بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب كريس براون هو استاذ العلاقات الدولية في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية وكتابه هذا يعتبر مسحاً شاملاً للعلاقات الدولية وكيفية تشكلها منذ ثلاثة قرون على الاقل ويرى الباحث ان النظرية السياسية الدولية، بالمعنى الحديث للكلمة ابتدأت فعلاً مع عقد معاهدة «ويستفاليا» في المانيا عام 1648 فهذه المعاهدة التي شاركت فيها الدول الاوروبية الكبرى وضعت حداً لحرب الثلاثين عاماً التي اجتاحت المانيا وبعض البلدان الاخرى وهي الحرب الذهبية الطاحنة التي جرت بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين وبعد انتهائها خرج نظام جديد في المانيا واوروبا ويمكن القول بأن معاهدة ويستفاليا انهت النظام الاقطاعي القديم وأدت الى تشكيل الدولة بالمعنى الحديث للكلمة وانهيار العالم المسيحي. بهذا المعنى فإنها تشكل مفصلاً في تاريخ السياسة والعلاقات الدولية ثم ينتقل المؤلف بعدئذ الى فصل بعنوان: الفكر الدولي في مرحلة التنوير وما بعد التنوير ويقول بما معناه: مع مفكري التنوير ابتدأ عصر جديد في الفكر العالمي هو: عصر النقد. في الواقع ان مجتمع الدول لم يكن يرضيهم تماماً لانهم كانوا يحلمون بمجتمع دولي كوسمو بوليتي يشمل البشر جميعاً ولكنهم قبلوا بتقسيم العالم الى دول بشرط ان تكون كل دولة قائمة على قومية معينة وهذا ما حصل وما ظل مستمراً حتى يومنا هذا على الرغم من اننا دخلنا في عصر العولمة فالدولة القومية لم تختف حتى الآن على الرغم من تنبؤات البعض ولكن بعض صلاحياتها اصبحت من اختصاص المنظمات الدولية العابرة للقوميات والقارات لكن ينبغي الا نستبق الامور فلنحاول ان ندرس ما حصل في القرن الثامن عشر، اي عصر التنوير قبل ان ننتقل الى القرن التاسع عشر فالقرن العشرين وهنا يطرح البروفيسور كريس براون هذا السؤال: ما هو التنوير؟ ويجيب قائلاً: ليس من السهل تحديد مفهوم التنوير ربما كان مشروع الفلاسفة آنذاك يتمثل في تحرير الوضع البشري عبر زيادة المعرفة وقد مشى كانط في هذا الاتجاه عندما قال بأن التنوير يعني خروج المرء من مرحلة القصور العقلي وانتقاله الى مرحلة النضج والرشد والمسئولية العقلية ولكن المفهوم التقدمي او التحريري للتنوير لا يشمل جميع فلاسفة تلك الفترة بنفس الدرجة. فالفيلسوف دافيد هيوم مثلاً كان من اتباع التنوير ومعادياً للخرافات والخزعبلات الكنسية ولكنه لم يكن مهتماً بالتحرير السياسي للانسان كما فعل كانط ان او جان جاك روسو او هيفل الخ، وبالتالي فهناك عدة اتجاهات في التنوير ولكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو الموقف الكوسموبوليتي في القضايا الدولية لكن ما معنى كلمة «كوسموبوليتي»؟ هنا ينبغي ان نعود الى الماضي البعيد قليلاً يبدو ان الفيلسوف الاغريقي «ديوجين» كان اول من طبق هذا المصطلح على فنه باعتبار انه كوسموبوليتي: اي احد مواطني العالم.. ولكن مفكري التنوير اعتبروا انفسهم كوسموبوليتيين لاسباب مختلفة نسبياً فتقسيم العالم الى دول متجاورة ومتنافسة كان يخيفهم كثيراً من حرب قد تندلع بين هذه الدول وهم يريدون تحاشي الحرب بأي وسيلة ولذلك فإن نظرتهم للعلاقات الدولية كانت نظرة سلمية اساساً اي قائمة على مشروع طموح جداً وطوباوي في الواقع فهم كانوا يحلمون ببلورة مشروع للسلام الدائم بين الامم وهذا ما عبر عنه كانط بوضوح في الكثير من كتاباته ومعلوم ان كانط يعتبر المفكر الاكبر لعصر التنوير والواقع انه كان احد القلائل الذين استطاعوا بلورة نظرية سياسية متكاملة عن العلاقات الدولية كما واستطاع بلورة فلسفة اخلاقية واجتماعية للبشرية ككل كان يريد ان يتقيد الافراد في سلوكهم الشخصي وفي علاقاتهم الاجتماعية بالقانون الاخلاقي فلا يمكن ان تنتظم امور المجتمع بدون اخلاق او قواعد سلوكية محددة وما ينطبق على الافراد ينطبق على المجتمعات والدول، فالعلاقات الدولية ينبغي ان تقوم ايضاً على قواعد اخلاقية والا فسدت الامور واندلعت الحروب ثم يقول المولف بالحرف الواحد كان كانط اول فيلسوف سياسي بالمعنى الحديث والكبير للكلمة لماذا؟ لانه كان اول من اهتم بمسألة العلاقات الدولية باعتبار انها مسألة مهمة و ليست ثانوية ولا يمكن ان نقول الشيء ذاته عن هوبز، او لوث، او حتى جان جاك روسو فهولاء اهتموا بالعلاقات الدولية فقط بشكل هامشي او جانبي. من اهم الكتب التي كرسها كانط للعلاقات بين الدول: «السلام الدائم: خلاصة فلسفية للمشروع» ثم هناك كتابه الآخر المهم: «خلاصة التاريخ الكوني مرئياً من وجهة نظر كوسموبوليتية» ثم حصل بعدئذ رد فعل على عصر التنوير وتجسد فيما يدعى بالثورة الرومانطيقية ومعلوم انها مجدت الغرائز اللاعقلانية التي تسكن جوانح الانسان كما وركزت على العصبية القومية ورأت فيها عبقرية كل أمة من الامم وكان ذلك بمثابة رد فعل على عقلانية عصر التنوير التي تبدو جافة احياناً وقد رفض فلاسفة القومية النزعة الكوسموبوليتية التي سادت قبلهم وقالوا ان الانسان بحاجة لان ينتمي الى قومية من القوميات لكي يشعر بجذوره وهويته وبالتالي فليس كل الفلاسفة القوميين هم فلاسفة لا عقلانيون والدليل على ذلك هيغل الذي كان من كبار ممثلي التيار العقلاني في الفلسفة، ومع ذلك فقد كان مرتبطاً بالدولة البروسية والنزعة القومية الالمانية، من اهم كتبه التي تعبر عن آرائه السياسية نذكر: «فلسفة التاريخ» ثم «مباديء من اجل فلسفة القانون» كان هيغل يفهم التاريخ على أساس انه صعود للروح الانسانية التي تتجسد اخيراً في الدولة بالمعنى الحديث للكلمة، وبالتالي فنهاية التاريخ في نظره تتوقف عند الدولة القومية الحديثة اي الدولة البروسية فهي تمثل تتويجاً لكل مسيرة البشرية السابقة. ولم يكن هناك بد من ان يتأقلم المجتمع الصناعي مع اطار الدولة القومية ذات السيادة: سواء أكانت هذه الدولة انجليزية، ام فرنسية، أم المانية،الخ والواقع ان التجارة الدولية تزايدت اهميتها في النظام العالمي بعد ظهور العصر الصناعي فقبل ظهور هذا العصر كانت التجارة الدولية تمثل مكانة ثانوية في الحياة الاقتصادية لمختلف الدول وكانت تعتبر بمثابة فعالية سياسية بقدر ما هي اقتصادية بمعنى ان هدف سياسة المتاجرة مع الخارج كان هو ان نربح على الخارج ويخسر هو، وحلال على الشاطر كما يقال! ولهذا السبب اعلن جان جاك روسو بأنه من الافضل ان يخضع النظام الدولي للسيادة المطلقة،: اي ان يكون لكل دولة الحق في السيادة المطلقة على نفسها، ثم جاء مؤسسو الاقتصاد السياسي الليبرالي من امثال آدم سميث ودافيد ريكاردو وغيروا الاسس الفكرية في نص وجهة النظر هذه وراحا ينظران للنزعة المركنتيلية التجارية، وهي نظام اقتصادي نشأ في اوروبا بعد تفسخ النظام الاقطاعي وانهياره وكان يهدف الى تعزيز ثروة الدولة عن طريق التنظيم الحكومي الصارم لكامل الاقتصاد الوطني وانتهاج سياسة تهدف الى تطوير الزراعة والصناعة وانشاء المكاتب التجارية في الخارج، وانعكس ذلك بالضرورة على العلاقات بين الدول: اي مايدعى العلاقات الدولية، وكان لابد ان تتغير هذه العلاقات بسبب نمو التجارة الدولية بشكل متزايد في القرن العشرين، وهنا ظهر مفكر انجليزي يدعى ريتشارد كوبدين وكان اكبر محام في انجلترا عن التجارة الحرة، وهو الذي طرح السؤال الاساسي فيما يخص الموضوع: كان نظام الدولة المستقلة هو الذي طبق على الشئون الخارجية في اوروبا قبل قرن من الزمان ولكن هل لايزال النظام متناسباً مع الاوضاع المالية؟ بمعنى آخر: ألم يتجاوزه الزمن؟ ثم ينتقل المؤلف الى الفصل الرابع لكي يتحدث عن العلاقات الدولية في القرن العشرين وما طرأ عليها من متغيرات، وهو يطرح الموضوع من خلال مفاهيم كالواقعية، والاممية الليبرالية، والنظرية السياسية الدولية في القرن العشرين ويرى البروفيسور كريس براون ان المضامين لم تتغير كثيرا في القرن العشرين، وانما الذي تغير هو الوسط الثقافي والفكري، فقد اسست أول مرة كليات تدرس السياسة الدولية كعلم مستقل بذاته وكذلك العلاقات الدولية، وهذا شيء ما كان موجوداً سابقاَ، فبعد الحرب العالمية الاولى ظهرت اقسام جامعية من هذا النوع في الولايات المتحدة وانجلترا بشكل خاص، وبعد الحرب العالمية الثانية توسعت هذه الاقسام والكليات بسبب الطلب المتزايد عليها، بل وتم تأسيس جمعيات خاصة بالموضوع نذكر من بينها: رابطة الدراسات الدولية الاميركية، ورابطة الدراسات الدولية البريطانية، والرابطة اليابانية للعلاقات الدولية، الخ.. في الوقع ان هذه المتغيرات جاءت كرد فعل على الفظائع التي ارتكبت اثناء الحربين العالميتين الاولى والثانية وكان الهدف من التركيز على الدراسات والشئون الدولية هو التشجيع على السلام واقامة علاقات طبيعية بين الدول، فالمسئولون السياسيون والثقافيون ما كانوا يريدون ان تتكرر هذه الفظائع مرة اخرى، في الواقع ان بعض تيارات الفلسفة السياسية كالتيار الكانطي مثلا كانت تعتقد بأن سبب الحرب ليس الشعب، فالشعب بطبيعته لايريد الحرب لانها تدمر ابناءه وتخرب ارزاقه، وتقضي على مستقبله وطمأنينته، واذن فإن قادة الجيش والحكام الاستبداديون هم الذين يفرضون الحرب على الشعب، يضاف الى ذلك ان الحرب تندلع احيانا لان شعبا من الشعوب يريد التحرر وتقرير المصير ولكن القوى الامبريالية تمنعه من ذلك، واكبر مثل على ذلك الشعب الفلسطيني في عصرنا الحاضر، وعندئذ لا يعود امامه أي مجال إلا ان ينخرط في الانتفاضة لنيل حقوقه، ويقول بعض المختصين في الشئون الدولية بأن الجماهير التي كانت تنادي بالحرب في كل عواصم اوروبا قبل الحرب العالمية الاولى أو الثانية كانت محكومة من قبل قادة استبداديين وحكومات لا ديمقراطية، واكبر مثل على ذلك هتلر بالطبع، وبالتالي فاذا ما حكمت الشعوب بطريقة ليبرالية وديمقراطية فانها سوف تقلع في الحرب ولن تعود لها اي رغبة فيها، وهذا هو موقف الاممية الليبرالية التي تعتمد على الفلسفة الكانطية الداعية الى تحقيق السلام الدائم بين الامم ولكن بما ان الناس ليسوا ملائكة فإن المسئولين احسوا بضرورة تشكيل هيئة دولية عليا لمنع الحرب بين الامم او لمعاقبة الطرف الذي يشعلها أولاً، ولهذا السبب اسست عصبة الامم بعد الحرب العالمية الاولى ثم الامم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فالعالم بحاجة الى حكومة عالمية تفصل في نزاعاته وتقرر من هو المعتدي ومن هو المعتدى عليه. ثم ينتقل المؤلف الى مناقشة مسألة مهمة جداً هي: نظام حقوق الانسان وكيف ظهر لأول مرة. ويقول الكلام التالي: كانت معاهدة ويستفاليا قد شكلت نظام الدول الحديثة على أنقاض النظام الاقطاعي القديم. وبالتالي فإن النظام العالمي مؤلف من دول ولذلك نقول عنه بأنه نظام دولي، ولكن بعض المفكرين يرون ان الأفراد هم الأعضاء الحقيقيون للمجتمع الدولي وهم غايته النهائية حتى لو كانت الدول هي الأعضاء المباشرة التي تشكله. وبالتالي فالتركيز على الدولة لا ينبغي أن ينسينا أهمية الأفراد . ولكن ينبغي العلم ان الأفراد لم يكن معترفاً بهم في القانون الدولي سابقا. كانوا يحاكمون على أفعالهم من خلال دولهم المسئولة عنهم. وهذا هو الشيء الذي تغير بعد عام 1945. فقد تشكلت حقوق انسانية كونية تنطبق على جميع الأفراد أينما كانوا ولأية قومية أو دين انتسبوا. وهذا هو الشيء الجديد فعلاً في تاريخ البشرية. وأصبحت المنظمات الحكومية وغير الحكومية مسئولة عنهم. فمثلا منظمة العفو الدولية هي منظمة لا حكومية. ولكنها تستطيع ان تتدخل في الشئون الداخلية لأية دولة تنتهك حقوق الانسان على أراضيها. والواقع ان التوصل الى بلورة حقوق الانسان أو صياغتها كان نتيجة لمسيرة طويلة. ففي عام 1815 مثلا عقد مؤتمر فيينا ووافقت القوى العظمى فيه على انهاء المتاجرة بالزنوج. ثم عقد مؤتمر بروكسل عام 1890 واعتبر تلك التجارة خارج القانون. ثم توجهت كل هذه الجهود عام 1948 باصدار الإعلان العالمي لحقوق الانسان عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهذا الإعلان لايزال يحكم العالم حتى اليوم بصفته الفلسفة العليا للبشرية. نقول ذلك على الرغم من ان الاتحاد السوفييتي امتنع عن التصويت عليه بسبب تعلقه بالايديولوجيا الشيوعية. وهي ايديولوجيا تقول بأن حقوق الانسان بالمعنى البرجوازي للكلمة هي حقوق نظرية مفرغة من أي مضمون اقتصادي أو اجتماعي. فما معنى ان اعطيك حقوق الانسان كلها إذا كنت لا تجد عملاً ولا طعاماً تأكله؟ وهي محاججة ماركسية لها وجاهتها، ولكنها تسقط من تلقاء ذاتها إذا ما توفر للانسان عمل ومكانة ما في المجتمع. الواقع ان الاتحاد السوفييتي اعترض آنذاك على الموضوع لأنه كان يخشى ان يستغل الغرب هذه القضية من أجل محاربته اثناء الحرب الباردة. وهذا ما حصل لاحقاً. فقد أصبح الغرب يوزع فيما بعد العلامات على الدول بحسب تقيدها بحقوق الانسان أم عدم تقيدها. واحياناً استخدم حقوق الانسان كسلاح سياسي للضغط على الاتحاد السوفييتي أو الصين أو سواهما من الدول التي تعصي أوامره. ولكن على الرغم من ذلك لا يمكن القول بأن حقوق الانسان هي عبارة عن ورقة لا قيمة لها. فالواقع ان الالحاح عليها حاليا من قبل الاتحاد الاوروبي مثلاً أجبر الكثير من دول العالم الثالث على انتهاكها بشكل أقل. وأصبحت الانظمة القمعية أو المستبدة تخشى من ان يشهّر بها في الساحة الدولية إذا ما انتهكت هذه الحقوق بشكل فاضح ضد المعارضين مثلاً. ينتقل المؤلف في القسم الأخير من كتابه الى التحدث عن نظام العولمة الجديد الذي يبدو انه يحكم العالم في القرن الواحد والعشرين. ويقول ما يلي: لقد استمر النظام الدولي الذي أسسته معاهدة ويستفاليا يحكم العالم حتى هذه اللحظة. ولكنه ابتدأ يتعرض للاحتجاج والانتقاد في السنوات الأخيرة. لا ريب في انه لا يزال له انصار عديدون. نذكر من بينهم مثلاً جان بيير شفنمان وشارل باسكوا أو فيليب سيغان في فرنسا. فهؤلاء يرفضون الاتحاد الاوروبي بحجة انه سيقضي على الدولة القومية وعلى السيادة الفرنسية. وهم يقدسون هذه السيادة ويرفضون أن يمس بها أحد. ومعلوم ان سيادة الدولة ككيان كانت ترسخت في معاهدة ويستفاليا ذاتها قبل ثلاثة قرون ونصف. فهل سيؤدي عصر العولمة الزاحف الى القضاء على سيادة الدول وتشكيل فضاء اقتصادي وسياسي وتجاري وفكري مفتوح من أقصى العالم الى أقصاه؟ هل سيتحول العالم كله الى قرية كبيرة كما تنبأ أحد علماء الانثروبولوجيا أو الى دولة واحدة؟ بالطبع فإن هذا الحلم لايزال طوباوياً حتى الآن. فالدول القومية لاتزال موجودة ولكن سيادتها على أراضيها أو على شئون سكانها لم تعد مطلقة كما كان الأمر في السابق، فهناك منظمات غير حكومية كثيرة يحق لها ان تتدخل في شئونها، بل ان هناك منظمة الأمم المتحدة التي تستطيع ان تنتهك سيادتها وتفرض عليها قراراتها وأوامرها