خلال مونديال فرنسا 1998 عرضنا كتاباً بعنوان «جيو سياسية كرة القدم» للكاتب الاستراتيجي باسكال بونيفاس، وحقق الكتاب حينها رواجاً كبيراً في الاوساط العامة باعتباره يبحث في كرة القدم ليس من خلال الملعب ولكن من خلال غرف السياسة، حيث ان هذه اللعبة باتت تشكل نموذجاً لتفاهم الشعوب ولاختلافها ايضاً. واليوم نعرض كتاباً آخر للمؤلف نفسه بعنوان «الارض مستديرة مثل كرة القدم» وفيه كما في سابقه قراءة لخلفيات هذه اللعبة التي تمثل هدفاً في الحياة لدى بعض الامم وتمثل لدى أمم أخرى مفخرة وطنية، في حين يمكن اعتبارها في بلد كالبرازيل ثروة قومية. ان كتاب «الارض مستديرة مثل كرة القدم» لا يعد كتاباً موسمياً يقرأ خلال هذا المونديال، انه كتاب عام يحلل الظاهرة وافرازاتها ويحيل كثيراً من نتائجها الى اسباب اجتماعية وجغرافية او اقتصادية، وهذا ما يقود في النهاية الى القول ان العولمة تتمثل ابرز مظاهرها في انخراط الناس بفعل واحد وانصباب همهم على مشاهدة او تشجيع هذه اللعبة، ولا يفوت المرء وهو يشاهد خسارة احد الفرق ان يقول ان اللعب النظيف والتنافس الشريف كانا سيدا الميدان وهذا لا يحصل في السياسة او في مواقع مشابهة لان السياسة تقوم على تدابير مختلفة واقل نبلاً من الرياضة، كما ان الناس «الشعوب والامم» تُجمع على الشخصيات الرياضية وتقتدي بها وهو مالا يحدث في السياسة. يشير بونيفاس في مقابلته التي اجراها الزميل د. محمد مخلوف في باريس الى ان المثقف كان ضد الاهتمام الاعلامي الكبير الذي يعطي لكرة القدم لانها تخطف الاضواء عن القضايا الكبرى التي هي اساس عمل الاعلام لان الكرة موسمية ولا تحدد مصائر البشر في حين ان القضايا الاقتصادية او الاجتماعية او السياسية تلعب دوراً كبيراً في تبديل مصائر الشعوب ويجب على الاعلام ان يعطيها النصيب الاكبر من الوقت، وكان هذا الموقف شأناً يسارياً برز مع بروز المفاهيم الماركسية التي قسمت شئون الحياة الى ناتج رأسمالي وآخر اشتراكي، وكان الرد المقابل لهذا التقسيم هو اتهام اليسار المثقف بانه يقف ضد الفرح الشعبي وضد طروحاته الكبرى التي تتحدث عن العدالة والسعادة والمساواة، واذا انتهت هذه الطروحات اليوم مع نهاية الحرب الباردة الا ان دولاً كثيرة اشتراكية سابقاً كانت تمتلك اقوى الفرق في ميدان اللعبة العالمي والمثال الابرز هو الفريق الروسي «السوفييتي سابقاً» والفريق الروماني الذي ترك بصمات كبيرة في ميدان هذه اللعبة. كما ان فرقاً اخرى من دول العالم الثالث استطاعت رغم فقرها ومشكلاتها الكثيرة ان تحقق في كرة القدم ما لم تحققه على صعيد التنمية «الاروغواي صاحبة اول مونديال وغيرها من دول القارة اللاتينية» وفي المحصلة لن تكون هذه اللعبة الجماهيرية الا فرحاً شعبياً تسعى اليه جميع أمم الارض. ولهذا نقول ختاماً ان كتاب «الارض مستديرة مثل كرة القدم» يستحق وقفة اطول واوسع ولكن عبر ترجمته الى اللغة العربية.. ونحن بالانتظار. حسين درويش