بيان الكتب: في مكتبه بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية كان لـ «بيان الكتب» لقاء مع «باسكال بونيفاس» احد اهم الاستراتيجيين الاوروبيين بل واحد الاخصائيين المعروفين في هذا الميدان على الصعيد العالمي.. وكان معه الحديث التالي حول الكتاب الذي نقدمه لقرائنا وعنوانه: «الارض مستديرة مثل كرة القدم... جيوسياسة كرة القدم» وحديث اذن في الاستراتيجية ولكن من خلال كرة القدم. ـ على ضوء النتائج المحققة في مباريات كأس العالم حتى الآن يمكن ملاحظة مدى الفعالية والديناميكية التي تلعب بها الفرق الافريقية السوداء بينما نجد ان الفرق العربية شبه غائبة كما ان الفريق الوطني السعودي ـ هناك ايضاً الفريق التونسي ـ لم يحقق النتائج المرجوة 8/صفر ضد المانيا و1/صفر ضد الكاميرون هل هناك «جيوسياسياً» تفسير لمثل هذا الواقع الذي يبرز فيه الافارقة رغم فقرهم «المادي»؟ ـ نعم، بالنسبة للمملكة العربية السعودية لاشك بأن 8/صفر مع المانيا كانت قاسية هذه هي المشاركة الثالثة للمملكة العربية السعودية في كأس العالم وقد كانت قد عرفت في المرتين السابقتين مساراً مشجعاً بل وجيداً جداً في بطولة كأس عام 1994 لكن لاشك بأن كرة القدم العربية تراوح مكانها بينما تتقدم في افريقيا. ان بلدان الخليج خاصة مشت جزءاً من الطريق اذ انها استقدمت تقنيين اجانب ولعل المطلوب ان يتدرب اللاعبون ايضاً في الخارج ويكتسبون خبرة عالمية وهذا ما حدث بالنسبة للاعبين الافارقة، حيث اكتسبوا ثقافتين رياضيتين، هناك الآن مدربون فرنسيون في منطقة الخليج وينبغي ان يتمرس لاعبو الخليج في ادائهم عبر خوض المباريات الاوروبية وحيث يلعب العديد من اللاعبين الدوليين. ـ تقول في كتابك ما معناه بأن الرياضة هي اكثر نبلاً من السياسة هل الرياضة هي فعلاً «أنبل» من السياسة ومتى بدأ غزو هذه الاخيرة للرياضة؟ ـ هناك من يقول فعلاً بأنه لا ينبغي مزج السياسة بالرياضة بل وينبغي حماية الرياضة منها، لكن مثل هذا الواقع لا يتماشى مع الواقع بالمقابل ينبغي عدم جعل الرياضة اداة بيد اي نظام سياسي هناك باستمرار تداخل بين الرياضة والسياسة لان للرياضة علاقة بالحياة وكل ما له علاقة بالحياة له علاقة ايضاً بالسياسة وهناك انظمة فاشية ارادت استخدام الرياضة وقد رأينا هذا عام 1978 في الارجنتين عندما حاول الجنرالات الاستفادة من كأس العالم لصالح نظامهم وذلك ان جميع الاذاعات والتلفزيونات ووسائل الاعلام الاخرى تكون موجهة نحو كأس العالم بالمقابل هناك انظمة دكتاتورية تحاول استخدام كرة القدم كتعبير عن انتصار سياسي وهذا ما فعله مثلاً الرئيس الكرواتي «تودجمان» عام 1998 ويمكن الحديث ايضاً ضمن نفس الاطار عن الرئيس النيجيري الراحل الجنرال «اباشا» الذي كان قد حاول ايضاً استغلال تأهل الفريق الوطني النيجيري لكرة القدم لمباريات كأس العالم عام 1998 لكنه توفي قبل بداية تلك المباريات، ويشكل الاهتمام الاعلامي الكبير سبباً آخر لاهتمام الانظمة برياضة شعبية مثل كرة القدم. ـ تتحدث في كتابك عن كرة القدم كوسيلة للتعبير عن الاحتجاج الجماهيري السياسي وتشير اليوم الى انه قد اصبحت هذه الرياضة شيئاً فشيئاً بمثابة اداة بيد الانظمة كيف جرى مثل هذا «الانزلاق»؟ ـ عندما يكون هناك نظام تسلطي او دكتاتوري فإنه يلجأ الى منع التجمعات والتظاهرات ولكن من الصعب عليه جداً ان يمنع مباريات كرة القدم، الحالة الاستثنائية في هذا الاطار تخص نظام طالبان السابق في افغانستان الذي نجح في ذلك. هكذا عندما يجتمع الناس في مدرجات الملاعب قد يرددون بعض الشعارات هكذا مثلاً وفي ظل نظام فرانكو في اسبانيا كان مكان الاحتجاج الوحيد المتاح هو ملاعب كرة القدم حيث كان اهل «كاتالونيا» يرددون الشعارات المعادية لفرانكو في سياق تشجيعهم برشلونة ولنأخذ مثلاً ايضاً ايران حيث نجد انه بمناسبة تأهيل الفريق الوطني الايراني لخوض مباريات كأس العالم لكرة القدم عام 1998 شملت التظاهرات الشباب والنساء ودون ان تستطيع الحكومة منع ذلك. ـ لدي سؤال رياضي بحت تقريباً، نعلم ان كرة القدم الحديثة قد تأسست في انجلترا فلماذا تم تنظيم اول كأس لبطولة العالم في هذه اللعبة بالاورغواي عام 1930؟ ـ لان بريطانيا كانت تعيش نوعاً من العزلة ولأنها كانت تعتبر نفسها ايضاً في مستوى ارقى من الآخرين فلذلك لم تكن تريد الدخول بمنافسة معهم ولذلك شاركت للمرة الاولى عام 1950 وكانت هزيمتها امام الفريق الاميركي مما بدا بمثابة «عار كبير» بالنسبة للفريق الانجليزي وكانت الاورغواي قد نظمت الالعاب الاولمبية وفي هذا السياق اهتمت بكرة القدم وبدا طبيعياً ان تقوم بتنظيم كأس العالم لكرة القدم وكانت هناك اربعة فرق اوروبية فقط سافر لاعبوها على ظهر السفينة نفسها كانت تلك هي البداية وقد تطورت الامور كثيراً بعد ذلك. ـ تتحدث طويلاً في كتابك عن كرة القدم كأحد اكثر ظواهر العولمة بروزاً، سؤالي هذه المرة ليس رياضياً وانما اوجهه لك بوصفك باحثاً استراتيجياً بل وأحد اهم الباحثين الاستراتيجيين كما اعتقد شخصياً وسؤالي هو استراتيجي بشكل ما.. كيف ترى العولمة السائدة اليوم؟ ـ ان العولمة مثل كرة القدم ومثل اي شيء آخر ان نتائجها تتعلق بما يفعله البشر بها. ان التطور التقني الهائل اليوم يسمح للناس بالتواصل المباشر ما وراء البحار والمحيطات وهذا يسهل كثيراً التواصل والتبادل الثقافي وهذا شيء ايجابي بالفعل لكن اذا كانت مهمة العولمة هي زيادة ثروات مجموعات قليلة من الناس وتهميش الآخرين فهذا شيء آخر واذا كانت العولمة بمثابة مشروع جماعي ولخدمة الجميع فإنها يمكن ان ترفع من كفاءة كل الاطراف المكونة لها وهذا مظهر ايجابي آخر بالتأكيد. وهذا مثله مثل كرة القدم اذا عنت فقط العنف والحقد على الآخر فهي امر سيء لكن اذا عنت بالمقابل تعلم وجود الآخر وتعلم الاخوة واكتشاف بلدان لا نعرفها فمثلاً اذا حدث وقد حدث وسافرت الى الخليج فإن الحديث سيكون اولاً بالأغلب حول الرياضة قبل ان يكون حول السياسة والجيوسياسة هكذا يمكن لكرة القدم ان تكون وسيلة للتعارف والتواصل. ـ كرة القدم والعالم الثالث... هناك رأيان.. احدهما يقول بأنها مصدر لـ «التعبئة» ولتأكيد السيادة ويرى بها آخر انها بمثابة «افيون» للشعوب.. ماذا يقول باسكال بونيفاس؟ ـ لاشك بأن عدداً من المثقفين، وخاصة المثقفين اليساريين قد ساهموا في «احتقار» لعبة كرة القدم واكدوا بأن الاهتمام الكبير بكرة القدم في وسائل الاعلام وخاصة التلفزة انما يؤدي الى استبعاد المواضيع الكبرى مثل القضايا السياسية الكبرى كالشرق الاوسط وغيره او مثل الازمات الاقتصادية. هذه قضية زائفة اذ ان عدم الحديث عن كرة القدم لا يعني واقعياً الاهتمام اكثر بغيرها. ان كرة القدم هي رياضة، واحتقار كرة القدم يتضمن على بعد مزدوج اذ انه احتقار للفرح الشعبي للفرح الغريزي لدى الناس ثم انه تعبير عن نزعة نخبوية تحتقر عامة الناس الذين يبدون وكأنهم مجرد رعاع. ـ في كتابك فصل يحمل عنوان «كرة القدم وأوروبا» هل تتمنى ان ترى ذات يوم تحقق فريق موحد اوروبي قوي لكرة القدم رغم ما يمكن ان يحمل هذا من آثار بالنسبة للهوية الوطنية كما تشير في كتابك ايضاً؟ ـ اتأمل ألا يتحقق هذا في اي يوم من الايام.. لدينا الآن عملة اوروبية موحدة واعتقد ان هذا الاكثر ضرورة اذ ان غياب العملة الموحدة في مواجهة الدولار لابد وان يكون له اثاره السيئة على اقتصاداتنا. ان كرة القدم وحدها وبين الظواهر النادرة قد تعززت والبطولة الاوروبية لكرة القدم توضح وجود فرق بين الفريق الالماني والفريق الفرنسي ويبدو نفس الفرق ايضاً على صعيد الفرق الرياضية المختلفة لكرة القدم في مختلف البلدان الاوروبية وحتى لو كان بعض اللاعبين الفرنسيين يشاركون مع الفرق الاخرى حسبما تتيح لهم الفرصة ولكنهم يبقون في اطار الفريق الوطني الفرنسي. بنفس الوقت احد اهم العناصر واقواها في مجال الهوية وفي بلاد الخليج مثلاً هناك مجلس التعاون الخليجي وحيث يتم التعاون على مختلف الاصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية ولكن لكل بلد من البلدان فريقه الوطني لكرة القدم. ـ ان وجود لاعبين فرنسيين في فرق اوروبية اخرى في ايطاليا او اسبانيا او انجلترا يقودني الى طرح سؤال حول العلاقة بين كرة القدم والبزنس هذه العلاقة التي توليها اهمية كبيرة في كتابك انك تؤكد كثيراً ايضاً على وجود مثل هذه العلاقة فما العمل؟ ـ الاجابة السريعة والحاسمة هي ضرورة التنظيم والضبط ان الكثير من الليبرالية في ميدان كرة القدم تقتل كرة القدم ولا ينبغي بأي حال من الاحوال ان تتغلب المعايير المالية على المعايير الرياضية في ميدان كرة القدم لذلك ينبغي ايجاد الآليات الضرورية لمنع تطبيق قوانين السوق وحدها في المجالات الرياضية كما ان عمليات اختيار اللاعبين ينبغي ان تتم على اسس رياضية ايضاً. ان الليبرالية في كرة القدم تقتل كرة القدم وذلك لانه يصبح من السهل معرفة النتائج مسبقاً وذلك تبعاً لـ «ميزانية» النوادي. هناك انحراف اخر اراه بوصفي مديراً لنادي للشبيبة في فرنسا وهو انه يتم في كثير من الاحيان دفع اللاعبين الناشئين بأنهم قد يصبحون ذات يوم لاعبين محترفين كبار هذا في الوقت الذي ينبغي ان يمارس فيه هؤلاء الشباب الصغار رياضتهم المفضلة من اجل ان يلعبوا وليس من اجل ان «يشتروا» منزلاً لأهلهم او من اجل ان يملأوا جيوب متعهديهم بالمال. وانحراف آخر مصدره المال ايضاً ويتمثل في عملية السلب التي تجري حول استقدام اللاعبين الاجانب هناك لاعبون افارقة عديدون يلعبون في النوادي الفرنسية؟ هذا امر ممتاز لكن لا ينبغي بأي حال من الاحوال جلب الناشئين الافارقة وتركهم عرضة للحاجة والعوز واحياناً كثيرة بدون اوراق اقامة رسمية واحياناً ايضاً بعد ان يكون متعهدوهم قد جمعوا اموالاً كثيرة باسمهم. ـ سؤالي الاخير زين الدين زيدان «زيزو» والذي عبر عن اصابته التي منعته من الاشتراك في المباراتين الاولى والثانية لبطولة كأس العالم بالقول: «ان ساق زيدان تؤلمه ففرنسا تمشي عرجاء» الى ماذا يرمز زيدان؟ ـ عام 1998 وبعد الفوز على البرازيل ردد الكثيرون زيدان رئيساً للجمهورية لكن في الواقع لا ينبغي التقليل او التضخيم ان زيدان مثل بلاتيني ومثل كوبا قبله اثبتوا بأن ابناء المهاجرين يمكن ان يبرزوا وبهذا المعنى يشكل «زيدان اليوم واجهة» المهاجرين مع ذلك ينبغي عدم الاعتقاد بأنه لا يوجد عنصريين في فرنسا هناك فرنسيون كثيرون لا يحبون العرب ولكنهم يستثنون زيدان. ان وجود امثال زيدان يشكل حجة قوية من اجل النضال ضد العنصرية لكن هذا لا يحل جميع مشاكل العنصرية بالطبع.. للأسف باريس ـ محمد مخلوف