في ابريل 1994، ترك عالم الآثار الاميركي وليام كيلسو وظيفته البارزة في منزل الرئيس الاميركي الاسبق توماس جيفرسون، الذي يعتبر المنزل الاميركي الوحيد الموجود، على قائمة التراث العالمي لما يمثله من قيمة معمارية فريدة من نوعها، لينطلق وراء حلم ظل يساوره لاعوام عديدة وهو اثبات ان قلعة جيمس، التي تعتبر اول محاولة انجليزية ناجحة لاستعمار العالم الجديد، يمكن العثور عليها ولا تزال موجودة حتى الآن. فمنذ عقود طويلة ظل معظم علماء الآثار في اوروبا واميركا يفترضون ان القلعة التي كانت موجودة منذ عام 1607 حتى العشرينيات من القرن نفسه، غرقت في قاع نهر جيمس الذي اخذ في نحت وتعرية مئات الامتار من الشريط الساحلي منذ اوائل القرن السابع عشر. وكان كيلسو من بين علماء قلائل عارضوا ذلك الافتراض، معتقداً ان بقايا القلعة لا تزال قائمة على الارض ولم تسقط الى قاع النهر، وحدد مكانها بشكل دقيق، واكد انها موجودة على بقعة من الارض مملوكة لجمعية الحفاظ على آثار فيرجينيا. ويرجع تاريخ بناء هذه القلعة الى مايو 1607 عندما وصل الانجليز الى جزيرة جيمستاون، التي تم اختيارها حينذاك لتكون اول مستوطنة انجليزية في العالم الجديد بسبب موقعها الاستراتيجي المتميز، اذ كانت محاطة بالماء من ثلاث جهات ويمكن استخدامها كمرسى مهم للسفن. غير انه بمرور الوقت تبين ان اختيارهم لهذه الجزيرة لتكون اول مستوطنة في العالم الجديد جانبه الصواب، وذلك بسبب مساحة المستنقعات الموجودة بأراضي الجزيرة وعدم صلاحية مياهها للشرب، بجانب الارتفاع الشديد لدرجة الحرارة ونسب الرطوبة وانخفاض درجة المياه بشكل كبير للغاية. واثناء الاشهر الاولى التي تلت وصول الانجليز الى الجزيرة، كانوا يعيشون في خيام ومعسكرات الى ان جرى التفكير في بناء تلك القلعة. غير انها تعرضت للحريق بعد بنائها مباشرة عام 1608 ثم اعيد بناؤها على شكل هندسي خماسي الاضلاع. وفي عام 1610 ادخلت تغييرات على شكل القلعة، لتأخذ شكل مثلت، وتم بناؤها عن طريق قوائم من الصلب، واحتوت من الداخل على ثلاثة شوارع اضافة الى سوق وثلاثة مبان سكنية. اضحت القلعة مركز النشاط الرئيسي للمستوطنين في الجزيرة، التي كانت الحياة بها غير سهلة بالمرة، اذ مات حوالي ثلث الجنود في طريق عام 1607 سبب التيفوئيد. وكان المستوطنون يعتمدون بشكل اساسي على المساعدات الآتية من انجلترا وتخزينها في قاعات القلعة وغرفها. وظلت القلعة تمثل مأوى الحياة الاساسي في المستوطنة لاسيما في ضوء الظروف المناخية السيئة التي كانت تعانيها الجزيرة. وجود القلعة وظل وجود القلعة من عدمه يداعب ذهن عالم الآثار وكيلسو حتى قامت جمعية الحفاظ على آثار فرجينيا بدعوته للقدوم الى منطقة نهر جيمس لمحاولة سبر غور المكان. ولم يتردد كيلسو وقام بأخذ اجازة من دون راتب، على الرغم من ان دعوة الجمعية لم تكن تتضمن اي حوافز مادية سوى التكفل براتبه اي انه كان عليه ان يمول بنفسه عملية الحفر والتنقيب، واي اشياء اخرى كانت تتطلبها عملية العثور على القلعة التي اختفت بفعل عوامل التعرية وبمرور السنوات والقرون. لذا ما كان عليه الا ان يبدأ رحلة حفر يقوم بها شخص واحد فقط هو وليام كيسلو نفسه. ولم ينس كيلسو ان يشتري مجرفة وعربة يد ذات دولاب واحد تساعده على انجاز عملية الحفر، آملاً في ان يعثر على شيء يمكن ان يعينه مالياً على استكمال عملية الحفر والتنقيب. وبدأ كيلسو عملية الحفر بالقرب من مدينة بوكاهونتاس، ولم يأبه الرجل بنظرات الاستغراب والسخرية التي مضى يرمقه بها كل من يراه عاكفا على الحفر في المنطقة، لاسيما عندما كانوا يعلمون بانه كان يقوم بالحفر من اجل العثور على قلعة يرجع تاريخ بنائها الى القرن السابع عشر. ولم تمض الا ساعات معدودة من البدء في عملية الحفر الا ووجد الرجل حفرة بها مخلفات تعود الى عدة قرون الى الوراء، حيث احتوت تلك الحفرة على قطع زجاجية مكسورة وازرار نحاسية وقطع مكسورة من الخزف وبعض قطع النحاس. هذا الاكتشاف كان كفيلاً بأن يجعل المسئولين عن الجمعية يصدقون حدس الرجل، وكان كفيلاً ايضاً بأن يجد التمويل طريقاً لانشطة الحفر والتنقيب التي كان يعتزم الدخول فيها. لم تمض الا سنتان حتى اعلن كيلسو والفريق المعاون له ـ والذي كان قد استقدم بعد ان حصل على التمويل اللازم من الجهات المعنية بالامر في اميركا واوروبا ـ انهم وجدوا بعد جهد جهيد بداية التاريخ الاميركي والتي كانت تتمثل في السياج والاوتاد الخشبية لقلعة جيمس، التي ظن الكثيرون انها غرقت في مياه النهر، ولم يعد لها وجود. وتابع كيلسو وفريق بحثه عمليات الحفر على اسس علمية متطورة، مما مكنهم من العثور على اسرار دفينة، ذهبت مع اندثار تلك القلعة التي كانت البذرة الاولى التي انبتت ما تعرفه شعوب العالم الآن بالقوة العظمى الوحيدة في العالم. فقد ذهبت اكتشافات فريق البحث لتطرق واحدة من احلك فترات تاريخ الولايات المتحدة الاميركية، وهي الفترة التي شهدت المجاعات والاوبئة والحروب التي قام خلالها الانجليز والهنود بذبح ألوف من البشر من غير المسلحين والسيدات والاطفال. فمن بين ستة ألاف مستوطن ارسلتهم شركة فرجينيا اللندنية لاستيطان العالم الجديد في الفترة بين 1607 الى 1625، مات حوالي 4800 شخص. احد الاسباب التي اوردتها عمليات الحفر والاستكشاف كمبرر لأعمال العنف التي كانت تحدث في هذه الفترة هو ان المستعمرين كانوا يعملون بجد ولكن ليس من اجل تنمية الجزيرة والمكان بشكل عام على المستوى الزراعي والاقتصادي، ولكن من اجل البحث عن الذهب والمعادن النفيسة الاخرى، بتعليمات من شركة فرجينيا، من اجل الحصول على المواد الخام التي تحتاجها الشركة لتمويل صناعاتها التي تدر عليها ارباحاً هائلة، الامر الذي تسبب، مع الاخذ في الاعتبار الاجواء غير المناسبة على المستوى الطبيعي والمناخي للجزيرة في تأجج الصراعات بين المستوطنين والهنود وتفشي المجاعات والامراض المعدية والاوبئة التي بدورها اودت بحياة المستوطنين والهنود على حد سواء. وعلى هذا النحو ساعد حدس هذا العالم الكبير في كشف النقاب عن احد اهم الاعمال التاريخية المعمارية في التاريخ الاميركي وفي الوقت نفسه فترة من اصعب الفترات من التاريخ نفسه والتي افضت بعد ذلك الى مرحلة اخرى هي مرحلة الاستقلال. حاتم حسين