تتوزع اهتمامات الفنانة المصرية سميرة عبدالعزيز بين التمثيل للمسرح والتلفزيون والسينما في آن واحد، فقد بلغ رصيدها اكثر من اربعين مسلسلا تلفزيونيا وخمسة وعشرين عملا مسرحيا وسبعة افلام سينمائية ، وربما تكون مسرحية (وطني عكا) هي البداية الحقيقية لانطلاقها كفنانة جادة تسعى بشكل محموم لان تشق طريقها الابداعية على الرغم من بعض المعوقات والمصدات التي تعترض طريق اي فنان مبدع يجد نفسه من دون ان يدري محاطا بأضواء الشهرة والانتشار ولكنها تعتقد ان مسلسل (ضمير ابلة حكمت) هو الذي وضع خطواتها على طريق الشهرة الفنية ومع ذلك فهي لاتهمل مسلسلاتها المهمة الاخرى مثل (عندما يختنق الحب)، (الكتابة على لحم يحترق)، (ليلة سقوط غرناطة) و(الفرسان يخمدون سيوفهم) او أفلامها المعروفة (من اجل اولادي)، (اعدام قاضي)، (امرأة تحت المراقبة) و(ازمة الدكتور شفيق) وسواها من الافلام غير ان مسلسل (ام كلثوم) يعد علامة فارقة في مجمل حياتها الفنية، لانه المسلسل الذي استطاع ان ينفذ الى افئدة الناس بجدارة قل نظيرها وبمناسبة اشتراكها في مهرجان الفيلم العربي الثاني في روتردام التقيناها وكان لنا معها هذا الحوار: ـ كيف تنظرين الى مسرحيتي (صلاح الدين) و(وطني عكا) الآن وهل تعتقدين ان زمن المسرحيات التي تتناول القضية الفلسطينية قد تلاشى الآن بعد ان اشبع هذا الموضوع تمثيلا وبحثا ودراسة؟ ـ كلا لم تشبع هذه القضية تمثيلا ولم تحتل في الفن مكانة كبيرة كما تستحق ولكن لا اعرف هل هو قصور؟ هل هو يأس؟ ام هو شيء آخر لا ادركه بالضبط؟ انا حالفني الحظ عندما عملت في مسرحيتي (صلاح الدين) و(ووطني عكا) لقد اثارت مسرحية (وطني عكا) جدلا سياسيا كبيرا لانها كانت تدعو الى المقاومة والحرب بينما كان هناك اتجاه سياسي يدعو للسلام اما مسرحية (صلاح الدين) فقد عُملت لاننا كنا نعاني من ازمات شديدة وكان الامل معقودا في ان يأتي صلاح الدين آخر، انا اعتقد ان الفن مقصر في حق القضية الفلسطينية وهذه القضية مليئة بالمواقف الدرامية الكثيرة التي لايستوعبها عشرات الاعمال المسرحية لا اعرف ماهو السبب الذي يكمن وراء هذا القصور؟ هل لان القضية لم تحسم بعد؟ ام لانها اكبر من ان تعالج بالفن؟ نحن نركز على الامسيات الشعرية او الندوات الفكرية التي تتكلم عن القضية الفلسطينية محفوظ عبدالرحمن عالج القضية الفلسطينية بشكل غير مباشر في مسلسلاته اذ طرح قضية الحرية واستعمار الفرد للفرد الآخر او دولة لدولة اخرى اما بصورة مباشرة فلم يعالجها لحد الآن. ـ في مسلسل (ام كلثوم) كان دورك فاعلا ومؤثرا كيف تتعاطين مع الادوار الثانوية كما يطلق عليها هل تعتقدين ان هناك ادوارا ثانوية؟ ـ انا شخصيا لا ارى ان هناك ادوارا رئيسية واخرى ثانوية في العمل الواحد ان عقلية الكاتب هي التي تخلق دورا مهما وآخر هامشيا وعندما ارى دورا هامشيا لايضيف شيئا للعمل الفني ارفضه في حين قد ارى دورا ليس كبيرا وربما لايمتد في كل الحلقات ولكنه مؤثر وله اهمية في العمل الفني اؤديه بغض النظر عن كونه دورا رئيسيا او ثانويا انا انظر الى العمل الفني بوصفه عملا جماعيا ينبغي ان ينسجم الجميع في تأدية ادوراه وان يكون الكل صادقا ومخلصا وفي امكنتهم الصحيحة اما اذا كان العمل يعتمد على نجم واحد واشخاص ثانويين لم يتم انتقاؤهم بعناية ولا يؤدون ادوارهم بشكل صحيح فإنه سيفشل حتما لانه يفتقر الى روح الانسجام والعمل الجماعي الذي يشد بعضه البعض انا مثل الاوروبيين لا اتطلع الى الادوار الكبيرة والادوار الصغيرة. ـ لو تعرجين قليلا على دور (ام كلثوم) الذي قمت بتأديته جيدا ما سر تألقك في الدور تحيدا؟ ـ دور ام كلثوم كان مهما جدا فالحلقات الخمس الاولى كانت قائمة على اكتاف الاب والام لان ام كلثوم كانت طفلة آنذاك ،دور الام في حياة ام كلثوم كان مهما للغاية انا سمعت ذات مرة عندما كانت ام كلثوم تروي قصة حياتها في مسلسل اذاعي كانت تؤكد على ان أمها قد اثرت تأثيرا كبيرا عليها وكانت شيئا مهما في حياتها اذ كانت تلجأ اليها في كل الامور، تستشيرها تارة وتستأنس برأيها تارة اخرى عندما بلغت بشكل رسمي بأنني سألعب دور ام (ام كلثوم) احسست بالفخر وفرحت جدا لذلك اجتهدت كثيرا من أجل ان اعرف كل مواصفاتها الشخصية، وكل تفاصيلها الخاصة كنت اسأل من الذي ست فاطمة ؟ وبقيت اسأل حتى توصلت الى السيدة احسان التي كانت تعتبر امينة سرها الست احسان عاشرات ام (ام كلثوم) اربعين سنة: ذهبت الى الست احسان وجلست معها مرات كثيرة مستفسرة ماذا كانت تلبس الست فاطمة؟ وكيف كانت تتكلم؟ وكيف تتعامل مع ابنتها؟ فعرفت منها سلوك الست فاطمة وطريقة تفكيرها اردت ان اظهر للجمهور اما صادقة قوية، مؤثرة ومقنعة نجحت في هذا الرهان وبعد حلقة او حلقتين قوبلت بصدى هذا المسلسل الناجح فحتى احفاد ام كلثوم اولاد بنت بنتها وابن اختها تكلموا معي بالتلفيون وقالوا لي بالحرف الواحد (ازايك يا ست فاطمة) اغلب الاصدقاء والمعجبين الذين شاهدوني في المسلسل كانوا ينادونني بـ (الست فاطمة) ام كلثوم كانت نفسها تقول عن امي كانت بمنتهى الحنان والرقة في تعاملها معي كانت اما ذكية تفهمني من دون ان افتح فمي لقد تقمصت الدور الى الحد الذي كنت اشعر انني ام (ام كلثوم) فعلا. ـ الا تعتقدين بأن السينما المصرية تركز كثيرا على الوجوه الشابة ومشكلاتها الحياتية الا يؤرق هذا الموضوع النساء خارج هذه السن؟ والا يعد هذا التركيز قصورا بحد ذاته؟ ـ هذا ما يؤلمني كثيرا لان الحياة ليس فيها مشاكل الشاب والشابة فقط ولكن مشاكل الحياة الاجتماعية للسيدة الناضجة والام والمرأة العجوز ولكن مثلما قال يحيى الفخراني ان السينما تجارة تعتمد على الشباك، وعلى الكسب المادي وهذا الكسب المادي لا يأتي من خلال ست ناضجة فارقها الجمال، او فارقتها الانوثة الى حد ما لهذا تتمحور اعمال المخرجين على الفتى والفتاة كما لو ان الدنيا كلها ليس فيها غير الشاب والشابة طبعا هذا تقصير كبير سببه الكتاب الذين يكتبون للسينما او للتلفزيون هذه الفتاة التي يركز عليها لها ام ايضا واذا كانت امها غير جيدة او مقصرة فلماذا لا يكتبون عن هذا التقصير حتى تتعظ الامهات الاخريات انت شاهدت اغلب افلام مهرجان روتردام اين هو دور الام في هذه الافلام الروائية؟ في اكثر من عشرين فيلما لم نر دور الام الا في ثلاثة او اربعة مشاهد غير مؤثرة بحيث لو رفعتها من هذه الافلام لا شيء يتغير السينما تحترم دور الام لذلك تركز عليه كثيرا بينما الام في افلامنا العربية اما ان تكون مريضة او ان يكون دورها مقتصرا على فتح الباب في ساعة متأخرة من الليل كي تقول لابنتها: (انت كنت فين لحد دلوقت؟ فترد عليها: كنت عند صاحبي؟ او تقول لها: تعشيتي؟ طب خشي نامي) اي ام تلك التي تأتي بنتها في الساعة الثالثة فجرا وتكتفي بقول هذا الكلام الفج الذي لايمت للواقع بصلة؟ او ان يكون دور المرأة هو ان تساعد الرجل في ارتداء او خلع بدلته وهي لاتتمتع بأية شخصية كأن لا وجود لها على الاطلاق المرأة في الواقع مثقفة ومتعلمة وتتحمل مسئوليات كبيرة. تربي أبناءها، وتدير كل مسئوليات البيت والعائلة. لماذا لا تكون كذلك في السينما او المسلسل الدرامي؟ هذا قصور كبير عندنا. لاحظ الأفلام الأجنبية أنهم يركزون على دور الجدة وليس الأم لوحدها لأنهم يشعرون بقيمة الأم والجدة معاً في الحياة الأسرية. ارجو أن يتعظ الكتاب والمخرجون العرب من الأفلام الأوروبية. ـ عبر رحلتك الفنية الطويلة ما هو الدور الذي غاص في أعماق الفنانة سميرة عبدالعزيز واستنطقها، وفجر دواخلها. وهل تحلمين بتأدية دور لم تلعبيه حتى الآن؟ ـ هناك أكثر من دور اثر علي تأثيراً شديداً وعشته كاملاً لمدة طويلة هو دور «أم كلثوم»، لكن هذا لا يمنع من ان هناك ادواراً اخرى تعايشت معها خاصة الادوار المسرحية، لأن هناك صلة حية بيني وبين الجمهور. كان دوري في مسرحية (وطني عكا) هو دور الفتاة الفلسطينية حيث اندمجت مع الدور الى درجة كدت انسى انني مصرية. كنت اشعر انني فتاة فلسطينية لا وطن لها تعيش في مخيم للاجئين. كنت يومياً ابكي على المسرح ولمدة اربعة شهور. المشاهدون كانوا متجاوبين معنا. الصالة كانت ملآنة، وكنت اشعر بأن الروح الوطنية تخيم على المكان. كان دوري من الادوار المهمة، وقد مثلته باخلاص شديد. ان اندماجي بهذا الدور كان غريباً بحيث كنت اسمع الناس في الصالة يقولون (انها بتعيط بجد)، الدور الثاني الذي اثر علي كثيراً هو في مسرحية (مخدة الكحل) بالمناسبة هذه المسرحية كانت تجريبية. وانا كما تعرف ميولي ضد المسرح التجريبي، لكن المخرج حاول ان يقنعني. قال لي تفرجي على البروفات واذا اعجبتك المسرحية اشتركي معنا، واذا لم تقتنعي بها فأنت حرة. عندما حضرت البروفات اكتشفت ان الممثلين شباب في عمر اولادي، لكنهم مندمجون في ادوارهم، ومنضبطون انضباطاً شديداً يختلف عن واقع الحال لمسرحنا المعاصر، اذ يحضر الممثل بروفة او بروفتون ويغيب عشر بروفات. هؤلاء الشباب متفرغون للفن، ويريدون ان يقدموا عملاً مسرحياً جيداً. فقبلت عرض المخرج بعد ان قدمت وجهة نظري بضرورة ان يكون العمل واضحاً بحيث عندما يخرج المشاهد من العرض لا يتساءل قائلاً: ماذا يريد هؤلاء الممثلون؟ ان هذا التساؤل يؤلمني جداً. اريد ان اقدم شيئاً لهذا المتفرج. لهذا اشتركت في كتابة الحوار. حذفت جملاً مبهمة، واضفت جملاً دالة واضحة، بل وصل الامر الى الحد الذي اضفت فيه مشهداً كاملاً من عندي من اجل ان يكون النص واضحاً ومفهوماً. فالغموض والابهام يضران بالنص. على اية حال كانت النتيجة أن اخذت هذه المسرحية الجائزة الاولى في كل المهرجانات. وسافرنا بها الى اغلب بلدان العالم. واستضيفت هذه المسرحية في طول البلاد وعرضها. كانت عملاً متفرداً لأنه جمع ما بين الكلاسيكية والوضوح والتقنية الحديثة المقرونة بالتجريب المأمون العواقب. اما بالنسبة للادوار التي لم اعثر عليها لحد الآن واتمنى أن ألعبها فهما في حقيقة الامر دوران، الأول هو دور بينيلوب الذي قرأته جيداً في الأدب اليوناني، وأتمنى ان ألعبه، أما الدور الثاني الذي أتمنى على محفوظ عبدالرحمن ان يكتبه لي على شكل سهرة تلفزيونية او عمل مونودرامي مسرحي عن ام تنتظر عودة اولادها من الاسر سواء أكانت هذه الأم فلسطينية او كويتية، هذه الرغبة تولدت لدي عندما زرت عدداً من الامهات في الكويت واكتشفت ان لديهن اولاداً اسرى في العراق. لا تتخيل الحسرة التي تأكلهن ليل نهار طوال اكثر من (11) سنة. الامهات معلقات بأمل ضعيف. في لبنان رأيت أمهات لديهن أولاد اسرى في السجون الاسرائيلية منذ زمن طويل. امرأة لبنانية لم تر أولادها الاسرى في السجون الاسرائيلية منذ (21) سنة. هي تقول انا كبرتهم في خيالي، ورسمت صورهم في ذهني وهم رجال. هذه المشاعر القوية المؤثرة أتمنى ان اجسدها ذات يوم في عمل فني. أي آلام تلك التي تتحملها هؤلاء الامهات انا لا اتخيل ان يغيب عني ابني كل هذه السنوات من دون ان افقد عقلي. الابن الذي يموت تتيقن من مصيره، أما ان تعيش منتظراً على أمل ان يعود فتلك الفجيعة بعينها. ـ مثلت في (40) مسلسلاً تلفزيونياً، و(25) عملاً مسرحياً، فضلاً عن برنامجك المعروف (قال الفيلسوف) الذي يذاع مرتين في اليوم، بينما ظل رصيدك في الافلام السينمائية والتلفزيونية ستة أفلام. ما سبب هذه الندرة؟ ـ أنا لا يمكن الآن ان ألعب دور فتاة بسبب السن. أما ادوار الأم الهامشية فلن اقبل بتأديتها لأنها لا تؤثر في سياق الفيلم سواء حذفت أم ظلت على حالها. أنا في البيت ست فعالة ومؤثرة فكيف أكون في السينما خلاف ذلك. الأفلام التي شاهدناها في المهرجان اين دور الأم المقنع فيها؟ في فيلم (أسرار البنات) رأينا كم كان دور الأم ضعيفاً وهزيلاً ومترهلاً، فقد ظهرت البنت حاملاً بسبب علاقة حب مع شاب دون ان تعرف الأم؟ أي أم هذه التي لا تعرف ان بنتها حبلى وهي أمامها ليل نهار؟ وأي مؤلف هذا الذي كتب الدور بهذه الطريقة غير المقنعة؟ أنا بنتي لو غيرت شعرة من شعر رأسها أعرف، فكيف لا أعرف انها حامل وهي في البيت معي على الدوام؟ ـ شاهدت اغلب افلام مهرجان روتردام الثاني ما هي الثيمات التي اعجبتك؟ وهل لفتت التقنيات انتباهك في بعض هذه الافلام؟ ـ على صعيد التقنيات كان هناك اكثر من فيلم يتميز بتقنية عالية جدا مثل الفيلم الجزائري «العالم الآخر» غير ان نقطة ضعفه هو الموضوع الذي ظل غامضا، لماذا ذهبوا الى تلك المنطقة الصحراوية البعيدة؟ او كيف ذهبوا الى هناك؟ ومن هم بالاساس؟ ومن هم الذين يضربونهم بالنار؟ الحكاية غامضة غموضا مفتعلاَ لكن التقنيات عالية جدا، فيلم «الساحر» فيه تقنيات حلوة جدا، ويتوفرعلى حكاية مقنعة كذلك فيلم «مواطن ومخبر وحرامي» يتميز بموضوع جميل لكن فيه حشو واطالة وكان بامكان المخرج ان يختصر منه بحدود عشرين دقيقة ليشذب الفيلم من ترهلاته، الفيلم الذي اعجبني جدا هو فيلم «لما حكيت مريم» اخراج اسد فولادكار فيلم رصين ومعبر وعالج الجنس بطريقة رقيقة جدا، وربط الجنس بالعدم بطريقة معقولة، وقد ادت الممثلة البارعة برناديت حديب دورها باتقان تحسد عليه حقا. ـ هل لك ان تتحدثي لنا باختصار عن برنامجك الاذاعي «قال الفيلسوف» الذي بدأته منذ ثلاثين سنة مضت؟ ـ في هذا البرنامج اقدم حدوتة فيها نصيحة أو ارشاد أو معلومة يسمعها الاطفال الاعزاء قبل ان يناموا احيانا انا اختار الحدوتة بنفسي، ولكن غالبا ما اعتمد على معد البرنامج لكنني اطلب منه ان ينوع المصادر تعميما للفائدة، احيانا اقدم قصصا عالمية واحيانا اقدم قصصا من التراث العربي او الاسلامي او من التراث المصري تحديداً، المهم في هذا البرنامج ان نفيد ونستفيد ايضا البرنامج يأخذ شكل حوار بين حكيم وتلميذة تسأله الحكمة والموعظة، تعرض عليه مشكلة ويبحث معها عن الحل، لقد نال هذا البرنامج الكثير من الجوائز في المسابقات الاذاعية. روتردام ـ عدنان حسين احمد