضة، ينبغي العلم ان 17% من سكان انجلترا يعيشون في المدينة عام 1700، ثم اصبحوا 50% عام 1850% ثم 75% عام 1900 وبالتالي ففي عصر شاعرنا الكبير الذي مات عام 1850 كان اقل من نصف السكان يعيشون في المدينة، ولكنه كان ينصحهم بالخروج الى الريف من وقت الى اخر لكي يريحوا ليس فقط اجسادهم وانما ارواحهم ونفوسهم ايضا فالروح تنسجم في حضن الطبيعة وتشعر بالارتياح وتنسى ضخب المدن، واكتظاظها بالسكان، وتلوثها، ودخان مصانعها، وهل هناك ابهج للعين من منظر طبيعي ساحر، نقول ذلك وبخاصة اذا كان في الريف الانجليزي المشهور بجماله وروعته ثم هناك العلاقات الانسانية، فالشاعر كان يستغرب كيف يمكن للناس ان يعيشوا متجاورين في لندن دون ان يعرفوا اسماء بعضهم البعض، وبالتالي فالعلاقة الانسانية ليست موجودة الا في الريف. ننتقل الان الى شاعرا اخر كانت له علاقة مختلفة بالسفر والطبيعة هو: شارل بودلير فماذا يقول عنه الكتاب؟ ولد بودلير في باريس عام 1821 ولكنه منذ البداية احس بالضجر من البيت والعائلة وكل شيء والسبب واضح، فوالده مات وهو صغير، وامه تزوجت بعد سنة من موته والطفل احس بالضياع والتمزق بسبب هذا الزواج الذي لم يفهمه ولم يهضمه ابدا، وراح يكره زوج امه كما هو متوقع، وابتدأت المشاكل في البيت، وفكر بالهرب الى مكان اخر بعيد، واخذ يكره ايضا المجتمع البورجوازي الفرنسي ككل، ويعيش حياة البوهيمية والتسكع، وكما هو معلوم فقد طرد من المدرسة بسبب مشاغباته وعدم طاعته للاساتذة. هكذا اخذ يحلم بمغادرة فرنسا الى مكان اخر لكي يهرب من العائلة، والبيت، والمجتمع، وكل شيء، كان يحلم بالطقوس الحارة، والشمس الساطعة التي تختلف عن شمس اوروبا الناعسة وجوها المليء بالضباب والغيوم والممطر، وعندئذ كتب قصيدته المشهورة: نداء الرحيل «او دعوة للسفر بحسب ترجمة اخرى» وفيها يحلم بالوصول الى مكان حيث كل شيء «نظام وجمال وترف ومتعة».. ولكنه كان يخشى السفر ومتاعبه، وعلى الرغم من ذلك فقد انخرط في سفرة طويلة الى الهند على متن باخرة وقد استمرت ثلاثة اشهر ولكنه لم يكملها وانما توقف في احدى الجزر الفرنسية الواقعة في منتصف الطريق، وهكذا امضى ثلاثة اشهر في عرض البحر وكانت تجربة مهمة اثرت على شعره فيما يبدو ولكن السفر لم يشف قلقه وحزنه على الرغم من كل اكتشافاته وآفاقه، وعرف عندئذ انه لن يكون سعيدا في اي مكان، اللهم الا في المكان الذي هو ليس فيه! وعندئذ قرر العودة الى فرنسا ولم ينجح قبطان السفينة في اقناعه بمواصلة الرحلة حتى الهند، ونتج عن هذه التجربة موقف ملتبس او مزدوج من السفر، ففي قصيدة بعنوان «الرحلة» راح يتخيل بنوع من السخرية روايات المسافرين العائدين من بعيد، يقول: لقد رأينا نجوما وامواجا، رأينا رملا ايضا وعلى الرغم من صدمات كثيرة وكوارث مفاجئة فأننا ضجرنا كثيرا كما يحصل هنا قبل السفر.. على الرغم من ذلك فأنه يظل راغبا في السفر، ويظل نداء السفر قويا في داخله، فما ان عاد الى باريس بعد رحلته الطويلة هذه حتى راح يرغب في السفر الى مكان اخر من جديد، يقول في احدى كتاباته النظرية «الحياة تشبه المستشفى الذي يرغب كل مريض بتغيير سريره فيه، فهذا يريد ان يتحرك لكي يكون سريره بالقرب من النافذة، وذاك لكي يصبح اقرب الى المدفأة، وهكذا كلنا نحب السفر وتغيير الاماكن، كلنا على سفر» ثم يقول مردفا: «يبدو لي اني كنت دائما ارغب ان اكون في المكان الذي لست فيه وما ان اصبح فيه حتى ارغب في مكان اخر..» ويبدو ان بودلير كان يرغب في الذهاب الى لشبونة، عاصمة البرتغال، فهناك الطقس الجميل والشمس الحارة، وبامكانه كالحشرات ان يتمدد على الارض ويأخذ الطاقة من الشمس كما انها مدينة الحياة والرخام والنور، مدينة تساعد على التأمل والهدوء، ولكن ما ان يصل الى هناك ويعيش بضع ساعات حتى يحلم بالذهاب الى مكان اخر! ثم يصبح يتساءل فيما اذا لم يكن اكثر سعادة في هولندا مثلا! وعندما يصبح يقول: اريد أن اكون سعيدا في اندونيسيا، او بحر البطليق او حتى القطب الشمالي؟! فهناك يستطيع ان يستحم بالظل والظلال، بالعتمات الليلية المتواصلة، ويمكنه عندئذ ان يراقب الشهب وهي تتساقط من السماء كالنيران، في الواقع ان رغبته كانت في ان يذهب بعيدا الى اي مكان، خارج هذا العالم..! فالعالم سجن في نظر بودلير، وبودلير مريض بالضجر من هذا العالم. في الواقع ان بودلير كان يحلم بالسفر اكثر مما يسافر، فالشعراء ذوو ارواح حائرة، قلقة، متذبذبة باستمرار بين الامل والخوف، بين اليأس والسعادة، ولكن هناك شيء واحد مؤكد على اي حال وهو ان بودلير كان على مدار حياته كلها مشدودا بقوة الى الموانيء، وارصفة الموانيء، ومحطات القطارات، والقطارات، والسفن، وغرف الفنادق، كان يحلم بهذه الاشياء باستمرار، وكان يشعر كأنه في بيته عندما يكون فيها، كان يحب ان يكون دائما على سفر.. فهذه الامكنة هي امكنة شعرية بالنسبة لشارل بودلير، وبودلير عاش حياته كلها من اجل شيء واحد: الشعر، فالحياة اللاشعرية، اي حياة البورجوازية الفرنسية مثلا، هي قفص بالنسبة له او سجن، وهو يريد ان يهرب من السجن باستمرار.. يقول مثلا: ايها القطار خذني معك! ايتها السفينة اسرقيني من هنا الى ابعد مكان! خذيني بعيدا، بعيدا، هنا الوحل مصنوع من دموعنا من مآقينا! كان شاعر الحداثة الانجليزي ت.س. ايليوت يقول بان بودلير هو اول فنان في القرن التاسع عشر يخلع نوعا من الجمال على امكنة السفر الحديثة والاته كالقطار والسفينة وسواهما، وحتما لو عرف الطائرة في عصره لاعجب بها ايما اعجاب، بودلير هو الذي اخترع نوعا جديدا من الرومانطيقية، او بالاحرى من الحنين الرومانطيقي الى الاشياء التكنولوجية فشعر الرحيل، شعر صالات الانتظار، هو من اختراع شارل بودلير بهذا المعنى فهو شاعر الحداثة ايضا، وذلك على عكس الشعراء الرومانطيقيين الكلاسيكيين الذين كانوا يتغنون بالطبيعة ومناظرها فقط ولا يهتمون بالمدينة والالات والمخترعات والمستجدات التي جلبتها الحداثة معها، للدلالة على مدى جاذبية السفن والموانيء بالنسبة لبودلير نروي القصة التالية في عام 1859 وبعد نشره لديوانه الشهير «ازهار الشر» وقطيعته مع عشيقته الزنجية حنه دوفال غادر بودلير باريس وذهب الى مدينة ساحرة تقع على المحيط الاطلسي وتدعى «هونفيلو» كانت امه تسكن هناك في بيت جميل، واسع فالتجأ اليها لفترة لفترة من الزمن عساه يخفف من همومه واوجاعه المتراكمة، وهناك امضي شهرين كاملين، ومعظم الوقت كان يقضيه على رصيف الميناء وهو يراقب حركة السفن غادية او قادمة، ذاهبة او ايبة، كان يمعن النظر في السفينة وهي ترحل الى البعيد البعيد، وكان يرافقها بنظراته كما لو انه يسافر معها، وهكذا يمضي الساعات والساعات وهو جالس على مقعد الرصيف هل كان ينتظر احدا؟ بالطبع لا، كان ينتظر فقط الانتظار، كان يفكر بفرحة القادمين، بحزن المودعين، بالعيون المليئة بالدموع، والحب ولوعة الفراق او فرحة اللقاء، وكان يخزن الصور من اجل قصائد قادمة، قصائد خالدة تبقى على الدهر، ألم نقل بأن بودلير عاش لشيء واحد: الشعر، لقضية واحدة هي قضية الشعر، لنستمع اليه وهو يتحدث عن الشخص الغريب بامتياز، عن الشخص المسافر دائما، عن الشخص الوحيد في هذا العالم: عن الشاعر، يقول في قصيدة رائعة بعنوان الغريب «او الاجنبي، كل شيء يتوقف على كيفية الترجمة، والمعنى واحد تقريبا في نهاية المطاف» فالشاعر غريب في نهاية المطاف، وكان ينبغي الايوجد في الواقع، انه ضيف على هذا العالم، ضيف غير مرغوب فيه على الاطلاق، على الاقل في المجتمع الفرنسي البورجوازي الذي لايؤمن الا بالنفع والفائدة، بالمقامات والوجاهات. ننتقل اخيرا الى فنان كبيرا لا يقل شهرة عن بودلير هو: فانسان فان غوغ، فقد اتيح له ان يسافر الى احدى اجمل المناطق في فرنسا: منطقة الجنوب ومرسيليا والشاطيء اللازوردي، وهي منطقة طالما الهمت الرسامين والفنانين وعندما وصل اليها كان عمره خمسة وثلاثين عاما، وكان قد كرس نفسه لمهنة الرسم منذ ثماني سنوات فقط بعد ان فشل في ان يكون معلما او راهبا.. وفي السنتين السابقتين كان قد عاش في باريس مع اخيه «تيو» الذي كان تاجرا باللوحات الفنية والذي كان يصرف عليه ماديا، وعندما انخرط في رسم اللوحات لم يكن يمتلك تدريبا يذكر، لا ريب في انه كان صديقا للفنان بول غوغان، وكان يعرض لوحات الى جانبه في مقهى باريسي، لماذا سافر فان غوغ الى مدينة «آرل» بجنوب فرنسا؟ لانه وهو الهولندي الشمالي، كان مسحورا بالجنوب وشمس الجنوب كان يريد ان يرى المناظر الجميلة تحت اشعة المتوسط الساحرة، كان يريد ان يرى نور الجنوب، اضواء الجنوب، الوان الجنوب، وكان يريد ايضا ان يساعد الاخرين على رؤية ذلك، فهدف الفن هو ان يفتح عينك على الحياة، على جمال الحياة ومناظرها وبهجتها، فالفنان هو ذلك الشخص الذي يرسم جزءا من العالم ثم يفتح اعين الاخرين عليه فالناس قد يمرون مئة مرة امام نفس المنظر ولكنهم لايرون او لايعرفون كيف يرون