كان نتان شيرانسكي ضحية للدكتاتورية، وعانى ممارساتها على جسده. وكانت تجربته الشخصية هي التي جعلته اول من يقوم من بين رفاقه، ويطالب بصوت عال بتغيير المجتمع الفلسطيني. إنه يكرر تذكيرنا بأن الحروب لم تقع أبداً، بين الدول الديمقراطية، ويستنتج أن دمقرطة المجتمع الفلسطيني هي شرط للسلام الثابت. لكن المشكلة هي أن نظريته هذه لا تقودنا إلى أي مكان. فالديمقراطيات تنشأ في المجتمعات العلمانية التي تتوفر فيها طبقة متوسطة كبيرة ومثقفة. ولا تتوفر هذه الشروط في أي من المجتمعات العربية وما من سبب يجعلنا نعتقد أن المجتمع الفلسطيني يختلف عنها. إذا كان شرط السلام هو دمقرطة المجتمع الفلسطيني، فمن المفضل تخزين آمال السلام لفترة طويلة.شارون يستخدم مصطلحات شيرانسكي، لكنها بالنسبة له ليست إلا ذريعة لتأجيل القرارات التاريخية المطلوبة من إسرائيل. إنه لا يطالب باجراء تغييرات اجتماعية معمقة وإنما مجرد تعديلات في هيكل تنظيم السلطة وإخفاء ياسر عرفات. ومن أجل التجميل اللغوي تسمى هذه التعديلات «إصلاحات». إذا لم يتم تطبيق «الاصلاحات»، يمكن لاسرائيل القول إنه لم يتوفر الشرط الذي يسمح باجراء المفاوضات. وإذا تم تنفيذها، فربما تقوم في السلطة الفلسطينية أجهزة تنفيذية تخدم الاحتياجات الأمنية لاسرائيل. والامكانية الأولى هي الأكثر احتمالا. مقابله يطرح بن عامي مواقفه بعظمة. فهو يعتقد بتعذر إصلاح المجتمع الفلسطيني، وانه كي يتمكن الفلسطينيون من بناء دولتهم يجب أن تفرض على المناطق المحتلة سلطة دولية تؤهلهم لذلك خلال عدة سنوات. وهو يعتمد في قوله على عدة تجارب ناجحة، كالديمقراطية التي فرضتها القوى الغربية الثلاث العظمى على ألمانيا، وترويض اليابان المحتلة، والتجربة الاخيرة المتمثلة في المسؤولية التي تحملها المجتمع الدولي عن كوسوفو وتيمور الشرقية. لقد قام المجتمع الدولي، في التجارب الثلاث، بحماية هذه الأقاليم وتمكين شعوبها من بدء عملية بناء دولهم.كل واحدة من هذه الحالات لها خاصيتها، وهناك فوارق كثيرة بين الظروف التي ساعدت على تحقيق النجاح في الحالات المشار اليها، وبين الظروف السائدة في منطقتنا. لقد استسلمت كل من اليابان والمانيا دون قيد أو شرط مما مكن القوى العظمى المنتصرة من التعامل معهما كيفما شاءت. لقد قام الجنرال الأميركي، مكارثر بتنظيم مسيرة إذلال لميكادو هيروهيتو، أنزلته من مكانته الرفيعة وحولته إلى بشر من لحم ودم. وتم إعدام او سجن قادة النظامين النازي والياباني الفاشي. وخضعت أجهزة التعليم والاتصالات، طيلة سنوات، لسيطرة مفوضين عينتهم السلطات المحتلة. وغمر الصندوق الأميركي المرافق الاقتصادية المدمرة بثروات طائلة. وفي هاتين الحالتين، وكذلك في تيمور الشرقية وكوسوفو، لم تكن هناك أي جهة خارجية معادية توازي مقدرتها على إحباط هذه الخطوات، ضخامة قوة الدول التي فرضتها.أما فرض التفويض التثقيفي على المناطق الفلسطينية المحتلة فهو حكاية مختلفة تماما. ذلك أنه، أولا، يطالب إسرائيل ترسيم حدودها والحصول على موافقة المجتمع الدولي على خط هذه الحدود. ولا يمكن لحكومة يمينية في اسرائيل عمل ذلك. ثانياً، سيضطر النظام الراعي إلى تفعيل القوة العسكرية واستخدام العنف الكبير لمحاربة المؤامرات الفلسطينية المستعينة باعداء الاتفاق. وثالثا، هناك تلاميذ يتمتعون بشخصية متمردة إلى حد لا يمكن تلقينهم أي شيء جديد. وعلى الرغم من ذلك، فإن الفكرة التي يرددها شلومو بن عامي هي الفكرة الوحيدة المنشطة في هذا الموسم المشحون. وحتى إذا لم تسفر عن أي شيء، فانه من المناسب أن يتبناها اليسار كبديل لسياسة الصفر اللامتناهي. بارون لوترون عن «يديعوت احرونوت»