ما زالت العلاقة بين حضارة الشرق وحضارة الغرب، واحدة من إشكاليات ثقافتنا المعاصرة، وما يحدث الآن ليس إلا تداعيات لرحلة طويلة محفوفة بالمخاطر وأيضا الأفكار والمساجلات والصراعات، منذ الاشتباك الأول، زمن الفتوحات الاسلامية التي اتجهت بوصلتها ناحية الشمال الغربي، ومرورا بالحملات الصليبية، التي دقت باب الشرق بقوة في العديد من المرات، وفي العصر الحديث عندما وطئت قدم رفاعة الطهطاوي أرض فرنسا، مصاحبا لأول مجموعة من المبعثوين المصريين الى دراسة أغلب فنون المعرفة، اتجهت الى باريس (عاصمة النور).. الذي قال عنها: لم أر مثل باريس ديارا شموس العلم فيها لا تغيب وليل الكفر ليس له صباح إما هذا وحقكم عجيب لكن العجيب حقا.. رأى الطهطاوي في القاهرة، وكأنه يضع ملامح التقابل بين الحضارتين.. الغربية مادية عقلية، والشرقية روحية، حيث يقول: القاهرة شمس الدين السرمدية، وليلها الطويل هو ليل الجهل والخرافة، وإن كان هذا الرأي يتفق مع رأي آخر عبر عنه د. زكي نجيب محمود في كتابه (الشرق الفنان) فالحضارة الشرقية في نظره فن وتصوف، والحضارة الغربية علم وفلسفة. أما عميد الأدب العربي د. طه حسين عندما تعرض لهذه القضية في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» سخر مر السخرية من الذين يزعمون أن الحضارة الأوروبية حضارة مادية مسرفة في المادية لا تتصل بالروح أو لا تكاد تتصل به. وإن كان الشرق الذي يتحدث عنه د. زكي نجيب محمود هو الشرق الأقصى الذي يتمثل في الهند والصين وشرق آسيا عموما، أما المنطقة العربية فنراها وسطا بين طرفين نقيضين، لذلك يختلف د. زكي نجيب محمود عن د. طه حسين الذي يرى أن روحانية الشرق ناتجة عن مخاصمة الحياة والفكر والانتاج، والعكوف على النفس والفراغ لها، والفناء فيها، وأن مادية الغرب ناتجة بالعكس عن نشاط الروح، ويقظة العقل، وخصوبة الخيال. هذه المقدمة مدخلا وجوبيا لما شهدته القاهرة تحت عنوان (الاسلام في صقلية) ذلك المعرض الذي احتضنته قاعات عرض وأروقة مجمع الفنون على نيل جزيرة الزمالك، واشترك في اعداده ثماني جهات على رأسها وزارة الخارجية الايطالية، بالتعاون مع قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية، وكشف عن نقطة التماس الثقافية والتاريخية الرومانسية بين الشرق الاسلامي وحضارة جنوب أوروبا، وعبر عنه من خلال الشعار الذي اتخذه المعرض لنفسه (بستان بين حضارتين). جاء المعرض ليعيد اكتشاف العلاقة بين صقلية، تلك الجزيرة العنيدة، والعالم الاسلامي، من خلال ثمانية أعمال فنية، شملت أغلب فروع الفنون، مجسدة رؤية روائية معاصرة، تتيح قدرا كبيرا من الاتصال، والتواصل مع المتلقى، فيما لجأ القائمون على المعرض الى الاعتماد على قاعدة معلومات وثائقية، تخاطب جمهورا عربيا، وفي نفس الوقت امكانية التلاقي مع الجمهور الايطالي. يأتي المعرض في اطار خطة، تسمح بعرضه عبر رحلة طويلة في بلدان البحر الأبيض المتوسط، بدأت بعمان، ودمشق، واختيرت القاهرة المحطة الثالثة في هذه الرحلة حيث تمتعت الأعمال الفنية المعروضة بالاستقلالية التي تجعلها قابلة للتطور مع تقدم الوقت خلال الرحلة، فتقيم علاقة هارمونية مباشرة مع المكان الذي يستضيف هذا المعرض من خلال اعادة تشكيل هذه الأعمال من جديد في كل مرة، في ظل اعتبارات وظروف وطبيعة طبوغرافيا المكان الذي يعرض فيه هذا العمل. على الرغم من تعدد صور ووسائط العرض، سواء من أعمال فيديو، وأشكال نحتية، وخزفية، استخدام البانوراما السينمائية، والخرائط الموحية، وأشكال الحكي والسرد، إلا أن روح المرح، غلبت على الأعمال الفنية كوسيلة فعالة في التبادل الثقافي بين حضارتين. بمجرد الولوج الأول من مدخل قصر عائشة فهمي (مجمع الفنون).. يقودك خطاك الى الداخل حيث صوت الشاعر أدونيس، وهو يلقي قصائد لشعراء عرب صقليين، لكن أول ما يطالعه المتلقي في المعرض خريطة لجزيرة صقلية التي تضم أسماء لبعض المواقع ذات الأصل العربي، والتي يمكن قراءتها بالعربية والايطالية حسب الاتجاه الذي تقرأ منه. فيما احتلت خيمة كبيرة حديقة القصر العريق، تلك الحديقة التي تشرف على نيل القاهرة، حيث يعرض داخل الخيمة وصفا لصقلية حسب ما وصفها الجغرافي العربي «الإدريسي» في كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) ويتخلل العرض الالقاء الصوتي لمقاطع من كتاب الأدريسي، في الوقت الذي يعرض فيه مناظر بانورامية دائرية على مدار 360 درجة لصقلية الحديثة تصور للمناطق التي وصفها الإدريسي. ضم المعرض موقعا أتخذ اسم المكتبة التي احتوت على وثائق ومعلومات بصقلية الاسلامية عبر مخطوطات باللغة العربية، تصف العادات والتقاليد في مناطق صقلية العربية النورماندية، من خلال طرق عرض مبتكرة تتيح للمتلقي مواجهة النص مباشرة عبر وسيط شفاف، بحيث يصبح هذا النص والمعلومة المضمرة هو البطل. وفي واحد من أهم أقسام المعرض تمت محاكاة السقف الخشبي ذي المقرنصات للمصلى الملكي بالاتينا في القصر النورماندي لروجيرو الثاني في باليرمو، الذي تم بناؤه بمعاونة فناني الحرف اليدوية الفرس، الذين بنوا واحدا من السقوف الجميلة كأحد أجمل الأعمال التي تلتقي فيها الثقافة الغربية والشرقية، أما البساط الطائر الذي شيده في المعرض فريق ستالكر المكون من مهندسين معماريين شباب متخرجين من جامعة روما، مع فريق من الأكراد بطريقة مبتكرة استبدلت الخامة الأساسية للمصلى بحبال معلقة يتدلى منها حلقات نحاس تكون في مجموعها تنويعات لا نهائية من القيم الجمالية المستمدة من شكل المقرنصات التي تدعو الجمهور الى رحلات السندباد وأجواء ألف ليلة وليلة، كما تم ربط هذا البساط بين العراقة في فكرته والحديث في الخامات التي نفذ بهاء عبر فن الأيقونات الموجودة على سقف مصلى بالاتينا، وتم نقلها على وسادات تحتوي على بعض المنمنمات، ووضعت تحت الباسط الطائر، في الوقت الذي صدحت فيه الموسيقى في المكان الأسطوري المهيبة. وفي قسم من المعرض جمع بين التراث الشعبي بشخصية جحا الساذجة والعبقرية في نفس الوقت والمتوارثة في التقليد الجمعي العربي والصقلي، وأحدث التقنيات في مجال الصور المرئية (فيديو) حيث تقوم فنانتان بقص مغامرات جحا باللغتين العربية التي تتولاها «ساندي هلال» واللغة الصقلية تتولاها بالحكى الفنانة «اليساندرا كوستانو» من خلال عرض على شاشتين متقابلتين. حيث نرى ونسمع «ساندي» وهي تقول: «كان جحا مدعوا في وليمة، فلبس ثيابا مقطعة، وذهب اليها، فلم يعيروه التفاتا، فقام وذهب الى منزله، ولبس ثيابا حسنة وركب بغلته، وأتى الى الوليمة، فتلقوه وأكرموه وعظموه، وأجلسوه في صدر المجلس، فلما حضرت المائدة أرض كمه عليها، وقال: كل يا كمى، فتعجب الحاضرون، فقال جحا: ان اعتباركم كان لكمي، وليس لي، فهو أحق بالأكل مني!». جاء نصيب الموسيقى في المعرض ممثلا في فكرة «ماريو كريسبي ديلي أجريكونتوس» والتي تمثلت في تركيبة سمعية تعرض بطريقة فنية متميزة ومتقنة الأصوات التي ينتشر صداها في أحد الأسواق الصقلية بالاضافة الى اختيار قطع من الأغاني والمؤثرات الصوتية الشعبية الصقلية ذات الأصول العربية شديدة الوضوح، فيما تم عزف كونشيرتو في حفل الافتتاح للفنان «ماريو كريسبي» أيضا الذي شاركه عازفين من صقلية ومصر. كما تم عرض عشرين قطعة فنية تم اختيارها بعناية من منتجات الشركات في صقلية تعكس فنون حوض البحر المتوسط، وتجمع بين الأصالة والمعاصرة سواء في اختيار الخامات أو المضمون والوظيفة النفعية. القاهرة - سيد هويدي