قبل 35 عاما خلت، في الخامس من يونيو 1967 بدأت «حرب الايام الستة» وحينها رأت اسرائيل ان وجودها بحد ذاته مهدد، وذلك عندما ركز ائتلاف من الجيوش قواته على امتداد الحدود الهشة التي تحكمها اتفاقية هدنة وكانت تفصل القوات العربية والاسرائيلية، منذ عام 1949 وانتشرت على طول خط الضفة الغربية قوات الاردنيين، على شكل وحدات عسكرية منسقة ووحدات مشاة معدة من اجل السيطرة على السهل الساحلي الضيق في اسرائيل حيث لايصل عرضه عند نتانيا سوى ثلاثة كيلومترات، بينما كان الجزء الثالث من الجيش العراقي يعبر الاراضي الاردنية، معدا للاتحاد مع الائتلاف المناهض لاسرائيل. وكان الهدف المعلن للهجوم القضاء على اسرائيل التي لم تدخل الى الضفة الغربية الى ان اصبحت مدنها ومطاراتها تحت اطلاق نار مكثف لذلك كانت اعمال اسرائيل شرعية وجاءت نتيجة حرب واضحة للدفاع عن النفس، لهذا السبب حدد مجلس الامن في الامم المتحدة في قرار تاريخي هو رقم 242 ان اسرائيل لها الحق بـ «حدود آمنة ومعترف بها» وانها لم تكن ملزمة بالانسحاب من جميع الاراضي التي دخلتها قواتها والتي هوجمت انطلاقا منها في حرب الايام الستة، في الواقع، ثبت القرار ان هذه لم تكن بالاراضي المتنازع عليها ولاسرائيل الحق القانوني في ان تهييء فيها حدودا آمنة بالاضافة الى مطالبات الاطراف العربية في النزاع. والتزاما بقرار مجلس الامن الدولي رقم 242 الذي لم يتحول الى حر الزاوية في احلال السلام، انسحبت اسرائيل من شبه جزيرة سيناء وفقا لاتفاق السلام مع مصر عام 1979 وكان امتثالا لمباديء قرار 242 ان تحضر اسرائيل مؤتمر السلام في مدريد الذي تحدث فيه الرئيس جورج بوش الاب عن «التزام اقليمي» بين الاطراف، ومرة اخرى التزاما بالقرار رقم 242 تصرفت اسرائيل حيال اتفاق اوسلو عام 1993 ورفعت حكمها العسكري عن السكان الفلسطينيين بهدف ان يكون لفلسطينيي غزة والضفة الغربية حكومة فلسطينية في عام 1999. مع ذلك قررت القيادة الفلسطينية الشروع في الحرب الراهنة ضد اسرائيل في اعقاب فشل قمة كامب ديفيد في شهر يوليو 2000. وبدلا من ان تحل الخلافات الفلسطينية ـ الاسرائيلية بشكل سلمي، شجعت هذه القيادة عن قصد موجة من الهجمات «الارهابية» ضد الشعب الاسرائيلي ولم تكمل التزاماتها المكتوبة بالقضاء على المجموعات «الارهابية» العالمية مثل حماس والجهاد الاسلامي وكما اطلقت بعض قواتها الاكثر اخلاصا كميليشيا تنظيم حركة فتح والحرس الرئاسي الفلسطيني «القوة 17» ضد مدنيين اسرائيليين، وكي نصل الى النهاية لم يمول فؤاد الشوبكي، المستشار الاقتصادي الشخصي لياسر عرفات، الكثير من هذه الهجمات وحسب بل انه نظم ايضا اتحادا للارهاب في الشرق الاوسط على قاعدة السلطة الفلسطينية والعراق وايران. وعلى الرغم من هذا الوضع ، هناك طريق باتجاه الامام. في المقام الاول على اسرائيل هزيمة الارهاب اذ لايمكن التفاوض تحت النار، ولقد قامت اسرائيل بتنازلات موجعة من اجل السلام في السابق، وستبدي مرونة دبلوماسية من اجل قيام السلام من جديد، لكنها تحتاج قبل اي شيء الى شريك موثوق من اجل السلام، فعندما حضر الرئيس المصري انور السادات الى القدس، قال للشعب الاسرائيلي: لن تكون هناك حروب اخرى ومنذ تلك اللحظة تم وقف التهديد بالعنف في العلاقات المصرية ـ الاسرائيلية وذلك من خلال مفاوضات اتفاق السلام لعام 1979 ولقد اتبع العاهل الاردني الملك حسين هذا النموذج في عام 1994 ولسوء الحظ لم تحافظ القيادة الفلسطينية على هذا الالتزام الاساسي بالتخلي عن العنف بطريقة دائمة لحل الخلافات السياسية. في المقام الثاني، عندما تعود اسرائيل في النهاية الى الامساك بالمفاوضات ينبغي على الدبلوماسية ان تقوم على الواقعية. فلقد فشلت المسيرة باتجاه اتفاق دائم في كامب ديفيد وفي المحادثات المعقودة في طابا المصرية في يناير عام 2001 لان الخلافات بين الاطراف كانت اكبر مما ينبغي، حيث كانت الامكانية الوحيدة للتوصل الى اتفاق متفاوض عليه ويمكن ان يمضي قدما هي الارتكاز على مسائل لايمكن انقاذها في الوقت الراهن. فخلال عامي الانتفاضة الفلسطينية تقريبا شاهد الشعب الاسرائيلي كيف استغلوا نقاط ضعفه وكيف هربوا كميات كبيرة من الاسلحة واستخدموها ضد المواطنين الاسرائيليين لهذا السبب لن تعود اسرائيل الى الحدود الواهنة لعام 1967 ولن تعود لتقسيم القدس ولن تتنازل عن حقوقها بحدود محمية ومثبتة بالقرار 242. ان الانتقال من اتفاق مؤقت على المدى الطويل وصولا الى معاهدة دائمة لا يمكن ان يوجه الا عبر تغيرات في واقع العلاقات الفلسطينية ـ الاسرائيلية على الارض، وليس عبر جدول زمني جامد. في النهاية وبهدف التوصل الى سلام ثابت، من الضروري ان يكون هناك مناخ اقليمي للدبلوماسية ففي حرب الايام الستة واجهت اسرائيل ائتلاف دول عربية، لذلك من المنطقي انه لايمكن بلوغ سلام دائم مع الفلسطينيين بشكل منعزل. تحتاج اسرائيل للسلام مع العالم العربي في مجمله لذلك اقترحت مؤتمرا اقليميا لدول الشرق الاوسط بأفكار متشابهة ترفض الارهاب وترغب برفع سوية الاستقرار الاقليمي، اذ تقوم فكرة المؤتمر على مبدأ ان اجتثاث الارهاب سوف يجعل الميدان مستقرا من اجل احلال السلام، وليس العكس. قبل اكثر من عقد من الزمان بقليل، حدد الانتصار الاميركي في حرب الخليج الثانية الشرط اللازمة لعقد مؤتمر السلام في مدريد الامر الذي برهن على ان الامن هو الشروط الضروري المسبق للسلام، وبطريقة مشابهة، سوف يقدم لنا انتصار في الحرب ضد «الارهاب» اليوم قاعدة دبلوماسية جديدة لسلام راسخ في الشرق الاوسط. ترجمة :باسل أبو حمدة عن «ألموندو» ـ اسبانيا