رحل المخرج رضوان الكاشف فجأة وهو في قمة عطائه واقباله على الحياة عن خمسين عاما، تاركا وراءه ثلاثة أفلام روائية متميزة، وهو ينتمي الى السينما الجديدة التي حاولت أن تغير من السينما الشائعة، مع الاختلاف العمري مع أقرانه عاطف الطيب وداود عبدالسيد وخيري بشارة. ينتسب الكاشف الى جيل السبعينيات حيث تخرج من قسم الفلسفة آداب القاهرة 1978، ووجد أن اداة تعبيره عن ذاته وفكره لن تكون إلا من خلال السينما وحدها، ولهذا التحق بمعهد السينما ليتخرج فيه 1984 ولكنه ظل يعتبر نفسه ثمرة من ثمار الستينيات ومفاهيمها السياسية والثقافية، وكتابات أدبائها وشعرائها حتى أنه قال مرة أن أساتذته هم يحيي الطاهر عبدالله وابراهيم أصلان وصنع الله ابراهيم ومحمد البساطي وأمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودي. لهذا لم يكن غريبا أن يقدم باكورة أفلامه الروائية الطويلة ليه يابنفسج عن هموم الشعب وعن الهامشيين الذين يعيشون على حافة المدينة.. ولكن في جو التسعينيات قدم وسامي السيوي ـ مجموعة حكايات صغيرة مجموعها مصائر الناس ـ من خلال شخصيات أغلبها مهمشة تتنافس من أجل لقمة العيش أو المأوى ومع هذا رغم الصراع يحتفظون بأرق وأصفى ما في أرواحهم. يعبر الكاشف والسيوي كما يقول الناقد حسين بيومي عن روح الثقافة الشعبية بما تحويه من حكايات وأساطير تنفذ لصدقها الى قلوبنا وتخلق في نفوسنا تعاطفا وجدانيا مع بيئة المهمشين بوصفها جزءا من واقعنا ويصور الفيلم حالة من الشجن والاحباط ووأد الأحلام وهو انعكاس للواقع الأليم. استقبل الفيلم بعد عرضه مباشرة بقاعة المؤتمرات بمدينة نصر بمهرجان القاهرة الدولي استقبالا حارا من النقاد العرب والمصريين، وجدوا فيه دماء جديدة، وأملا واعدا، وخرج الفيلم بجائزة العمل الأول، وأشاد به رئيس لجنة التحكيم الناقد الانجليزي دافيد روبرتسون، ولابد من الاشادة بدور مهندس المناظر أنسي أبوسيف في تجسيد الحارة مجتمعا وروحا. نقفز الى فيلم الكاشف الثالث والأخير ـ مع نفس الكاتب سامي السيوي، فهناك أكثر من مفردة تجمع بين ليه يا بنفسج 1992 والساحر 2001 الحارة الشعبية مع نفس منسق المناظر أنسي أبوسيف، الشخصيات المهمشة، وقائع الحياة اليومية: الطيور، الحيوان، الأطفال، مع اختلاف الشخصيات والظروف، وطبقا للكاشف نفسه فإن الساحر ليس عن عالم المهمشين ولكن عن دنيا الفقراء الذين يشكلون غالبية المصريين الذين يحدث لهم تهميش مع انسانية وسط ظروفها المتجهمة. رغم الاجماع على واقعية الفيلم، فإن الناقد والمخرج التسجيلي هاشم النحاس يرى أنه ليس من الواقعية فهناك من الملامح الواضحة ما يفصله عنها وقد يقدم القطيعة بينهما، وفي ذلك ما يمثل ارهاصا لاضافة جديدة يشارك فيها الفيلم في خلق تيار جديد في السينما المصرية.. فقد اعتمد الفيلم منطقا لا تحكمه قوانين الواقع العقلية التي تربط بحدة بين الفعل ورد الفعل، وإنما هو منطق الأحلام حيث تسير الأحداث وفق اللاشعور وفي غياب سيطرة العقل الصارمة. والعنوان الكامل للفيلم الساحر.. نظرية البهجة.. فالساحر يريد أن يدخل البهجة على حياة المهمشين لكأنما بيوت الحي المتداعية تتساند على بعضها بعضا، يتكاتف أبطال الساحر كي تسير الحياة كما يقول الناقد كمال رمزي يجسده محمود عبدالعزيز الذي يملأ الفيلم بحرارة الانفعالات المتدفقة بسلاسة.. ويقول أن الفيلم يفيض بالتسامح معبقاً بالرحمة، نماذجه تتكئ على بعضها بعضا، كي تتواصل، وتستكمل مسيرة حياتها، وتحقق بهجة العقلية بين السبب والنتيجة يرى النحاس أن أحداث الفيلم غير معقولة، لكنها من وجهة نظر الحلم الذي يسير وفقا لمتطلبات اللاشعور تكتسب تبريرها، ومن خلال هذا المنطق الخاص المثير بالخيال والقابل للتجاوب مع لا شعور المشاهدين، يحقق الفيلم لمشاهديه المتعة. في حين ترى الناقدة خيرية البشلاوي أن الفيلم عمل فني ناقص، أحداثه مفتعلة، قصته سوقية، خمر وجنس.. وأنه يمثل سينما فاجرة ومستفزة تتحدى كل القيم... ترى أن هناك واقعية مزيفة.. شخصيات تمتهن أدوارا لا وجود لها في الواقع، وأن الفيلم يصيبه قدر غير قليل من الطول غير المبرر دراميا وهناك مشاهد تصل الى حد الترهل وتصيب المشاهد بالملل وأخرى لا لزوم لها لأنها تكرار لا طائل منه، وهناك شخصيات مفروضة لدواعي التسلية وخضوع للشباك ونرى أن الأغنية في الفيلم تكرس تيار السوقية واللافن الذي يسيطر على سوق الكاسيت والأغاني ويعكس حالة التخريف والاغتراب التي أصابت أذواق الشباب. والفيلم نفسه يدخل ضمن هذه الأشياء! وإذا كانت الآراء النقدية قد اختلفت وتضاربت حول فيلم الساحر فقد كانت أشد اختلافا وتضاربا مع فيلم الكاشف الثاني عرق البلح 1998 رفعه البعض الى مصاف الكلاسيكيات العظمى، مثل المومياء لشادي عبدالسلام، وهبط به البعض الآخر الى المتاجرة بالفلكلور والغرائبية وبيعه للأجانب والمهرجانات، وأصاب الفيلم سوء حظ مع الجمهور بسبب أو آخر رفع بعد أسبوعين، وكان الكاشف نفسه يتهم مثقفي القاهرة ونقادها أنهم لن يهضموا الفيلم بسهولة! وهناك بعض الوشائج بين فيلم الكاشف القصير الجنوبية ـ فيلم تخرجه من معهد السينما ـ وفيلم عرق البلح.. وموضوعه المرأة في الصعيد الأم المكافحة، الفتاة الحالمة، المرأة المقهورة، الخادمة في القاهرة، وتبدو تقاليد المجتمع ضاغطة، وحاول الكاشف أن يجرب كسر كل أشكال السرد في الأفلام المصرية كما كتب الناقد سمير فريد الذي نشر له في كتالوج المسابقة العشرين للافلام الروائية والتسجيلية حيث عرض الفيلم في الافتتاح دراسة حول الفيلم أوضح فيه أن المكان الصعيدي شرط يعبر من خلاله رضوان الكاشف عن رؤيته للحياة والعالم.. هنا القرية الصعيدية التي تجمع بين التقاليد الصارمة والفقر الشديد وبين وجودها في زماننا المعاصر وبعدها عن كل مظاهر الحداثة في القرن العشرين، ويرى البناء الدرامي للفيلم أقرب الى التراجيديا الكلاسيكية ـ مقدمة ـ وتمهيد ثم ذروة ونهاية أسلوب الاخراج يحول الواقع الى أسطورة وهو ما يتناسب مع رؤية الفنان.. يختم بقوله: إننا أمام عمل فني يثير الفرحة بالجمال، ويعوض عن النقص الكامن في الحياة. ويعتبر الدكتور خليل فاضل استشاري الطب النفسي فيلم «عرق البلح» أهم فيلم في السينما المصرية خلال العشرين سنة الأخيرة، وأنه استفاد من تجارب سينمائية أدبية واجتماعية هامة للجنوب المصري وأنه يقع في دائرة الأفلام ذات الثقافة الخاصة، ليس بمعنى التغرب أو السحر ولكن بمعنى شدة الخصوصية ـ ويرى أن الفيلم استفاد من قصة يحيي الطاهر عبدالله العالية واستفاد من المومياء تلك المساحات الضوئية والمكانية والمعمارية، الزمانية والعبقرية، وهذا لا ينتقص منه، بل يضيف الى روعة مخرجه وموسوعيته، فخرج لنا بلغة سينمائية خاصة وعالمية، قوية ومتماسكة، معبرة عن الداخل والخارج ـ الوعي واللاوعي ـ عن الماضي والحاضر والمستقبل، لغة متعادلة تغزل وتنسج وتحيك لوحات جميلة تدفع الدمع الى العين والصرخة الى الحلق. ويضيف أن الفيلم جرئ الى ابعد الحدود استخدم كل عناصر التعبير السينمائي التقليدي والحديث في تمكن وهدوء وبلاغة لا يحسد عليها.. ويتمحور حول الجنس، الجنس البشري والجنس كعلاقة.. عن علاقة الانسان بجسده.. علاقة المرأة برغباتها.. فيلم عن الهجرة المؤقتة والدائمة.. حدوتة الذي يذهب ولا يعود، أو يعود مضطربا موجوعا متألما.. عرق البلح.. حصد جوائز كثيرة في مهرجانات محلية وعربية ودولية.. لكنه لم يصل الى جمهوره.. هل يمكن أن يرد له اعتباره باعادة عرضه بعد رحيل مبدعه؟ كان رضوان الكاشف رحمه الله قد بدأ في مشروع فيلمه الرابع.. عقبال عندكم.. وكاد يعد لمشروع فيلم آخر عن غربة المثقفين.. ومضى أحد رموز سينما عربية جديدة.. أراد أن يعبر عن هموم الناس.. وعن رؤيته الجمالية والفكرية. القاهرة ـ مكتب «البيان»