بعد ظهر خميس صحو من شهر مارس، شعر ناصر فجأة بالملل من رواية بين يديه.. كفأها على ظهر الطاولة القريبة.. هب يرتدي ثياب الخروج.. شد باب البيت الخشبي الثقيل، بشرود، واتجه تلقائياً نحو سيارته الألمانية قديمة الطراز، فلما احتوت كفه سلسلة المفاتيح، أبقاها في جيبه، وأخرج يده خالية.. مكث ثوان، حائراً ماذا يفعل، والى أين يتجه في مثل هذا الوقت.. مضت خمسة أيام، منذ امتنع عن مجالس اللهو، وفي مثل ذلك الوقت، لن يعثر على صديق متحرر من تلك العادة السيئة، للأسف.. ذهبت زوجته، مع جارة لها الى مدرسة بعد الظهر، بعد ان أودعت طفلهما لدى أمها، لعلمها بأنه لن يحتمل البقاء في البيت حتى تعود.. بدا ضجراً في الأيام الأخيرة، جم الشرود.. حتى اثناء القراءة التي تستهويه، كما امتنع قلمه عن اصدار جديد، أو حتى إكمال مجموعة من الأعمال بين يديه.. أربع قصص قصيرة، بلغ منتصفها، وثلاث متوسطات شارفت على النهاية.. ثم يفلت الأمر من يده، وتتشتت الأفكار، ويستعصي القلم.. وجد حيرته تدفع به عبر دروب متعرجة تخترق حياً صغيراً من البيوت الطينية، واقعاً خلف مجموعة من الفلل الصغيرة، تطل على الطريق العام المؤدي الى المدينة الجامعية، من بينها بيته، حتى إذا اجتاز الحي، غشى منطقة واسعة الامتداد، خالية من العمران، نبتت فيها أدغال رشيقة من الحشائش البريّة دقيقة السوق، تضاعف طولها عقب موسم الأمطار، في الشهرين الماضيين.. خاضها باتجاه الجبال الغربية، قاصداً التريض والتشاغل عن هواجس أخذت تذكره بمجالس اللهو، وما تتضمنه من لحظات مرحة، ومناقشات لطيفة، واضعاً نصب عينيه حقولاً واقعة في سفح الجبل، عله يجد في أحدها مزارعاً لطيفاً يقضي معه وقتاً خال من الحيرة، أو يسمع منه حديثاً صالحاً لحكاية.. أحدثت الأعشاب البكر التي شرع يخوضها دغدغة منعشة في قدميه، عبر فراغات نعله الخفيف، وانتقل الى عينيه اخضرارها اليانع، وأخذت تيجان عذراء متعددة الألوان تصطدم بساقيه برفق، ثم أكملت الصورة البديعة نسمات منعشة آتية من ناحية الجبل، تحمل روائح وحشية نابعة من صلب الأرض، فجعل يمرر كفيه بصورة مرحة، عبر السيقان اللدنة المتماوجة. بعد مزرعتين وجد بابيهما مغلقين، طرق باب الثالثة الموارب، وهتف مستأذناً.. لكنه لم يجد اجابة.. رجّح ان يكون أهلها في زاوية بعيدة لا يصل اليها طرقه وهتافه.. خطى نحو الداخل بأسلوب حذر مخافة أن يباغته كلب حراسة، أو أي حيوان بري، لكن كل شيء بدا صامتاً.. مهيباً، كأن المزرعة خالية من سواه، حتى إذا سار خطوات أخرى، وجد نفسه أمام حجرة طينية، في الجهة اليمنى، كان بابها مشرعاً.. بعد تردد قصير، جسر على الخطو عبر الباب المصنوع من الخشب البدائي.. لم ير في الدخل سوى أوان بيتية متواضعة.. صناديق حديدية من الطراز القديم.. فرش خفيفة مطوية في الزوايا.. وبعض الثياب النسائية.. ثم لا صوت، ولا حركة.. وفجأة.. خر في أذنيه شخير نائم.. ثم رأى قطعة قماش عريضة شدّ طرفاها بوتدين في احدى زوايا الحجرة، على هيئة مهد بدائي، احتوت طفلاً جميلاً غارقاً في نوم عميق.. جذبه المنظر، فأخذ يرنو اليه باسماً، ودفعة واحدة تنبه لغرابة موقفه، وأوجس شيئاً من الخوف، فنكص عائداً.. فلما التفت حذراً، سقطت عيناه في عينين عسليتين شديدتي الجاذبية لشابة جميلة تحمل وعاء لبن.. ارتبك، ولم يتمكن من قول شيء، حيث فاجأه مرآها الغريب عن تقاليد نساء البلاد.. كان شعرها الطويل حالك السواد مسترسلاً على متنيها، وصدرها دون نقاب، فلم تبال بستره عن عينيه، أو تحاول الهرب مختبئة، كما تفعل النساء عادة في بلاده، ومعظم البلاد العربية والاسلامية. ظل حائراً ما يفعل، ودس يديه في جيبيه ارتباكاً، حتى أنقذته هي بابتسامة جميلة: ـ طفل جميل؟ هز رأسه ايجاباً دون ان ينطق، وشعر بأنها تتميز بشخصية قوية، تردع أي عابث: ـ هل تشرب معي شاياً باللبن؟ لم يسعه أمام الابتسامة اللطيفة التي صدرت من الشابة الجميلة إلا أن يوافق: ـ دعوة جميلة.. لكن.. ألن نشاطر الصغير غذاءه؟ فأطلقت نحوه نظرة شديدة الجاذبية، وابتسمت: ـ نحن لا نغذي أبناءنا من ضروع المواشي.. صدورنا أولى بهم. امرأة واثقة من نفسها لا ترتبك أمام ما تقول، أو تقرر.. فكر بذلك حين أشارت الى موضع مفروش ببساط خفيف من السعف الأحمر تحت شجرة تين كبيرة: ـ تفضل هناك.. سأعد الشاي، وآتيك. ثم وضعت على الأرض حزمة من البرسيم كانت بين يديها. توجه الى حيث أشارت، وشرع يجاهد هواجس تقلقه، بينما اختفت هي خلف الحجرة الطينية، ووجد يده تمتد دون وعي الى جيبه، لتخرج علبة السجائر.. تناول لفافة قاومها خمس ساعات.. يجب أن يهدأ، وأن يرتب أفكاره المشوشة.. ما الذي يفزعه من امرأة؟ انه رجل، والأولى بالخوف هي.. لكن أمر هذه المرأة يبدو غريباً وغامضاً.. أتراها وحدها في هذه المزرعة الكبيرة البعيدة عن العمران؟.. أم ان زوجها الذي يعمل في جهة ما من المزرعة لن يلبث ان يأتي اليهما؟.. لكن لا.. لقد قالت.. تشرب معي شاياً، ولم تقل معنا.. هي إذن وحدها مع هذا الرضيع تلك الساعة على الأقل.. أين ذووها أو أين ذهب زوجها؟.. هل ذهب الى المدينة لبيع حصاده اليومي؟.. ربما.. على أية حال.. ليس في الحالين شيء يقلقه، بعد ان طرق الباب بأدب، ورحبت به بعد ان رأته، وستقدم له شاياً بمحض ارادتها.. ثم ليس من أمر مشبوه بينهما، ولا يخفيهما عن العيون ساتر يوحي بوضع آثم.. انهما في العراء، وبوابة المزرعة مشرعة لكل من أراد الدخول، فما الذي يقلقه؟.. ربما هيئتها غير المعتادة.. ربما جرأتها، وشخصيتها القوية.. ثم شيء آخر شديد الخفاء.. ما هو؟.. .لم يدر ساعتها ما هو، أو لعله تجاهله عمداً.. أقبلت تحمل ابريقاً وكوبين، مؤكدة بذلك عدم وجود سواهما والرضيع الراقد في مهده، وبان وجهها أكثر نضارة وجمالاً، بعد ان أزالت عنه غباراً وشوائب.. كما بدا شعرها مسترسلاً لامعاً: ـ أهلاً وسهلاً.. قالت وهي تنظر نحوه باسمة: ـ شكراً لضيافتك، واغفري لي تطفلي.. توقعت وجود رجل في هذا المكان. ـ لا بأس عليك.. لقد سمعت طرقك، وهتافك. ثم أردفت، وهي تسكب بعضاً من محتويات الابريق في كوبه: ـ يأتينا أحياناً بعض المتطفلين غير المرغوب فيهم، فنضطر الى طردهم.. لكننا نرحب بالمهذبين أمثالك. ـ شكراً. قال، وهو يهرب بعينيه عن عينيها الجميلتين.. تناول الكوب الذي مدت به نحوه، وود ان يسألها عن شركائها في ذلك المكان، لكنه تراجع مخافة ان يثير قلقها برغبته التأكد انها وحيدة: ـ أنت كما يبدو، تسكن قريباً من هنا. ـ نعم.. ليس بعيداً. ـ توقعت ذلك من مجيئك راجلاً، وإن ندر ان يسير أهل المدينة كل هذه المسافة. ـ أحب السير كثيراً.. وأنتم.. هل تذهبون الى أسواق المدينة سيراً؟ ـ نعم.. أغلب الأحيان. ثم ابتسمت كأنها قد أدركت تعمده صيغة الجمع التي اتخذها. ـ أمي وأخي على وشك الوصول من السوق، الآن. ـ وزوجك؟ ـ ليس لي زوج. لعلها مطلقة، أو أرملة.. أمر لا يعنيه على أية حال.. لكنها في الحقيقة جميلة، وفتية، وتتميز بشخصية ملفتة.. تلك كانت أفكاره هو.. أما هي فلم تضف شيئاً آخر.. لكنها شعرت بارتياحه لمجالستها، رغم بعض الارتباك الذي تفصح عنه طريقة امساكه للكوب، ومقاومته النظر في وجهها مباشرة، والى شعرها المجرد، كما لاحظت وسامته وجسامته، رغم حداثة سنه، واستراحت اليهما: ـ ما هو عملك؟ ـ محاسب في وزارة المالية. ـ متزوج؟ ـ نعم ولي ابن واحد.. وأنت؟ ـ ليس لي زوج.. بل لم يكن لي زوج على الاطلاق. ـ والطفل؟ أهو أخوك أيضاً؟ نظرت اليه ملياً ثم ضحكت وهي تنظر نحو أغصان الشجرة فوقهما، وقالت بهدوء: ـ بل ابني. صعّبت عليه المعادلة، وأي سؤال بعد ذلك سيتجاوز، في نظره، قواعد اللياقة: ـ أرجوك المعذرة.. تجاوزت حدودي، كما يبدو. ـ لا.. لاعليك.. يعجبني لطفك وتهذيبك. تلك اللحظة، سمعا دبيب حوافر دابة تدنو من بوابة المزرعة: ـ هاهما قد وصلا. شعر فجأة بحرج شديد، وأراد ان يقف، فجذبت يده لتبقيه حيث هو: ـ استرح.. سأعرّفك اليهما.. ما هو اسمك؟ فلاحظ بأن كلاً منهما لم يحاول ان يسأل الآخر عن اسمه، رغم الساعة التي أمضياها معاً: ـ ناصر. ثم اجتازت البوابة دابة بنية اللون تسوقها امرأة تجاوزت الاربعين لحق بها شاب بدا أحدث سناً من أخته ولفت نظره تمتع الآخرين بمسحة من الجمال، ايضاً: ـ هذه أمي.. وهذا أخي عوّاد.. وهذا ناصر، يا أمي. وبينما صافحه الشاب بوجه خال من أي تعبير، ابتسمت الأم: ـ كيف استطعت الوصول الى هنا دون مركوب؟ ـ سيراً.. وقد استضافتني ابنتك على شاي لذيذ. ـ أهلاً، ومرحباً. كانت الشمس قد شرعت بالانحدار نحو الأفق الوردي، فقال وهو يقف للمغادرة: ـ سعدت بمعرفتكم، لكنني مضطر للذهاب قبل ان يحل الظلام.. شكراً على الشاي. ـ هل ستزورنا مرة أخرى؟ قالت الشابة ببساطة شديدة.. وبينما ساق أخوها الدابة نحو عمق المزرعة دون أن ينطق شيئاً، أيدت الأم ابنتها: ـ نعم.. زرنا مرة أخرى. ـ سأفعل ان شاء الله.. شكراً.. شكراً.. غادر عشيتها تلك المزرعة حاملاً في جعبته حكاية غريبة عن امرأة جميلة أبقت في مخيلته انطباعاً لم يستطع تفسيره أو وصفه.. شابة جميلة أنجبت طفلاً جميلاً، دون ان يكون لها زوج.. أشفق تلك العشية ان يتهمها بالجرم، فتكون قد تعرضت لحادث ابتليت به، لكنه رفض أيضاً ان يمنحها البراءة، عندما وجدها سعيدة بما حدث لها الى حد التصريح به ضاحكة، دون أي داع.. ربما كتب هذه الحكاية يوماً.. ربما فعل ذلك.. لكنه قطعاً لن يحكيها لزوجته، كما يحكي لها كل أمر غريب يحدث له مخافة ظنونها وغيرتها الشديدة.. أم أحمد تحبه كثيراً وهو يحبها، لكنها شديدة الغيرة.. تصل غيرتها الى بطلات حكاياته.. كان ذلك غاية ظنه، حين غادر المزرعة.. لكن عندما علقت العينان العسليتان بأهدابه حتى اليوم التالي، أربكه الأمر، وقاوم الذهاب الى تلك المزرعة، فأضاف على نفسه مقاومة جديدة الى جانب مقاومة الذهاب الى مجالس اللهو.. ليته وجد رجلاً في المزرعتين الأوليتين.. ليته عاد قبل ان يصل الى الثالثة.. ليته وجد، بدلا عن تلك الشابة أحداً آخر، وبقي خالياً ممن علقت بأهدابه عيناها. في اليوم السادس لم يعد قادراً.. وجد نفسه أمام دربين لا ثالث لهما.. إما الذهاب الى أولئك، أو اليها، فاختار ما حسبه أهون الشرين، وخاض للمرة الثانية دخل الحشائش البرية باتجاه المزرعة، حتى إذ طرق بابها، ورأته الأم، هتفت: ـ أين كنت يا فتى؟ ثم تجاهلت مظاهر الدهشة التي بدت على وجهه، وأردفت وهي تتقدمه نحو الداخل: ـ تعال.. تعال.. ستصبح كما يبدو صديقاً نشتاق اليه. وعندما لاحظت اتجاه عينيه نحو الحجيرة الطينية، خمنت انه يبحث عن ابنتها.. لكن قالت بخبث: ـ عواد ذهب الى السوق.. كيف حالك؟ ـ بخير.. الحمد لله.. وأنتم؟ ـ نحن أيضاً بخير. فلما تأكدت بأنه لا يبحث عن عواد، قالت تطمئنه: ـ ستعد لنا سعدى الشاي، الآن.. استرح.. سعدى.. ذلك اسمها إذن، وهو يسمعه لأول مرة، والغريب انه رغم الغموض الذي يحيط بهؤلاء القوم، يشعر بانشراح عجيب، لا يدري كنهه عندما يأتي اليهم.. حقاً هو حديث السن، لكنه ليس من الشباب النزق الذي يبحث عن مغامرة.. بل يحترم زوجته، وتربطه بها مودة.. لكن الوجه الجميل، والعينين الواسعتين العسليتين، شديدتي الصفاء، والشعر الاسود الطويل المسترسل استوطنت عينيه خلال الأيام الخمسة الماضية.. زوجته جميلة أيضاً.. فهل بامكانه ان يبرر انشراحه بحبه لكل صور الجمال؟.. هل سعدى مجرد وجه جميل، لائق بأن يكون مادة لقصة جميلة، أم ان غموضها وجرأتها والظرف غير العادي الذي يحيط بها قد ساهم في اضفاء لمسات سحرية على شخصيتها في عينيه؟ ـ هيه.. ناصر.. أين ذهبت؟ فوجيء بها تخرجه من شروده الطويل، الذي لم يشعر خلاله بمجيئها، وجلوسها بجوار أمها بعد ان أحضرت الشاي: ـ أهلاً.. كيف حالك اليوم؟ ـ بخير.. وأنت؟ ـ الحمد لله.. انها تتصرف معه بكثير من البساطة كأنها تعرفه منذ أمد بعيد، وقد ارتدت ثوباً طويلاً رمادي اللون بدا جديداً، ثم أبقت خصلات شعرها الغزير هائمة في المحيط الممتد بين عنقها الطويل، ونحرها الرحب، وقالت مادة نحوه الكوب: ـ أرجو ان يعجبك شاينا أكثر من المرة السابقة، فلا تغيب عنا أطول. انها تصيغ عتابها في قالب لطيف، فضحكت الأم، وابتسم هو: ـ كيف الصغير؟ ـ بخير.. أتود رؤيته؟ ودون ان تنتظر اجابته، هبت متجهة بدلال نحو الحجرة، فقالت الأم، وهي تستوي قائمة: ـ سأترككما لبعض شئوني. غريب أمر هؤلاء القوم.. قال لنفسه.. ان أمها تتعمد ان تتركهما وحدهما، كأنهما زوجين.. وما لبثت سعدى ان أقبلت بالوليد، ومدت به نحوه: ـ ما شاء الله.. طفل جميل.. ما اسمه؟ ـ سعيد. ـ ابن؟ ـ ابن سعدى.. ابني أنا.. ليس لأبيه أي شأن. وحين لم يعلّق بشيء أضافت: ـ أمر غريب، لدى بعض الناس.. لكنه القاعدة الصحيحة.. الأم هي الأساس. ـ لدى من؟ ـ لدى من يدركون الحقيقة. لدى المرأة الجميلة فلسفة إذن. ليس في الأمر شيئاً من الاغتصاب، وليست مغلوبة على أمرها، كما حاول أن يجد لها عذراً بينه وبين نفسه. ـ هل افترقتما، أنت وأبوه؟ ـ شيء من هذا القبيل. أيضاً لا تريده ان يعلم كل شيء.. لكنه أصر: ـ هل تطلقتما؟ حينئذ انطلقت ضاحكة، فاضطر الى مجاراتها بطريقة بلهاء.. ثم وجدها ترنو نحوه باسمة: ـ كم هي جميلة؟ ـ من؟ ـ ابنتك. ـ ليس لي ابنة.. لديّ ابن فقط. ـ أقصد إذا أنجبت بنتاً ستكون جميلة دون شك.. خاصة إذا كانت أمها جميلة. قصدت التلميح الى وسامته.. لكنها بطريقة شيطانية جعلته يتخيل طفلة جميلة بنفس ملامحها، ثم قالت وهي ترنو اليه بشيء من دلال: ـ هل تجدني جميلة؟ أجفل، وهرب بعينيه من أسرها.. لكنه أضاف للاعتراف: ـ نعم.. أنت جميلة. ثم هب واقفاً: ـ شكراً على الشاي.. بلّغي أهلك تحياتي. ـ هل قررت الذهاب؟ قالت محاولة اخفاء انزعاجها من قراره المفاجيء: نعم. ـ مازال الوقت مبكرا. ـ بل الآن قبل ان يحل الليل. نضح وجهها الجميل امتعاضا لكنها لم تقل شيئا اخر، وهي تودعه مدبرا نحو البوابة. شعر بان تلك الانثى الجميلة تدعوه باسلوب مراوغ للزواج منها ففر قبل ان تفلح في اقناعه اخذ يحث الخطى نحو العمران تغشاه هواجس لم يجربها من قبل.. هواجس عن الخيانة، وعدم الوفاء لزوجته التي تحبه الى حد الغيرة من شخصيات حكاياته.. تقابلها تبريرات لانثى جميلة تعرضت دون شك، لاعتداء لكنها عنيدة لا تريد ان تعترف بما حدث لها بل تلغي وجود المعتدي لانه لا يستحق الذكر تلغيه الى حد جعلها تنزع اسمه عن اسم ابنه ودون ارادة منه سأل زوجته تلك الليلة: هل تفكرين بطفلة؟ فاجأها سؤاله الذي لم تكن له مقدمة، او مناسبة.. و،شعر هو بأنه قد قال ما قال تحت ضغط من هواجسه، فهرب بعينه عنها هروب المذنب: ـ ألم نقرر ان نترك للولد فرصة الاستمتاع بطفولته اكبر مدة ممكنة! ـ بلى انس الامر كان مجرد خاطر. كانت زوجته صادقة، بل كان قراره هو ان يجعلا بين اولادهما فترة مناسبة ذلك اولا: ثم ليدع لها مجالا لاكمال الثانوية لكن تلك الخبيثة قد جسدت بين عينيه طفلة جميلة بوجه ابيض مستدير وعينين عسليتين شديدتي الجاذبية وشعر اسود طويل مرسل وكان احد اصدقائه قد سأله يوما ما اول ما تقع عليه عيناك في الانثى؟ فأجاب دون تردد عيناها ثم شعرها.. وبعد ذلك تأتي السمات الاخرى الوجوه الجميلة تستهويه كثيرا الى حد دفعه الى محاولة الرسم، لكنه لم يفلح، الوجه الجميل في نظره نعمة يحق للاديب والفنان والشاعر الاستمتاع برؤيتها، هو بدوره وهبه الله وسامة علقت بها عينا سعدى فقررت ان تنجب منه صبية ذلك ما اقتربت من التصريح به فهرب قبل ان تفعل، زوجته جميلة وفاضلة وهو يحبها ويحترمها ويشفق ان يكدر صفوها لكنه تمنى كثيرا لو سمحت له بالزواج مرة اخرى ايما رجل ادعى عدم رغبته في التعدد هو في حقيقة الامر مجامل او خائف، حقيقة ثابتة تسمعها بطريقة واخرى من معظم الرجال كلما طرح امر التعدد للنقاش ومن ادعى بان قلب الرجل لا يحتمل حب اكثر من امرأة واحدة مخطيء. بذلك القرار، وجد ناصر نفسه، بعد اسبوع من التردد والمقاومة يخوض للمرة الثالثة، دغل الحشائش البرية، نحو تلك المزرعة لقد قرر الزواج من سعدي لينجب منها صبية بعينين عسليتين شديدتي الجاذبية ووجه ابيض مستدير وشعر طويل اسود مرسل: ـ مساء الخير. ـ اهلا.. تذكرتنا اخيرا قالت بنبرة حانقة وعادت تحزم مجموعة من سيقان قصب السكر بدت المزرعة خالية من سواهما لكنه شعر بانها ليست على عادتها تبدو كئيبة بعض الشيء: ـ ربما اتيت في وقت غير مناسب. وهم بالتحرك نحو الباب لكنها قبل ان يفعل التفتت نحوه بابتسامة تحمل اعتذارا: ـ الن تشرب معي شايا! ـ لعلك منشغلة.. ـ بل ضجرة من الوحدة. ثم قذفت بما في يدها واتجهت نحو الحجرة الطينية، وهي تلتفت اليه باسمة: ـ سأغيب عنك دقيقة واحدة. تظل الجميلة جميلة ولو ارتدت اسمالا خاطب نفسه ناظرا نحوها مدبرة باتجاه الحجرة ثم ركن الى شجرة التين الكبيرة جلس بارتخاء ينسجم مع شعوره بالارتياح كلما جاء الى مزرعتها ستتجدد اشياء كثيرة في حياته الروتينية اذا تزوج بسعدي وسينعكس ذلك التجديد على كل نواحي حياته على عمله كتاباته نفسيته بل حتى على أم احمد نفسها سيتصدى بالتجديد للملل قبل ان يزحف على حياتهما انه ولله الحمد قادر على التعدد من كل النواحي كل ما عليه ان يحقق العدل وسوف يفعل ان شاء الله سيفعل ذلك لامرين لانه شرع الله ولانه يحب زوجته الجميلة التي تربطه بها مودة واحترام. ـ اما اشتقت الينا! قالت بعد ان حضرت الشاي بالحليب واخذت تسكب بعضا منه في كوبيهما: ـ بلى.. ـ شع وجهها بابتسامة ألقة.. ثم قالت بشيء من الدلال: ـ فلم غبت كل تلك الايام، إذن؟ ـ لا اكذب عليك.. كنت اقاوم رغبتي في المجيء. ـ لم! ـ لا ادري.. لدي احساس بانك تخفين عني امورا. ـ مثل ماذا؟ ـ امر الطفل مثلا. ـ شعر بانه قد اربكها حين هربت بعينيها بعيدا وظلت صامتة برهة ثم قالت دون ان تلتفت نحوه: ـ لا ادري لم يشغلك هذا الامر! ـ لابد ان يشغلني ان رضيت لي الانشغال بك تململت بعض الشيء: سأقول لك امرا قد يكون غريبا على بعض التقاليد لكنه يحدث في عرفنا. ما هو؟ الطفل.. ابن صدفة. لا افهم هذا المنطق.. ما معنى ابن صدفة؟ هل جاء من كوكب آخر! اليس له اب! بلى قصدت ان لقائي بأبيه كان صدفة. هل كان في الامر خدعة. لا.. ليس في الامر اية خدعة.. انا اردت الطفل من ذلك الرجل. دون اي رباط! قال باستغراب مشوب بحنق فتضاعف ارتباكها: قلت لك ان هذا الامر قد يبدو غريبا في بعض التقاليد. بل يجب ان يكون غريبا في قوانين كل البشر. قلت لك الحقيقة.. لم احاول الكذب عليك.. كان باستطاعتي ان افعل. وجدها محقة في قولها الاخير كان بامكانها ان تدعى موت زوج موهوم او طلاقها منه او على الاقل وقوع الامر بطريق الخطأ كما تفعل كثير من الضالات المضلات اللائي يرتكبن الخطايا ثم يحملن اوزارها الابناء احترم صدقها في ذكر الحقيقة لكنه لم يحترم القانون الذي استندت اليه انه قانون لائق بالسوائم التي تلتقي صدفة حسب قانون التكاثر المحض ولا يليق بالبشر الذين شرع لهم ربهم قوانين تتناسب مع خلافتهم للارض، وتفضيلهم على كل مخلوقاته وجعل منهم الانبياء هب واقفا دون ان يكمل كوب الشاي ونظرت هي اليه بعينين دامعتين كادت تضعفه لكنه قاوم بشدة واتجه مغادرا: شكرا على الشاي. ولم يقل لهابلغي اهلك تحياتي كما فعل في مرة سابقة شعر بان اولئك الناس قد اجرموه بقانونهم الشاذ، امرأة جميلة تمنى ان يتزوجها لينجب منها طفلة جميلة تشبهها وتذكر ان ام سعدى في لحظة ما كانت تحضه بطريقة وقحة، ليصبح ابا بالصدفة لاحد احفادها. وجد صعوبة كبيرة في مفارقة سعدى الجميلة ونسيان الاوقات الهنيئة التي قضاها قريبا منها شعر بقدميه ثقيلتين وهو يغادر بوابة المزرعة للمرة الاخيرة لكنه رأى الامر اصعب واثقل على ضميره وعلى كرامته ان تنتسب ابنته الى اولئك الناس، وسيكون اشد صعوبة وثقلا ان تأتي فلذة كبده من ام قد تحن يوما الى انجاب طفل ثالث بقانون الصدفة فيحدث لها ما حدث لاخيها البريء الذي خلفه اب معدوم الضمير نال متعة انية ضحى من اجلها بكل القيم. ـ قاص وروائي يمني مقيم في الامارات ولد عام 1948 صدرت له اربع مجموعات قصصية (قزم وعملاق، الراسيات، ذرة فوق شفة، شيء من هذا القبيل).