بيان الكتب: باسكال بونيفاس مؤلف هذا الكتاب هو مدير ومؤسس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس، وهذا المعهد هو أهم مراكز البحث في أوروبا كلها، كما يعمل المؤلف استاذا للاستراتيجيات والعلاقات الدولية. سبق ونشر حوالي ثلاثين كتاباً من بينها «العلاقات بين الغرب والشرق» (1945 ـ 1991) و«العلاقات الدولية منذ عام 1945» و«حروب الغد»... الخ. كما أشرف على انجاز عدد من الأعمال الجماعية من من بينها «جيوسياسة كرة القدم» و«دروس 11 سبتمبر».. الكتب الثلاثة الأخيرة قدمها «بيان الكتب» لقرائه. في هذا الكتاب «الأرض مستديرة مثل كرة القدم» يعود باسكال بونيفاس الى موضوع الكتاب الجماعي المشار له أعلاه «جيوسياسة كرة القدم» والذي كان قد صدر بمناسبة كأس العالم السابق لكرة القدم عام 1998، أحدث الكتاب ضجة كبيرة عند صدوره، وها هو المؤلف يعود من جديد ومن موقع المفكر الاستراتيجي للبحث في ظاهرة كرة القدم. انه يتساءل: هل يوجد ظاهرة أخرى أكثر عالمية من كرة القدم؟ ولعل الاحصائيات التي يقدمها عن كأس العالم لعام 1998 تقدم مؤشرات أساسية للاجابة إذ بلغ مجموع الذين شاهدوا المباريات آنذاك حوالي 40 مليون مشاهد. كما ان كرة القدم وفيما هو أبعد من الرهانات الرياضية وما تثيره من انفعالات وعواطف شعبية، تحتوي على رهانات يصل تأثيرها الى آليات تسيير أمور العالم نفسه. «إن الشمس لا تغيب أبدا عن امبراطورية كرة القدم» يقول باسكال يونيفاس ويضيف: «ان لعملية تشكيل الفرق الرياضية وتنظيم المباريات عواقبها على صورة الأمم وعلى السياسة الدولية وعلى مشاكل السلام والحرب وعلى الهويات الوطنية ذاتها». وبهذا المعنى تتعدى كرة القدم حدود الممارسة الرياضية لكي تكون في أغلب الاحيان مؤشرا على التطور الجيوسياسي لهذا البلد أو ذاك. إن باسكال يونيفاس يناقش هذه القضايا بأكملها ويحاول ان يكشف عن الروابط القائمة بين «ادارة شئون العالم» وبين «كرة القدم». وهو يبحث في الجزء الأخير من هذا الكتاب «نمط الروابط» القائمة بين كل بلد من البلدان الاثنين والثلاثين المشاركة في بطولة كأس العالم لكرة القدم في كوريا واليابان لعام 2002 وبين خياراته الجيوسياسية. ويركز باسكال بونيفاس على تقديم الصورة «المزدوجة» لكرة القدم إذ هي احيانا مناسبة للتعبير عن الاخاء الذي تخلقه اللحظة وعن «التواصل» الذي ما كان له ان يوجد بدونها.. لكنها تمثل احيانا بالمقابل مظاهر الحقد ضد الآخر. وإذا كان رصيد كرة القدم من العواطف والانفعالات كبيرا فإنها قد أصبحت بمثابة مصدر للكسب المادي «البزنس». ويرى مؤلف هذا الكتاب بأن كرة القدم قد فرضت نفسها حتى على النخب الثقافية في بلد مثل فرنسا اعتبارا من كأس العالم لعام 1998 والذي فازت به. بل ويؤكد انه منذ ذلك التاريخ أصبح العديد من المثقفين المرموقين يسعون للحصول على مقعد في مدارج ملاعب كرة القدم اثناء المباريات المهمة. وباعتبار ان هذا يمثل «امتيازا» بينما كانت النخب المثقفة تحديداً تنظر بكثير من «الاحتقار» لكرة القدم ولجمهورها من «الرعاع» وضمن هذا الاطار ايضاً يشير المؤلف الى الدور المهم الذي تلعبه ممارسة كرة القدم في تجاوز النزاعات والصرعات الاجتماعية، خاصة في أوساط الشبيبة، حيث تتم ممارسة اللعبة بروح جماعية «روح الفريق» وعلى أساس احترام الآخر.. وعبر هذا كله تساهم في تعزيز روح التضامن بين ابناء المجتمع. ان العولمة، حسب التعريف الشائع هي بمثابة «ربط الصلات بين مختلف اجزاء العالم بفضل تغيير مفهومي الزمان والمكان». ويقدم باسكال بونيفاس في البداية لمحة تاريخية عن تأسيس الفيدرالية الدولية لكرة القدم التي كانت قد رأت النور بتاريخ 21 مايو من عام 1904 بمشاركة سبعة بلدان فقط هي: فرنسا، بلجيكا، هولندا، اسبانيا، السويد، الدنمارك وسويسرا. ولم تكن انجلترا رغم انها «المهد الأول» لكرة القدم في عداد المشاركين بهذه الفيدرالية. وتجدر الاشارة هنا الى ان الفيدرالية الدولية لكرة القدم تضم 203 أعضاء بينما لا يبلغ عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة سوى 192 عضواً. كذلك نجحت الفيدرالية فيما اخفقت فيه المنظمة الدولية. هكذا مثلا تم قبول فلسطين في الفيدرالية الدولية لكرة القدم بينما لم يتم قبولها حتى الآن كدولة في منظمة الأمم المتحدة، كما يشير باسكال بونيفاس ثم يضيف «مهما خبأ المستقبل لهذه المنطقة من العالم ومهما كان مستقبل الاراضي المحتلة، فإن الفريق الوطني لفلسطين قد رأى النور قبل الدولة الفلسطينية». وبكل الحالات يبدو ان تأسيس فرق لكرة القدم بمثابة «خطوة» في طريق مطالبة الاطراف المعنية بها بالاستقلال عن «السلطات المركزية». وإذ كانت كالدونيا الجديدة أو التيبت تطمحان في اكتساب عضوية الفيدرالية الدولية لكرة القدم فإنما تنظران الى ذلك وكأنه «درجة أولى» باتجاه عضوية منظمة الأمم المتحدة كدولة مستقلة. ثم ان هذه «الدرجة الأولى» من السهولة بمكان بلوغها لأنها لا تحمل في مضمونها «مبدئياً» سوى شحنة سياسية ودبلوماسية متواضعة. وتشكل كل من سكوتلندا وبلاد الغال وايرلندا وانجلترا حالة خاصة من حيث انها تشكل بمجموعها «المملكة المتحدة» على الصعيد السياسي، لكنها تمارس كل منها لعبة كرة القدم منفصلة. وفي عام 2000 (ديسمبر) عندما أعلن وزير الداخلية البريطاني عن فكرة دمج الفرق الأربعة في فريق «وطني» بريطاني واحد يحقق نتائج مهمة على الصعيد العالمي أثار ذلك عاصفة حقيقية، وحيث بدا ان كل أمة حريصة جداً على الاحتفاظ بفريقها.. الى درجة دفعت صحيفة «الغارديان» المعروفة برصانتها الى ان تكتب بأن ذلك الاقتراح العبثي لا يمكن ان يصدر سوى عن انسان فقد عقله وعاش نصف حياته في كوكب المريخ أو في غابات الامازون. وإذا كان قد تم الشروع بتنظيم بطولات كأس العالم لكرة القدم اعتباراً من عام 1930 فلاشك ان هذه الظاهرة لم تصبح عالمية إلا منذ فترة بسيطة. وقد شاركت في البطولة الاولى بـ «الاورغواي» ثلاث عشرة دولة من بينها أربع دول اوروبية وبعد رحلة طويلة بالسفن، واذا كانت الاخبار (النتائج) تحتاج لزمن طويل سابقاً فإن العالم أصبح يعيش الآن المباريات مباشرة مثل الذين يتفرجون من مدرجات الملاعب. لقد تجاوزت ظاهرة كرة القدم بأبعادها الكونية «يونيفرسال» الخلافات القومية والعرقية والدينية والاجتماعية. ولعل سر تفوقها يكمن كما يشير باسكال بونيفاس في بساطتها وامكانية ممارستها في أمكنة مختلفة تتراوح من «الشوارع» وحتى الملاعب ذات الابعاد الرسمية. ولاشك بأن جماعية اللعبة تجعلها «رهانا» جماعياً ايضا سرعان ما أصبح رهاناً «وطنيا». وكانت كرة القدم قد بدأت «غزو العالم» عبر البحار والمحيطات حيث كان التجار الانجليز خاصة في البداية يمارسون اللعبة بالساحات القريبة من أماكن رسو سفنهم، ومن هنا نلاحظ بأن فرق كرة القدم الأولى قد شهدتها بعض الموانيء مثل «الهافر» في فرنسا و«جنوة» في ايطاليا و«برشلونة» في اسبانيا و«هامبورغ» في المانيا... الخ. ثم ساهمت شبكات الخطوط الحديدية بنقلها، أي لعبة كرة القدم، الى «داخل» بلدان عديدة بواسطة المهندسين والتقنيين الذين باتوا مكلفين ببناء تلك الشبكات. كما ساهم المستوطنون الانجليز وغيرهم من الاوروبية بنقلها الى العديد من مناطق آسيا وافريقيا التي استعمروها. وبكل الحالات لاشك ان التلفزيون هو الذي «أكمل اجتياح كرة القدم للعالم بأسره». ويرى باسكال بونيفاس بأن لـ «العولمة» وجهين أساسيين، إذ يجدها البعض وسيلة لنقل قيمهم ونموذجهم المجتمعي للعالم كله بينما يعتقد الآخرون بأنها تمثل غزواً «حقيقياً» تقوم به الشركات متعددة الجنسيات والتي لا هم لها سوى تحقيق أكبر المكاسب المادية الممكنة بعيداً عن أية قيم انسانية. ان مثل هذه الثنائية موجودة ايضا فيم ميدان كرة القدم. يقول «سيرجيو كرانيوتي» رئيس نادي «لازيو دو روما» بهذا الصددد «ان كرة القدم هي الظاهرة الاكثر عالمية في عصر العولمة وانتصار أوقات الفراغ. فأية سلعة اخرى في العالم يشتريها ثلاثة مليارات من المستهلكين؟ إن كوكاكولا نفسها لا تحظى بمثل هذا. ثم ان اقتصاد الكرة وجمهورها في اتساع ويمكن لسوقها ان يطال خمسة مليارات عبر دخولها لأسواق جديدة في الشرق والولايات المتحدة. وقد كنت أول من أدخل كرة القدم الى البورصة لأن مهنتي هي ان أضع الاشياء بقيمها الحقيقية». لكن للكرة، كرة القدم، علاقة ايضاً بالهوية الوطنية، وهذا في سياق تعاني منه الدول ـ الأمم من أزمة هوية في ظل العولمة.. ومن هنا تشكل كرة القدم احدى الظواهر التي تسمح على الاصعدة الوطنية بخلق أو باعادة خلق نقاط ارتكاز لم تعد مجودة أو انها قد زالت. بل لا يتردد باسكال بونيفاس في القول بأن تعريف الدولة لم يعد يعتمد على وجود «العناصر التقليدية» الثلاثة المتمثلة بوجود أرض وسكان وحكومة وإنما «يبدو انه ينبغي ان يضاف لها عنصر رابع يتمثل في وجود فريق وطني لكرة القدم». هذا لاسيما وانه من السهولة بمكان جمع السكان وتعبئتهم حول تشجيع فريقهم «الوطني» مما هو جمعهم حول ضرورة ان تكون دولتهم ـ لاسيما الدول الغنية ـ عضوا في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبهذا المعنى تصبح كرة القدم بمثابة عامل مهم في صيانة «السيادة الوطنية». ويثير باسكال بونيفاس بهذا السياق الى ان المباراة الرياضية التي تنافس فيها فريقا دينامو زغرب لكرة القدم وفريق النجم الأحمر «ليننجراد» يوم 13 مارس 1990 بدت بنظر الكثيرين بمثابة علامات التفسخ الأولي في الفيدرالية اليوغسلافية، وحيث ان صدامات كبيرة جرت بين مشجعي الفريقين من الكرواتيين والصربيين. بل وكان مشجعو الفريق الكرواتي رددوا منذ نهاية عام 1989 اثناء احدى المباريات شعاراً قالوا فيه: سلوبودان ـ أي الزعيم اليوغسلافي آنذاك ـ لن تفلت من السكين. وانتهى الأمر، وبناء على طلب الرئيس الكرواتي «تودجمان» الى تغيير اسم فريق «دينامو» زغرب لكرة القدم كي يأخذ اسم «كرواتيا». وضمن السياق نفسه اعتبر العديد من النقاد بأن المباراة التي جرت بتاريخ 5 سبتمبر 1998 بين روسيا وأوكرانيا بمثابة مباراة القرن وهي التي فازت أوكرانيا فيها بثلاثة أهداف مقابل هدفين، الأمر الذي دفع أحد مسئولي الفيدرالية الأوكرانية لكرة القدم الى القول «عبر كرة القدم يمكن لبلاد فتية مثل بلادنا ان تكبر. ولاشك بأن الشعور الوطني يلعب دوراً كبيراً في انتصارنا». وتحت عنوان «أوروبا وكرة القدم» يشرح مؤلف هذا الكتاب، كيف ان مسيرة البناء الأوروبي الموحد تشكل بالوقت نفسه عامل قوة في منظور قيام فريق كرة قدم موحد، ولكنها ايضا تثير القلق في مواجهة مخاطر فقدان «نقاط ارتكاز الهوية» وإذا كان الاوروبيون يطمحون الى بناء اوروبا الموحدة باعتبارها ضرورة استراتيجية لمنع قيام الحروب وضرورة سياسية لتأكيد القيم المشتركة وضرورة اقتصادية، لتأمين قدرة التنافس... الخ، إلا انهم يخشون أن تؤدي الى «الانحسار الاجتماعي» والى «تدمير الهويات الوطنية» التي تتشبث بها الشعوب. ويبدو ان باسكال يونيفاس يميل بشكل واضح في هذا الاطار الى ضرورة المحافظة على تعايش مختلف الهويات، بحيث انه يمكن للمرء ان ينتمي الى منطقة والى دولة والى أوروبا. الفصل الاخير من هذا الكتاب يحمل عنوان «كرة القدم بين السوق والديمقراطية والأمة». النقطة الأولى التي يؤكدها المؤلف بهذا الصدد تتمثل في القول ان «سيطرة المال على كرة القدم تعود بالدرجة الأولى الى قدرة الجذب الهائلة التي تمارسها على عامة الناس».. أي بتعبير آخر على المستهلكين «احتمالاً». وإذا كان المشاهدون يبحثون عن «عيش الانفعالات القوية» حتى آخر لحظة من المباريات، فإن مثل هذا البحث قد يصبح بدون جدوى إذ كانت النتائج معروفة مسبقاً وذلك «تبعاً لميزانيات الأندية الرياضية» التي تؤثر بهذا القدر أو ذاك على هذه النتائج... ثم ان دفع مثل هذا المنطق القائم على أساس السوق والمردودية أكثر قد يؤدي إلى فقدان كرة القدم لـ «المردودية» لأنها قد تفقد «جذبها» لجمهور المشاهدين. إن مجموعة من الاحصائيات التي يقدمها المؤلف تذهب في هذا الاتجاه. الكتاب: الأرض مستديرة مثل كرة القدم جيوسياسة كرة القدم تأليف: باسكال بونيفاس الناشر: سويل ـ باريس 2002 الصفحات: 204 صفحات من القطع المتوسط La Terre est Ronde Comme un Ballon Geopolitique du Football Pascal Boniface Seuil - Paris 2002 p. 204