من المحدثين الذين كان لهم شرف كبير في كتابة السنة النبوية وخدمتها، المتبتل الى الله تعالى، القوي الخاشع، القاريء المتواضع، صاحب الصيام والقيام، يعانق العمل ويفارق الجدل، يقول بالحق ويميل عن الباطل، يطعم الطعام، ويطيب الكلام، ويفشي السلام، ذلكم هو الصحابي الجليل عبدالله بن عمرو بن العاص، الامام الحبر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن صاحبه، يكنى بأبي محمد وأبي عبدالرحمن. وقد اسلم رضي الله عنه قبل ابيه في سنة سبع للهجرة، وكان اسمه العاص سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله جريا على عادته في تغيير الاسماء السيئة وشهد بعض المغازي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل، وحمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا وأحب النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ اقواله، وأحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه وعلى والده فقد اخرج الامامان احمد والترمذي باسناد منقطع الا ان رجاله ثقات ان الصحابي طلحة بن عبيدالله قال: ألا احدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ اني سمعته يقول «عمرو بن العاص من صالحي قريش، نعم اهل البيت أبوعبدالله، وأم عبدالله، وعبدالله». وكان كاتبا قارئا، فاستخدم ذلك في كتابة احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ان اذن له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فكان يدون كل ما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد اخرج الامام احمد وغيره بسند صحيح انه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله اكتب ما اسمع منك؟ وقال: نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإني لا اقول الا حقا. لذا كثرت مسموعات ومرويات عبدالله حتى ان أبا هريرة ـ وهو اكثر الصحابة رواية ـ كان يغبطه ويقول: لم يكن احد من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا اكتب ولحبه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم سمى الصحيفة التي كان يدون فيها الاحاديث بالصادقة، لانها من كلام الصادق المصدوق. اخرج الحافظ بن عساكر رحمه الله تعالى باسناده الى التابعي الجليل مجاهد بن جبر قال: دخلت على عبدالله بن عمرو فتناولت صحيفة تحت رأسه، فتمنع علي. فقلت: تمنعني شيئا من كتبك؟ فقال: ان هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه احد. وقد روى لنا الامام احمد جملة كبيرة من احاديث هذه الصحيفة الصادقة في مسنده. وقد روى عبدالله ايضا عن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعبدالرحمن بن عوف وأخذ عنهم ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم. وقام رضي الله عنه بتبليغ ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وتنقل في الامصار، فبث علمه في الحجاز، والشام ومصر، والعراق، فأخذ عنه كثيرا من اهل تلك البلاد من التابعين مثل: سعيد بن المسيب، وجبير بن نفير، وعروة بن الزبير، وطاووس، والشعبي، وعطاء، ومجاهد، والحسن البصري، وخلق سواهم. وقد حفظ عبدالله القرآن الكريم واستأذن الرسول في قراءته في كل ليلة فقال له: اقرأه في شهر، فقال: إني اجد قوة. قال: فأقرأه في عشرين ليلة. قال: اني اجد قوة دعني استمتع من قوتي وشبابي، فقال: اقرأه في سبع ليال ولا تزد على ذلك. وفي رواية انه أذن له ان يقرأه في ثلاث ليال. وكذلك استأذنه في صيام الدهر فلم يأذن له، فما زال يناقصه حتى قال له صم يوما وافطر يوما، وكذلك امره صلى الله عليه وسلم ان ينام قسطا من الليل وقال: ولكني اقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني. وكان رضي الله عنه اذا جن الليل يطفيء السراج ويبكي. ورث عبدالله عن ابيه مالا كثيرا فأصبح من الاغنياء، ولكن كثرة ماله لم تغره ولم يصبح من المترفين المسرفين، ولم يفتنه المال فيقصر في عبادته. وفي احدى السنوات حج برفقة ثلاثمئة راحلة محملة بالرجال والنساء من البصرة يحجون على نفقته. وبعد حياة حافلة بالعلم والعمل، والزهد والعبادة، ونشر السنة والعلم انتقل عبدالله بن عمرو الى جوار ربه وذلك في سنة 65 هـ ودفن بمصر، ويبلغ عدد ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم سبعمئة حديث، مخرجة في كتب الصحاح والسنن والمسانيد. ومن اقواله رضي الله عنه لأن اكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة احب الى من ان اكون عاشر عشرة آغنياء، فإن الاكثرين هم الاقلون يوم القيامة الا من قال هكذا وهكذا. اي يتصدق يمينا وشمالا. د. صالح يوسف معتوق