مؤلق هذا الكتاب بيدرو سارميينتو غابوا هو بحار وقائد اسطول صغير من خمس سفن.. عاش في القرن السادس عشر. تدل التحقيقات التاريخية التي اجريت حول سيرة حياته بأنه من مواليد اسبانيا عام 1532.. وصل الى المكسيك عام 1555 ثم الى البيرو عام 1557 وعمل استاذاً لقواعد اللغة اللاتينية في ليما ليصبح بعد ذلك مؤرخاً لـ «مملكة البيرو» وحيث كتب عام 1572 كتاباً تحت عنوان «تاريخ حضارة الانكا» ـ احدى اشهر حضارات اميركا اللاتينية القديمة. وفي عام 1580 عاد بيدرو الى اسبانيا عبر مضيق ماجلان، و حيث اصيب بجروح بالقرب من جزر الرأس الأخضر من قبل بحار فرنسي. وبعد مقابلة مع ملك اسبانيا عاد بيدرو الى أميركا حيث وصل الى ريو دي جانيرو عام 1582 ليحضر مباشرة «حملة» لاحتلال مضيق ماجلان لكنه فشل في ذلك ليعود من جديد مع حملة جديدة قوامها ثلاثة آلاف رجل وخمس سفن ويدخل المضيق وينزل مع رجاله في منطقة «رأس العذارى» ثم اقام مع رجاله مستعمرة اخرى ويبقى هناك حتى عام 1584 حيث خرج مع رجاله في ظروف غامضة من مضيق ماجلان.. لتفشل بعد ذلك جميع المحاولات التي قام بها لاحتلاله من جديد. وعندما كان بيدرو في طريق العودة الى اسبانيا من جديد عام 1586 وقع اسيراً لدى الاسطول الانجليزي لتعطي صاحبة التاج البريطاني الأمر بإطلاق سراحه بعد مقابلته ليغادر لندن الى باريس. ليحاول من هناك الوصول الى اسبانيا بعربة البريد.. لكنه وقع من جديد في الاسر من قبل البروتستانتيين الذين كانوا يعيشون «حالة حرب» مع الكاثوليك ولم يستطع الوصول الى اسبانبا الا بعد اربع سنوات أي في عام 1590 حيث قابله الملك وفي نفس السنة اتم رواية الحملة على مضيق ماجلان ليلقى حتفه بعد عامين فقط في معركة بحرية مقابل لشبونة. هذا الكتاب يضم رواية بيدرو سارميينتو دو غابوا لحملة مضيق ماجلان، كما يضم ايضا شهادة مكتوبة عام 1620 للمدعو تومي هرناندز حول نهاية المستعمرات في «أرض النار» أي مضيق ماجلان والمنطقة المحيطة به. لكن ناشر هذا العمل اضاف فعلين قدمهما المترجم اندريه روسيه الذي يعيش في باناما، وهما مكرسان لـ «السياق التاريخي لحملة بيدرو سارمينيتو دوغابوا على مضيق ماجلان وأهم الحملات التي استهدفت مضيق ماجلان. بتاريخ 25 سبتمبر 1581 جهز بيدرو حملة قوامها ثلاثة آلاف رجل.. وأبحر معهم باتجاه الاراضي التي كانت معروفة من بعيد ولكن لم يكن هناك من تجرأ قبل ذلك على القيام بمغامرة ولوج ممراتها البحرية المتجمدة المعروفة باسم مضيق ماجلان. كانت تلك الحملة قد قامت باسم ملك اسبانيا فيليب الثاني، احد اشهر ملوك اسبانيا في كل العصور.. وهو الملك الذي كان المؤرخ الفرنسي الكبير فرناند بروديل قد خصه بعمله العظيم الذي يحمل عنوان «البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني، وقد كان مضيق ماجلان موقعاً استراتيجياً باعتباره يشرف على مداخل المحيط الهادئ «الباسفيكي» ولذلك كان موضوع تنافس كبير بين انجلترا واسبانيا اللتين كانتا القوتين البحريتين الأكبر في القرن السادس عشر.. وكانت كل منهما تطمح الى فرض سيادتها على العالم عبر تطبيق القاعدة القائلة بأن من يسيطر على البحار يسيطر على العالم. إن بيدرو سارميينتو دو غابوا يتحدث في هذا النص الذي يكتبه بصفته حاكم مضيق ماجلان ورئيس بحارته، عن المصاعب الكثيرة والدسائس التي تعرضت لها حملته مما ادى الى تأجيلها لشهور طويلة. ويؤكد بأن كان لابد من توفر ارادة حديدية من اجل الوصول بالمشروع الى نهايته. وحيث وجد نفسه وبحارته ـ وجنوده ـ منسيين من الجميع ويتعرضون للهجومات المتتالية المميتة من قبل الهنود الحمر. وفي ظروف مناخية سيئة. ويتحدث المؤلف عن بيدرو بصيغة ضمير الغائب «هو» وكأنه يتحدث عن «بطل آخر هو» بيدرو سارميينتو دو غابوا.. انه يستهل نصه بجملة من جهته لملك اسبانيا آنذاك فيليب الثاني يقول فيها: «كما تعرف سموكم فإن المدعو بيدرو سارميينتو دو غابوا غادر مدينة لوس رايس (في اسبانيا) باتجاه البيرو بتاريخ 11 اكتوبر من عام 1579».. كات اسبانيا تعتبر آنذاك بأن البيرو والتشيلي واسبانيا الجديدة (المكسيك حالياً) ومناطق اخرى في بحار الجنوب والشمال ـ أي المحيطين الهادئ والأطلسي ـ بمثابة ممتلكات اسبانية. وتبدو المكانة الاستراتيجية لرأس ماجلان ضمن اطار المشروع الاستعماري الاسباني آنذاك عبر الجملة التالية التي كتبها بيدرو وجاء فيها: «وتلقى بيدرو سارميينتو ايضا الأمر بسبر طرق رأس ماجلان... مع التأكيد على ضرورة استعماره وتعزيز مواقع هذه المنطقة من اجل سد منافذها مما يؤمن حماية بلاد الهند ـ كما كان يسود الاعتقاد آنذاك بالنسبة للعالم الجديد ـ وبقية ممتلكات بحر الجنوب». ويحتوي النص الذي كتبه بيدرو على توصيف كامل ودقيق للمناطق والخلجان والمضائق التي احتلها مع جنوده.. مما يبدو وكأنه احدى روايات القراصنة التي تنتمي الى عالم آخر غير ذلك الذي نعيشه اليوم.. وما يؤكده صاحب الرواية منذ البداية وباستمرار هو ولاؤه المزدوج للكنيسة وللملك فيليب الثاني. وفضلاً عن المتعة الكبيرة التي يعيشها القارئ وهو يشارك بيدرو في مغامراته البحرية وكأنه السندباد الاسطوري، كان هذا النص يقدم توثيقاً مهماً للطرق التي جرت بها العملية الاستعمارية الاسبانية لمناطق جنوب القارة الأميركية بعد اكتشافها من قبل كريستوفر كولومبس وبحارته عام 1492.. هكذا يتحدث بيدرو كيف انه جمع 300 مستوطن بينهم متزوجون مع نسائهم واطفالهم. مع توظيف 50 اخصائيا بعمليات البناء مع عمال محترفين في ميادين قطع الاحجار والنجارة والخرسانات.. كان ذلك قبل حملته الاولى الفاشلة على مضيق ماجلان وحيث ان المرض كان قد حصد نصفهم تقريبا قبل الوصول الى الهدف. لكن الحملة الظافرة التي تمت في اواخر شهر سبتمبر 1581 فقد جندت اكثر من ثلاثة آلاف شخص. وكان تصميمه كبيرا من اجل تنفيذ رغبة الملك فيليب الثاني. وصيانة المصلحة العامة لاسبانيا وبلاد الهند رمز قوة التاج الملكي. يقول بيدرو عن فهمه لمهمته: «إن العالم كله ينظر لنا، واعداء الله واعداؤك ستصيبهم فرحة عارمة ازاء ضعفنا وفشلنا وما يمكن ان ينجم عنهما من مجد خسيس. وعلينا نحن ان نجعلهم يفهمون بعنادنا وتصميمنا بأنهم خاسرون». وبمثل هذا العناد والتصميم احتل بيدرو وبحارته مضيق ماجلان وأقاموا فيه القلاع والمستعمرات.. لكن وبعد اقامة استمرت حوالي عامين من الزمن خرج بيدرو من منطقة مضيق ماجلان بظروف تغيرت عنها بصورة غامضة جداً لا يوضح فيها الاسباب الحقيقية، لكن يمكن استكشاف بأنه قد خرج مكرهاً لأنه حاول العودة الى المنطقة في العام التالي لخروجه لكنه فشل.. ليأخذ طريق العودة الى اسبانيا حيث وقع في الاسر بين يدي الانجليز. وقبل ان يتم القبض عليه القي في البحر، وكما يختتم روايته، قسم كبير من الاوراق السرية للملاحة وللاكتشافات والخرائط والتقارير الخاصة باحتلال مضيق ماجلان.. وذلك كي لا تقع «بيد العدو ويستخدمها» ضد مصلحة التاج الاسباني. رواية عن الحملة الاستعمارية الاولى لمضيق ماجلان. وهي تحتوي بين سطورها على ذكر احداث كثيرة وشخصيات كان لها اثرها في صياغة التاريخ الاوروبي خلال نهاية القرن السادس عشر، وخاصة «امتصاص» الامبراطورية الاستعمارية البرتغالية ونهاية الوجود الفرنسي في البرازيل بعد توحيد تاجي اسبانيا والبرتغال في ظل فيليب الثاني عام 1580.. كما ان هذه الفترة واعتباراً من عام 1588 شهدت نهاية التفوق البحري الاسباني وسيادة الاساطيل الانجليزية. اما فرنسا فقد كانت قد شهدت بداية حروب الدين بين الكاثوليك والبروتستانت.