يعتبر روبرت كريلي واحداً من اكبر الشعراء في اميركا اليوم، وقد نال العديد من الجوائز الكبرى وهو احد الشعراء القلائل في جيله ممن يحظون باعجاب كبير في اوساط الشعراء الشبان الصاعدين اليوم من امثال: فرانك بيدار، سوزان هاو، جون يو، الخ. كان كريلي قد ادلى للصحافة بالعديد من المقابلات المطولة التي تحتوي على معلومات كثيرة عن حياته وأعماله الادبية كما وسمح بنشر العديد من رسائله الشخصية لكي يطلع عليها الجمهور العام واليوم يقدم الباحث ايكبيرت فاس قصة حياة هذا الشاعر الكبير في (513) صفحة والباحث المذكور هو استاذ الادب الانجليزي في جامعة «يورك» بمدينة تورنتو عاصمة كندا وكان قد تعرف شخصياً على «كريلي» وحلقته الادبية التي كانت تعقد في مدينة سان فرانسيسكو في السبعينيات بل وتلقى اذناً رسمياً من كريلي لطبع هذا الكتاب الضخم، في الواقع ان الشاعر الكبير اذن له بالانخراط في كتابة سيرة حياته منذ عام 1981 ولكن الباحث بعد ان اشتغل عدة سنوات على موضوعه راح يشعر بالضجر والملل ولم يعد متحمساً كما كان عليه الحال في البداية والسبب هو ان الشاعر الذي كان متمرداً كبيراً في بداية حياته الادبية اصبح بعدئذ بورجوازياً يعيش حياة هادئة مع زوجته وأولاده وبالتالي فلم يعد شعره قوياً، جارفاً، كما كان عليه الامر سابقاً والواقع ان شعره بلغ الذروة عندما كان يعيش حياة بوهيمية متسلطة، وعندما كان قلقاً، متوتراً، يدمر نفسه بنفسه. اما عندما يصل الشاعر الى ما يريد، عندما يصبح بورجوازياً يمتلك المال والحياة العائلية المستقرة، والوجاهات فإنه يخسر الشعر ونلاحظ ان مؤلف هذه السيرة لا يتورع عن تقديم صورة واقعية جداً عن الشاعر فهو يبدو لنا وضيعاً احياناً، وسكيراً، او طائشاً متهوراً مع النساء احياناً اخرى كما ويبدو مخادعاً لا يتردد عن خيانة اصدقائه وزملائه يضاف الى ذلك انه لم يكن اباً جيداً لأطفاله الثلاثة الذين انجبهم من زوجته الاولى باختصار فإنه يبدو مليئاً بالعيوب والعاهات.. وقد استفاد الباحث في تأليف كتابه من مذكرات زوجة الشاعر الاولى: آن ماكينون وهي تروي فيها تفاصيل حياتها مع الشاعر وكيف كانا يشربان الخمر حتى الصباح ويدخنان الحشيش والمخدرات بأنواعها وقد مارسا نفس الشيء في جنوب فرنسا بعد مغادرة اميركا ولكن ما ينقص هذه السيرة هو عدم اهتمام الباحث بالطفولة الاولى للشاعر وما جرى فيها من احداث ومعلوم ان احداث الطفولة تؤثر علينا حتى بعد ان نكبر ولا نستطيع ان نتخلص منها بسهولة على عكس ما نتوهم وبالتالي فلكي نفهم حياة شاعر ما بشكل جيد ينبغي ان نركز انتباهنا اولاً على طفولته نقول ذلك وبخاصة ان روبرت كريلي فقد عينه اليسرى في حادث سيارة وهو طفل لا يتجاوز الثانية من عمره وهذا حدث خطير سوف يؤثر على مجرى حياته كلها وعلى نصوصه الادبية والشعرية ثم مات ابوه بوقت قصير بعد الحادث وبعدئذ باعت العائلة مزرعتها الكائنة في ضواحي «بوسطن» وبالتالي فإن بعض النقاد يقولون بأن كل عبقرية «كريلي» تفجرت للتعويض عن هذه الطفولة المأساوية وهذه هي نظرية التحليل النفسي التي تعتبر ان الابداع ما هو الا وسيلة للتغلب على العقد النفسية والاحداث المأساوية التي قد تكون حصلت في طفولتنا. في عام 1957 تزوج روبرت كريلي للمرة الثانية واثبت انه قادر على تجاوز العقبات والصعاب على الرغم من عاهته ونواقصه وقد استطاع ان يصبح استاذاً في جامعة المكسيك الجديدة ويصدر في نفس العام واحداً من افضل دواوينه: من اجل الحب. يقول في قصيدة بعنوان: هنا. لا أحد في الغرفة ما عداك العقل كله يضيع فيك والغرفة تنفتح وتنغلق..