بيان 2: هناك في سجن سينج سينج الذي يطل على ضفاف نهر هدسون وعلى بعد ثلاثين ميلاً من القلب النابض لمدينة نيويورك الاميركية تقبع غرفة الموت. غرفة معتمة باهتة الجدران، من يدخلها لا يخرج منها حياً يمشي على قدميه. يتوسط الغرفة كرسي ينفر من منظره كل من تقع عليه عيناه. اسلاك نحاسية صفراء تتصل بالكرسي. احزمة جلدية يابسة تتدلى من طرفيه تلك هي غرفة الموت وذلك هو الكرسي الكهربائي الذي ينتظر المحكومين بالاعدام صباح كل يوم. أزهق هذا الكرسي أرواح أكثر من عشرين ألفا، ممن صدرت ضدهم أحكام بالاعدام جراء جرائم ارتكبوها، او هكذا افترضت المحاكم التي اصدرت تلك الاحكام. وقد يكون من بين هؤلاء ابرياء تأكدت براءتهم بعد اعدامهم. وما يهمنا هنا هو ان بعض الاشخاص الذين ازهق الكرسي الكهربائي ارواحهم، نساء من الجنس الناعم. القانون لا يفرق ما بين الذكر والانثى، فالجميع أمامه سواء والجريمة هي الجريمة بصرف النظر عن جنس من يرتكبها. وتشير الاحصائيات الأميركية الرسمية ان عدد النساء اللاتي تم تنفيذ احكام اعدام بحقهن منذ الحقبة الاستعمارية وحتى العاشر من شهر يناير من العام الحالي يبلغ ستمائة وثلاثين امرأة كما تذكر سجلات الشرطة ان باشيبا سبونو كانت اول امرأة تم اعدامها في أميركا، كان حدث العام 1778 بعد ان وجهت اليها تهمة قتل جاويش بالجيش الملكي. ادعت سبونو ان الجاويش قد قام باغتصابها وانها تحمل جنيناً في بطنها لم تأخذ المحكمة بأقوالها وتم تنفيذ حكم الاعدام الا ان تقرير الطبيب الشرعي اكد انها حامل بالفعل. مارثا بلايس سجلت أول سابقة في تاريخ احكام الاعدام بحق النساء الاميركيات، اذ كانت أول من ازهق الكرسي الكهربائي ارواحهن. حدث ذلك العام 1899 بعد ان ثبتت عليها تهمة قتل ابنتها بالتبني كما كانت ايزيل جوانيتا اول أميركية يتم تنفيذ حكم الاعدام بحقها داخل غرفة الغاز. كان ذلك العام 1941. وتوالت الاعدامات منذ ذلك التاريخ، اذ ان هناك خمسين امرأة ينتظرن تنفيذ احكام اعدام صدرت بحقهن. ومن النساء اللاتي ذهب الكرسي الكهربائي بأرواحهن روث براون السكرتيرة بمجلة «مونز بوتنج» الرياضية بنيويورك كانت براون تتطلع منذ صغرها الى الثراء والجاه. كانوا يقولون عنها انها مسكونة بالدولارات. كانت تتلهف للاقتران برجل اعمال ثري ينتشلها من الوظيفة ويحملها الى قصر فاخر تحيط به الحدائق والبساتين اليانعة كانت تحلم بالعيش في منطقة لونج ايلاند الراقية كانت فتاة عادية الجمال وشقراء بعينين زرقاوين. وعندما سكنتها الرغبة الجامحة في الثراء لم تجد براون أمامها سوى البرت سنايدر كبير محرري المجلة التي تعمل فيها في العام 1915. وبالرغم من ان الزوجين رزقا بطفلة اسمياها لورين في العام 1918، الا ان المشاكل بدأت تدب بينهما، وبدأ كل منهما يبحث عن السعادة بعيداً عن منزل الزوجية كانت براون عاشقة للحياة، تحب اللهو وحياة الليل والرقص والاستماع لموسيقى الجاز التي اجتاحت ارجاء البلاد في تلك الفترة وكان سنايدر شخصاً مختلفاً، اذ كان يعشق الهدوء، وكانت تصرفاته تتسم بالتحفظ والرسمية. وكان لا يغادر المنزل الا نادراً كي يعتني بالصغيرة لورين. وسارت حياة الزوجين دون اي تغيير كبير حتى اللحظة التي التقت فيها الزوجة هنري جود جراي، الذي كان يعمل بائعاً. كثيراً ما شاهد رواد المراقص الليلية براون وجراي، وسرعان ما اشتكت براون من زوجها الذي يدمر نمط حياتها وأسرت لصديقها بضرورة التخلص منه، خاصة وانه يؤمن على حياته بمبلغ كبير، وكشفت له عن محاولاتها الفاشلة في الخلاص منه. ليلة العشرين من مارس 1927 اصطحبت براون زوجها سنايدر الى حفل راقص بمنطقة مانهاتن عاد الزوجان قبيل شروق الشمس استيقظت الصغيرة لورين حوالي السابعة صباحاً لتجد أمها مقيدة وممددة على الأرض وابوها فاقداً للوعي في سريره. هرولت الصغيرة نحو منزل الجيران الذين قاموا باستدعاء الشرطة كان سنايدر قد فارق الحياة اثر تهشم في الجمجمة بآلة حادة، وكان مقيداً. جاء في افادة الزوجة ان رجلاً ايطالي الملامح اقتحم المنزل بعد عودتهما من الحفل مباشرة وضربها على رأسها وراح يركلها حتى غابت عن الوعي، وعندما افاقت بعد مضي فترة من الوقت اتجهت نحو غرفة لورين وراحت تصرخ لطلب المساعدة كما ذكرت ان مجوهراتها قد اختفت إلا ان لورين قالت للشرطة في براءة «لقد كان العم جودي هنا الليلة الماضية» وعندما اجرت الشرطة عملية بحث بالمنزل وجدت قضيباً من الحديد داخل خزانة ملابس، كما عثرت على المجوهرات مخفية بعناية في سرير غرفة نوم الزوجين. خضعت الزوجة لاستجواب طوال اليوم حتى جاءت اللحظة التي وجه فيها ضابط التحري السؤال «وماذا عن صديقك جراي؟» وجاء ردها «هل اعترف؟» وكانت بداية النهاية. تم اقتياد روث سنايدر باتجاه غرفة الموت ووضعت على الكرسي الكهربائي صبيحة الثاني والعشرين من يناير 1928 لتكون أول اميركية ينفذ حكم اعدام بحقها في القرن العشرين. «سأموت لا محالة. اشعر في بعض الأوقات بأنني لا أتنفس» هكذا كانت انا انتونيو تحدث نفسها قبل شروق شمس اليوم التالي داخل زنزانة بسجن سينج سينج لم يتبق امامها سوى ساعات فقط كانت في الثامنة والعشرين من العمر، زوجة واماً لأربعة اطفال، قبيل شروق اليوم التالي. اقترنت انتونيو بسلفاتور وهي في السادسة عشرة. كان في الثلاثين وكان عاملاً بالسكك الحديدية سيطر على حياة زوجته منذ اليوم الاول ووضع شروطاً لكل عمل تقوم به، وعندما لا تستجيب للأوامر كان يشبعها ضرباً. رزق الزوجان بأربعة أطفال، الا ان الملل والرتابة كانا ابرز ملامح حياة الزوجة. اكتشفت الزوجة ان سلفاتور يمتلك شهادتي تأمين للحياة، واحدة قيمتها 2500 دولار والاخرى 3000 دولار .. مبلغ كبير في ذلك الوقت، ولابد من التخلص من الزوج الذي حول حياتها الى كابوس. اتفقت انتونيو مع شخصين للتخلص من سلفاتور نفذ المجرمان جريمتهما وقتلا الزوج وعندما تم القاء القبض عليهما اعترفا بأن الزوجة وعدت بتسليمهما مبلغ ثمانمائة دولار ان هما نفذا الخطة. وجهت الشرطة تهمة القتل الى الزوجة وصدر الحكم باعدامها وفي صبيحة التاسع من اغسطس العام 1934 فتحت غرفة الموت بسجن سينج سينج ابوابها وجلست انا انتونيو على الكرسي وانطلق التيار الكهربائي ليزهق روحها. مأمون الباقر