الحوار مع الفنان معين شريف رغم عفويته وسلاسته يكتسب أهمية خاصة لما في أجوبته وبساطتها من معان دفع بها بين السطور لتعلن هويته الفنية الملتزمة وصدق انتمائه مكرسا في أغانيه الأولى موقفا وطنيا بل قوميا يخشاه أي وافد جديد لهذا المضمار. وما إطلاق ألبومه الذي احتوى على اغنيات مثل «زرع التحرير، قدس العرب، عيد التحرير، بيروت» اضافة السلام وقانا اللتين انشدهما ايضا الفنان الكبير وديع الصافي الا مؤشرا على مصداقية هذا الفنان الواعد القادم من عمق البقاع وشموخ جباله حاملا أصالة قريته اليمونة وصفاء نبعها وطيب مذاقه، قدم الأغنية العاطفية من خلال البومين يحويان حوالي ست عشرة اغنية من اللون الذي احب وارتضى، نشأ في اسرة تضم اليه 9 من الأخوة و4 أخوات واحب الغناء منذ الصغر واتجه اليه بكل ارادة وتصميم وحيدا بين اخوته الذين حباهم الله بالصوت الجميل لكن كل منهم اختار طريقه بعيدا عن الفن والطرب. توقعنا سهولة الحوار معه حين دعانا لملاقاته الى احد المنتجعات السياحية حيث قطعنا عليه فترة استراحته وهروبه من عناء العمل، استقبلنا مرحباً بكل سؤال الا انه رفض الإجابة عن موعد زواجه ممازحا وضاحكا: «الشرع أعطاني حق الزواج من أربعة» أردف قائلا اسمحوا لي بهذا الموضوع الشخصي على الأقل. نذكر انه حائز على الأرزة الذهبية والميدالية المذهبة لفئة وديع الصافي من ستوديو الفن والعديد من الدروع والشهادات الفنية بعد معاناة طويلة مع الفن الذي أبقاه أيام الحرب ليال طويلة يختبئ ويهرب ويتعرض للخطر حاملا عوده لموافاة أساتذته الكبار وديع الصافي وسليم سحاب الذين اكبروا فيه تصميمه وارادته. وفيما يأتي وقائع الحوار مع شريف: ـ ماذا يعني الفن والغناء تحديدا للفنان معين شريف؟ ـ نحن نؤمن بالموهبة الحقيقية حيث الفنان يتغذى من الفن باعتباره غذاء الروح ومنذ الطفولة وأنا أحلم بالفن وأعلنت لأحدى المحطات منذ كنت في ربيعي العاشر الرغبة حيال الفن والغناء تحديدا، وبالنسبة لي مازلت أعتبر نفسي في البداية وحتى لا أصاب بالغرور فأنا مع التأني في العمل والانتقاء كما أؤكد على ضرورة أن أبقى طبيعيا في عملي وسلوكي محافظا على رصيدي الفني المتواضع والثوابت التي آمنت بها. ـ هل تشعر بأنك على تواصل مع الناس على المسرح من اللحظة الأولى؟ ـ الشعور الدائم بالخوف موجود حيث الفنان بحاجة لاسماع الناس والتفاعل المشترك معهم ولا أخفيك أحيانا أشعر أني في جهة والجمهور في جهة فليست سهلة قضية الامساك بالجمهور وشد انتباهه منذ اللحظة الأولى للفنان على المسرح. ـ بعد كل عمل بماذا تفكر عند العودة للمنزل؟ ـ أقوم بعملية نقد ذاتي كما يقال أضع أمامي شريط الحفلة وأقوم بتشريح كل خطوة ولحظة بلحظة أتابع واقول لنفسي هنا أصبت وهنا أخطأت. ـ هل ينقلون اليك انتقادات وكيف تتعامل معها؟ ـ للحقيقة لم ينقل الي أي نقد بالتواتر من الآخرين لكنني أقبل به في حدود النقد الايجابي الهادف للتصحيح أما النقد للنقد أو النقد في سبيل الاساءة والتجريح يزعجني لأنه يخرج عن إطاره ودوره الحقيقي وبصراحة أتقبل أي ملاحظة صادقة من أي كان حتى وان لم تكن علاقة تربطنا بعضا ببعض فالنقد الهادف هو مرآة تعكس حقيقة الفنان وواقعه الذي يفترض به قبوله لأنه لمصلحته ومصلحة فنه ومصلحة جمهوره ومحبيه. ـ قبل الاقدام على أي عمل هل تستشير أحداً؟ وهل لك صداقات في الوسط الفني؟ ـ لا شك بأنني أسأل وأسمع خاصة الكبار فهم ثروتنا ومرجعنا في هذا المجال وبالتالي موقع الصداقة يفرض نفسه في هذه المسائل سيما وأن علاقتي بمعظم الفنانين جيّدة وأحترم هذه العلاقة. ـ أنت خريج مدرسة وديع الصافي هل تتمسك بهذه المدرسة ونهجها؟ ـ في الواقع لا أنكر هذا الانتماء وهو الذي أوصلني الى ما أنا عليه ومازلت في البداية ولهذه المدرسة وراعيها الفنان الكبير وديع الصافي الفضل الكبير على معين شريف وغيره من الفنانين الذين غرفوا من ينبوعها الفني وهذا لا يعني التقليد بل الانطلاق بلون جديد وخط مميز يرسم شخصيتي الخاصة وأسلوبي في الأداء ولوني في الغناء ضمن الثوابت التي آمنت بها حفاظا على تراثنا الأصيل. ـ المعروف عن أبناء بعلبك وتميزهم في العتابا والميجانا...! ـ مقاطعا®.. طبعا طبعا ولكن الفنان الذي يضع نفسه في قالب يقدم لذاته مشروع النهاية والتنوع مفروض وضرورة لنجاح أي عمل وخذ مثال الفنانة الكبيرة وردة الجزائرية فهي من رعيل الكبار لكننا لا ننكر قدرتها على مواكبة العصر ومجاراته وأثبتت قدرة تنافسية مع فناني اليوم من الجيل الجديد بشكل ملفت وتضاهي نجوم اليوم بالمبيعات وأظنها قارئة جيدة للتطور الحاصل وليست جامدة في مكانها. ـ الملاحظ ان إنتاجك الوطني يكاد يعادل إنتاجك العاطفي؟ ـ مقاطعا.. عندما بدأت الغناء كانت القضية شبه منسية وأغلب الإعلام العربي يتناسى الجنوب اللبناني وما يجري في فلسطين وكنت أغني دائما وفي معظم حفلاتي أغنية «الله معك يا بيت صامد بالجنوب» للفنان الكبير وديع الصافي افتتاحا واختتاما حتى تسجيلي أغنية «زرع التحرير» التي كانت فأل خير وتحرر الجزء الأكبر من الجنوب بعد شهر من إطلاقها وبعد التحرير قدمت أغنية «قدس العرب» ولكنها لم تنتشر وتشتهر إلا عندما فقدنا الكثير من اشقائنا الفلسطينيين حتى أخذت حظّها على الفضائيات خاصة وأننا نخاطب من لبنان المنتصر ونبث رسالة للأحرار في الوطن العربي والعالم وللأسف انتشرت فقط مع ذروة الانتفاضة ومحاولات ابادة الشعب الفلسطيني بكامله. ورغم تأخر الإعلام العربي بالقيام بدوره لكنه تغيّر قليلا وبدأ حاضرا مهتما بما يجري ولا داعي لشكره على واجب والمفروض أن تقدم هذه الأغاني وفي هذه الظروف وأن تأخذ مكانها على كافة الفضائيات العربية، وبالمناسبة أدعو زملائي الفنانين العرب أن نعمل على تصعيد اللهجة وعدم الاكتفاء بالبكاء على الأطلال ونبعد عن البكاء والنحيب لنكن في موقع الند للند. ـ الأغنية الثورية سبب وجودها دائما ما هو مزعج و...؟ ـ طبعا لا تستطيع الحديث عن لا شيء لكن الحدث يفرض نفسه وعندما يكون بلدنا مثلا غير منزعج نحاول الغناء للجيش الحامي والمدافع وبرأيي الأغنية الثورية جدّية أكثر عندما ترتبط بحدث حتى أم كلثوم وعبد الحليم وغيرهم غنوا للثورة خاصة في مصر دون القصد لاستغلال هذا الحدث، علما أن الأغنية الوطنية لا تشجع المنتجين للعمل عليها ولها وانتاجها يعود لإيمان الفنان ورأيه المرتبط بواجب حيال الناس والوطن والمقاومة لا تقتصر على السلاح بل الإعلام والفن وغير ذلك. ـ وما جديدك الآن؟ ـ اني أحضر بعض الأعمال لكني لا أحدد الوقت لأن الموضوع خاضع لسير الأمور في العمل سواء تسجيل الأغاني أو تصويرها لكن أقول لدي جديد سوف تراه وتسمعه الناس عما قريب إنشاء الله خلال الصيف أو آخره. ـ ما رأيك بالمسرح الغنائي وأين أنت منه؟ ـ بصراحة أحب المسرح الغنائي وخاصة مسرح الرحابنة وخاصة أيام الأخوين رحباني وأبطالهم الكبار وديع الصافي ونصري شمس الدين وفيروز وأقول ليتني أوفق بأخوين رحباني في هذا الزمن، وهذا طبعا لا يعني أني أبحث فقط عن المشهورين لأتعامل معهم، فقد أديت أغنية (يا ريت بيتي نجوم) من تأليف منى أبو زيد وهي من خارج قائمة المشهورين ولحنها الفنان سمير صفير وأخذت حقها ونجحت لذا أختار الكلمة الجيدة واللحن الجيد أياً كان مصدرهما وبالتالي العمل الجيد يفرض نفسه. ـ كيف تفسر بعدك عن الارتباط بعقد احتكار؟ ـ الحقيقة أن أي شركة تريد تبني الفنان لا شك أنها تهدف الى احتكاره والشركات مبنية على هذا الواقع وكنت مع شركة روتانا التي احتكرت الاسطوانات فقط رغم إنتاجها لي وأعتقد أن أي شركة تؤمن حاجات الفنان لها حق الاستفادة وأنا ضد الاحتكار الإعلامي الذي يحدد محطة إعلامية واحدة وهذا يحتاج لمعالجة شاملة، وأشير الى أن الاحتكار يدفع ثمنه الفنان وهذا حصل معي إبان ارتباطي بإحدى المؤسسات الإعلامية وبالتالي غبت ست سنوات عن جماهير المحطات الأخرى والسؤال الدائم أين ذهب هذا الفنان الذي غنى وديع الصافي، لذا أقول ان الفنان دون ارتباط بجهة مسئولة مختصة تدعمه ماديا يستحيل عليه أن ينطلق وأعرف الكثير من الموهوبين مازالوا مغمورين لعدم تبنيهم، فالفن تجارة ومعترك الفن صعب يتطلب مرونة وإيجاد شخصية مستقلة والتعامل مع من يستطيع تسويق هذا الفنان أو هذه الموهبة وأنا أتهم بأنني عاجز عن تسويق نفسي والحقيقة الشركة تدفع ثمن صوت الفنان وهي تتابع مسيرته الفنية وهذا يساعد الفنان على الانطلاق. ـ هل مازال الفن يطعم خبزا كما يقول المثل اللبناني؟ ـ سؤالك صعب فالفنان يحيي الحفلات مقابل مردود مادي وبالتالي علينا القول أن الفنان يحصّل ماديا نسبة لا بأس بها لكن متطلبات الفنان وحاجاته المادية لإيصال فنه ليست أقل بكثير مما ينتجه ويحصل عليه. ـ المطرب معين شريف من يطربه؟ ـ أي موهبة حقيقية صادقة تطربني وأطرب لها وأي فنان يتمتع بالإحساس الفني سواء كان مشهورا أو مغمورا يطرب معين شريف المهم أن يكون مطربي موهوبا لا ممثلا لدور المطرب ولبنان والدول العربية فيهم الكثير من الموهوبين، لكن وسائل الإعلام تتجاهلهم، وتتجاهل دورها الحقيقي وهنا أقول بصراحة أن نقل الصورة الفنية السيئة للخارج معيبة خاصة أنها ليست موجودة وأدعو اذا كانت كلمتي مسموعة أن تنقل الصورة الصحيحة. ـ يبدو أنك تتعامل مع الشعراء والملحنين أنفسهم؟ ـ أنا أبحث دائما عن العمل الجيد سواء كان شعرا او لحنا وغير ذلك، ورغم معاناتنا من أزمة كلمة في لبنان الا ان وجود بعض الشعراء يمنعني من نعي الأغنية اللبنانية.