جراح سابق تمت ادانته ونفيه في جزيرة مهجورة على الساحل الكاريبي هو المنبوذ الذي بنيت عليه شخصية روبنسون كروزو. فوفقاً لبحوث جديدة ستنشر في مجلة اكسفورد الاكاديمية في أواخر العام الجاري فإن هنري بتمان الذي ألف كتيباً عن تجاربه كمنبوذ كان النموذج الرئيسي الذي اعتمد عليه دانييل ديفو في روايته الكلاسيكية التي تجري احداثها في القرن الثامن عشر والتي كانت بعنوان «حياة ومغامرات روبنسون كروزو المدهشة». وقد خلص تيم سيفيرين مؤلف كتاب الاسفار الى حقيقة ان بتمان هو مصدر الاستلهام الرئيسي لديفو بعد ان اكتشف بالصدفة دليلاً في المكتبة البريطانية يربط بين الرجلين. وكشف سيفيرن عن اكتشافه هذا في كتابه «البحث عن روبنسون كروزو» الذي نشر مؤخراً. وهذا النبأ سيثير حتماً صدمة للاسكوتلنديين الذين تربوا منذ الصغر على الاعتقاد بأن الكساندر سيلكيرك لابس جلد الماعز هو النموذج الذي اقتبست منه شخصية كروزو وصندوقه البحري المذكور عليه انه الرجل الذي بنيت عليه شخصية كروزو لايزال معروضاً في المتحف الملكي في أدنبرة. وحكاية سيلكيرك الذي عاش على جزيرة مهجورة تبعد مسافة 400 ميل غرب فالباريزو (تشيلي) لمدة اربعة أعوام وكان يعتمد في غذائه على لحم الماعز وجراد البحر، ربما يكون ديفو قد استوحى منها بعض الافكار اثناء كتابته لمغامرات كروزو لكن سيفيرين يجادل بأنه ليس كروزو الحقيقي. ومثل ديفو شارك بتمان في التمرد الفاشل لدوق مونموث في العام 1685 ضد الملك جيمس الثاني، ولكن بينما حصل المؤلف وتاجر الخمور الثري على عفو تم نقل بتمان كمتمرد مدان الى باربادوس حيث عاش في ظروف جبرية سيئة. وقام بتمان بمحاولة هرب جريئة مع ثمانية من المحكوم عليهم بالنفي في قارب صغير ليجد نفسه ملقى على ساحل جزيرة سولت تورتوجا المهجورة على مسافة من ساحل فينزويلا حيث عاش هناك في عزلة وأوضاع يتعذر معها الفرار. وقد نشر بتمان كتيباً من ثلاثين صفحة روى منها تجاربه في الجزيرة العجيبة للجراح هنري بتمان، وكان في العام 1689 قبل ثلاثين عاماً من كتابة ديفو لرواية روبنسون كروزو . ويشير سيفيرين لوجود العديد من أوجه التشابه بين تجارب وخبرات كروزو الوهمي وبتمان. فالجزيرتان اللتان عاشا فيهما موجودتان في الموقع الكاريبي ذاته وتشتركان في التضاريس الجغرافية نفسها وكلتاهما مسكونتان بالسلاحف. وكذلك فإن كلا الرجلين يؤمنان بمعتقدات دينية بيوريتانية متزمتة. وتشمل مذكرات بتمان ايضاً على رجل قبيلة هندي يدعى «مان فرايداي» انقذه بتمان وزميله في المنفى «جيرميا» من القراصنة وساعدهما هو على صيد السمك بالحربة. وقصة بتمان ظلت مفقودة حتى العام 1870 حينما عثر باحث أدبي اسمه ادوارد آربر على نسخة منها. وبعد قراءته للكتيب علق آربر على أوجه التشابه بينها وبين قصة هروب كروزو من جزيرته. ولاحظ ان قصة ديفو تشتمل على شخصية رجل اسمه ويل اتكنز شبيهة بشخصية تدعى ايضاً اتكنز في قصة بتمان. وكانت الادلة كثيرة لكن غير واضحة ما أدى الى ادراج بتمان كمصدر محتمل. وبعد زيارة الجزيرة الني نفي اليها بتمان اقتنع سيفيرين ان قصته هي التي استوحى منها ديفو رواية روبنسون كروزو. ولدى عودته الى لندن عثر سيفيرين على ما يؤمن بأنه الدليل القاطع. فقد اكتشف النسخة الأصلية لكتيب بتمان في المكتبة البريطانية. وبخلاف نسخة آربر وجد سيفيرين صفحة اضافية في الخلف تحمل اعلانا عن بتمان لأقراص ووصفات شعبية. والعنوان المذكور على الورقة يقول: «من مقر سكني في ساحة كنيسة سانت بول» التي كانت تضم ايضا مكاتب ناشره جون تيلور. وبعد خمسة أعوام لاحقة من نشر تيلور الطبعة الأولى من رواية روبنسون كروزو التي تحولت لأفضل رواية مبيعاً في ذلك الحين باع تيلور تجارته وتغير اسم الشركة الى لونجمان. وذكر سيفيرين ان وجود بتمان كان شبه دائم في دار النشر الذي نشر لاحقاً رواية كروزو ما يعني ان فرص التقاء ديفو ببتمان كانت كبيرة. ويقول سيفيرين ان بتمان لابد ان يكون على معرفة بوليام تيلور ابن العائلة وحدثه عن مغامراته، مضيفاً انه عندما وجد الحلقة المفقودة أدرك على الفور انه اكتشف أمراً غاية في الأهمية. وقد هنأ اكاديميون تخصصوا في دراسة أعمال ديفو سيفيرين على هذا الاكتشاف المهم وأعربوا عن دهشتهم بقدرة مؤلف كتب أسفار على تحقيق مثل هذا الانجاز. وعلق جيمس كيلي محاضر اللغة الانجليزية والخبير في أعمال ديفو بكلية ويرستر في اكسفورد بأن ذلك يعد اسهاما حقيقياً لتاريخ ديفو، وأضاف ان اكتشاف سيفيرين يضيف الكثير من المصداقية لاحتمال كون بتمان المصدر الذي استوحى منه ديفو شخصية كروزو. ابتسام أحمد