ربما تكون الثورة الإيرانية من الأحداث البارزة التي شهدها العالم في العقود الأخيرة من القرن المنصرم. فلقد كان للنتائج التي طرحتها تلك الثورة على الساحة العالمية دور واضح في إعادة النظر في التوازن الدولي والإقليمي. ومن جانب آخر وبعد أن كانت إيران الشاه الحليف الأكبر لأميركا باتت الآن وبعد الثورة العدو الأول لواشنطن، ووصلت قمة الأحداث في أزمة السفارة الاميركية في طهران وما تلاها من تأزم في العلاقات لم ينته حتى الوقت الحالي. وقدر لأسلوب الحركة السياسية بالصورة الإيرانية أن يجعل الغرب، وربما بعض الدول المجاورة لإيران كتركيا وروسيا أن تتوجس خيفة . والعامل الآخر المهم إن الثورة الإيرانية باتت أشبه بحصان طروادة بالنسبة لبعض القوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة، التي ترى فيها نموذجاً سار على دربه معظم الحركات الإسلامية التي تعتبرها واشنطن «إرهابية» طالما إنها لا تساير الأهداف الاميركية في الهيمنة وبسط النفوذ سياسياً على معظم مناطق المعمورة. قد يكون ممكناً القول إن المؤلفة روبن رايت في كتابها الذي نناقشه هنا والذي يعالج التحول في إيران هي من أفضل من كتب عن الثورة الإيرانية وتحولاتها التي حصلت في داخل المجتمع الإيراني في موجة مما يمكن تسميته بـ «ثورات داخل الثورة»، فلقد كانت المؤلفة على علاقة وثيقة مع إيران بدءاً من العام 1973-كما تشير في الفصل الأول- حيث سافرت إلى هناك صحافية شابة عندما كان البلد يختلف كلية عما بات عليه بعد عام 1979، أي عقب انطلاق الثورة. ولم تنقطع زياراتها أبداً حتى بعد الثورة، حيث دأبت على هذا الأمر والتقت بالكثير من النساء الإيرانيات من مختلف الشرائح أو أقامت علاقات وطيدة معهن، بدءاً من السيدة زهراء مصطفوي ابنة الإمام الخميني. وفي كتابها الذي نناقشه هنا تنظر إلى حقيقة التغيير والتحول حيث تؤرخ لايران ما بعد الثورة بثلاث جمهوريات: الأولى تمتد من (1979-1989 والتي انتهت بوفاة الإمام الخميني)، والثانية تشمل السنوات (1989-1997 والتي انتهت بوصول الرئيس خاتمي إلى سدة الحكم)، والثالثة تبدأ من (1997 وتتواصل حتى الآن) . ويقوم هذا التصنيف على أساس التغييرات والإصلاحات التي طرأت داخل الساحة الإيرانية من خلال هوية الرئيس الذي تم انتخابه. وربما كان من الامور التي اكسبت الكتاب متعة وأهمية انه تاريخ قامت المؤلفة بجمعه من داخل الساحة الإيرانية عبر لقاءاتها المتعددة والمتكررة لكثير من الناس الذين صادفتهم وبحثها المضني بين ارشيفات المؤسسات الإيرانية والمسئولين واستيضاحهم عن جملة من الأمور التي قامت بسردها والتعليق عليها بين ثنايا كتابها الحالي، وهو أشبه ما يكون في بعض الفصول التي تتحدث عن تاريخ بعض المدن الإيرانية بكتاب رحلات أكثر منه ببحث سياسي واقتصادي. مصادر الاهمية تنطلق الكاتبة في رأيها القائل بأن الثورة الإيرانية آخر الثورات الكبيرة في العهد الحديث من اسباب عديدة يتعلق بعضها بطبيعة الثورة ذاتها التي رفعت الإسلام شعاراً لها وبالأهمية الجيوسياسية لإيران وبالتغير الذي طرأ على الساحة الإيرانية والدولية وأثرها فيما بعد. فقد اتسم العصر الحديث- خاصة القرن العشرين- بحدوث تغير رئيسي وبارز على الصعيد السياسي، تمثل بامتداد الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى أبعد زوايا الأرض ليستوعب جميع المجموعات العرقية والأجناس والأديان بما فيها أيضاً الجنسان على حد سواء. وفي الوقت الذي أدخلت الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر مفهوم المساواة والحرية المدنية كأساس للديمقراطية الحديثة، قام البلاشفة بالإطاحة بقياصرة آل رومانوف الروس في بداية القرن العشرين لكي يتم تحقيق المساواة التي تلغي الطبقات الاجتماعية. ومثل هاتين الثورتين-كما ترى المؤلفة- قد أرست بدورها الأفكار التي أطاحت بالملكيات والدكتاتوريات الصغيرة على نطاق العالم وعرّفت الطيف السياسي الذي حل محلها. وأكتسب هذا التغيير الذي عصف بالعالم بعد الحرب العالمية الثانية أهمية كبرى بالنسبة لما حصل في الساحة الإيرانية لأن الكتلة الإسلامية التي تشغل أكثر من 50 دولة من دول العالم الـ 191 قد عارضت، وفقاً لرأي المؤلفة، موجة الإصلاح الديمقراطي التي اجتاحت بقية العالم، بينما أكملت إيران العملية التي شنتها الأفكار الغربية. وتضيف المؤلفة إن الثورة في إيران قد أدخلت فكرة جديدة للأفق السياسي العالمي الحديث، تماماً كما فعلت سابقاتها من الثورات. ففي دولة كان مصير أفراد المعارضة الزج في غياهب السجون أو النفي، أرست مثل هذه الثورة سابقة، فقد أصبحت إيران جمهورية عصرية تقوم على أساس مزيج فريد من القانون الإسلامي والأوروبي الذي يستعير الأفكار من الدول الغربية. وهذا القانون يدعو للانتخابات القومية والإقليمية والمحلية يساهم فيه جميع الذكور والإناث ممن هم في سن الخامسة عشرة فما فوق. وثانياً تتعلق الأهمية التي كسبتها الثورة بموقع إيران الجغرافي. فمن جانب تقف إيران جسراً بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا لأنها البلد المسلم الوحيد للشعب الآري، وهو العنصر الهند-أوروبي الذي نالت إيران منه اسمها المعاصر. زد على ذلك أنه قد ساهمت سلسلتا الجبال الكبيرتان البورز وزاغروس والأشكال المائية الثلاثة المتمثلة ببحر قزوين والخليج والمحيط الهندي في عزل هذه الدولة عن جيرانها، العرب إلى الغرب ووسط آسيا إلى الشمال والكتلة الهندية-الأفغانية-الباكستانية إلى الجنوب الشرقي بينما تقف إلى الشرق كتلة المسلمين الآسيوية. أما من حيث الجانب السياسي فتعتقد روبن أن إيران تتمتع فعلياً بتجربة سياسية أكبر من بقية الدول الإسلامية التي تكونت أو نالت استقلالها من القوى الاستعمارية الأوروبية في القرن العشرين. فقد أنجبت الحضارة الإيرانية التي تمتد نحواً من 2500 سنة شعوراً بالأهمية التاريخية ودوراً في تشكيل العالم وبيئة فكرية لكبار الكتاب والفلاسفة الذين أسهموا بشكل ما في طرح أفكار جديدة أفضت بالمحصلة إلى ولادة الروح الثورية. وظلت إيران مطمعاً للجيوش الغازية من الإغريق القدماء حتى البريطانيين حديثاً والتي جلبت معها أفكاراً جديدة ساهمت في تكيف الإيرانيين للكثير من التقاليد والمفاهيم والمهارات من الثقافات الأخرى بدءاً من الطب وليس انتهاء بالإنجليزية كلغة ثانية. لذلك تشير المؤلفة الى ان السعي للحصول على السلطة في إيران لم ينفجر فجأة في عام 1979، بل ركز تيار القرن بكامله من خلال حالتي ثوران سابقتين على إنهاء حكم السلالات. المراحل الثلاث للجمهورية تقول المؤلفة في معرض حديثها وتصورها عن تاريخ الثورة الإيرانية إن هناك ثلاث مراحل أو ثلاث جمهوريات مرت بها الثورة منذ عام 1979 وحتى الوقت الحالي. وهذه التصنيفات تقوم على أساس ما لاحظته المؤلفة من تغيير سياسي أو اجتماعي بارز طرأ داخل إيران تمثل بوقوع أحداث مهمة كانت لها اليد الطولى في تسيير تلك التغييرات، كوفاة الإمام الخميني أو قدوم رئيس جديد بأجندة سياسية مختلفة عمن سبقه. وتؤرخ المؤلفة المرحلة الأولى للثورة بالعام 1979 حينما غادر الشاه محمد رضا بهلوي والأمبراطورة فرح ديبا عرش الطاووس ليعود الإمام الخميني من باريس منتصراً ومعلناً قيام الجمهورية الإسلامية. وكانت تلك المرحلة-كما تشير المؤلفة - من أحرج الفترات وأكثرها تحدياً. فمن جانب تجسدت الصور القوية لسنوات الثورة البكر والتي مازال الكثير منها يعتمل في الذاكرة. وأشعلت عملية الاستيلاء على السفارة الاميركية في طهران واحتجاز اثنين وخمسين من موظفيها كرهائن، في رد فعل إيراني على تدخل أميركا في الشئون الداخلية لإيران، أزمة حقيقية بين الدولتين لم تنته مخاضاتها إلى الآن وعلى الرغم من إطلاق سراح الرهائن بعد ما يقرب 444 يوماً من الاحتجاز. وكان الخطر الأعظم-حسب رأي المؤلفة- الذي حاق بالجمهورية الأولى قد تمثل في العام 1980 عندما اندلعت الحرب بين العراق وإيران. وفي السنة الأخيرة للجمهورية الأولى بلغت الثورة منعطفاً كبيراً وأُرغم النظام في منتصف العام 1988 على إنهاء حالة اندفاع الجيش في عدة جبهات والشروع بعملية الانسحاب. وبدأ ذلك الأمر بقبول إيران بقرار مجلس الأمن الذي أعلن وقف إطلاق في أغسطس عام 1988. وتعلق المؤلفة بأن الخيار المحدود الذي لاح أمام إيران، خاصة بعد أن أسقطت أميركا طائرة النقل المدنية الإيرانية وقتل جميع ركابها البالغ عددهم 290، قد دفع الإمام الخميني للقول بان الموافقة على ذلك القرار كانت أشبه بتجرع السم. وعلى الصعيد الداخلي اتسمت الجمهورية الأولى بكثرة الرؤساء، فالرئيس الأول عبد الحسن بني صدر قد فر من البلاد سراً في يونيو عام 1981 بينما لقى الرئيس الثاني (وهو الرئيس بهشتي الذي لم تذكره المؤلفة) لقي حتفه في انفجار قنبلة في أغسطس في العام ذاته بعد خمسة أسابيع من انتخابه. وهكذا مضى الإيرانيون وللمرة الثالثة في غضون 21 شهراً لانتخاب رئيس جديد، وفاز فيها هذه المرة علي خامنئي، رجل الدين وأحد تلامذة الخميني الذي تعرض للحبس ثلاث مرات في عهد الشاه، وأُصيب إصابة بالغة عندما قاد تجمعاً لصلاة الجمعة في طهران في شهر يونيو عام 1979، وقبل اندلاع الثورة. وترى روبن في النتيجة الانتخابية لعام 1981 نقطة تحول حرجة في التاريخ الداخلي لإيران حيث لم يعد رجال الدين مجرد مراقبين أو صورة محدودة لتمثيل الدولة. وهكذا سارت الحكومة الجديدة الإسلامية وبعد وصولها إلى سدة الرئاسة بين عام 1979 و1982 بخطى حثيثة حيث أعادت تشكيل جميع نواحي الحياة الاجتماعية بدءاً من الكتب المدرسية إلى أنظمة اللبس والموسيقى. وخلال تلك الفترة أيضاً بدأت إيران تشكل نموذجاً يتأمله الكثيرون على امتداد العالم. بدأت بعد الحرب العراقية ـ الايرانية مرحلة أخرى بشرّت بحدوث انفتاح جديد. وتؤرخ روبن المرحلة الثانية أو الجمهورية الثانية من الثورة في الفترة الممتدة بين منتصف عام 1989 وحتى منتصف عام 1997، وهي الفترة التي بدأت بوفاة الإمام الخميني حسب قولها. وأهم ما يميز تلك الفترة وصول علي أكبر هاشمي رفسنجاني إلى سدة الرئاسة الإيرانية عندما فاز في فترتين انتخابيتين. وكان رفسنجاني في نظر المؤلفة أفضل سياسي إيراني نظراً لما يتمتع به من ذكاء جذاب وابتسامة دائمة، وسعيه الحثيث لتحقيق فترة من النقاهة. فلقد كان جوهر الجمهورية الثانية يتمثل في العبور إلى ما وراء المرحلة الخمينية من دون أن يعني ذلك بالضرورة رفض أفكار الإمام أو إنكار أهمية تأثير الإسلام، إذ يتعلق الأمر بتغير الأولويات والممارسات. وبدأ رفسنجاني عمله بقوة وأحدث عدة تغييرات كان من أهمها إعادة تصميم هيكلية السلطة وتعزيز موقعه من خلال إجراء أكبر عدد من الإصلاحات الدستورية. وهكذا تم تحويل منصب الرئاسة إلى أعلى المناصب الحكومية بينما تمتع المرشد الأعلى بالسلطات الادارية لكنه فقد دوره السابق المتمثل بكونه أعلى سلطة دينية. وأنصب كل اهتمام الرئيس رفسنجاني داخلياً كما تذكر المؤلفة في مسعاه للانتقال إلى حالة إعادة. وعلى الصعيد الاقتصادي شرع الرئيس رفسنجاني بسلسلة من الخطوات فقام بخصخصة الأعمال التي تم تأميمها بعد الثورة وفتح البلد على مصراعيه أمام الاستثمار الأجنبي الذي كان محظوراً منذ الثورة وأقام علاقات دبلوماسية قوية مع العالم الخارجي. وفي الفترة الرئاسية الثانية (1993-1997) بدأت الثورة بالانقلاب على نفسها وتوسعت الانقسامات ولم يصادق البرلمان على تشريعات كبيرة في الفترة الممتدة ما بين 1992 و1996، حيث انهمك في مناقشة الأمور الأخلاقية مثل تأثير الفيديو على تقاليد الشعب. وفي تلك المرحلة تعددت المشكلات الاقتصادية والتي تتطرق المؤلفة إلى البعض منها. وهكذا تخلص المؤلفة للقول إن نهاية الجمهورية الثانية قد طرحت تهديداً يماثل، إن لم يكن أصعب، ما كانت عليه الحال عند نهاية الجمهورية الأولى وتمثل بالحاجة إلى إحداث تغيير داخلي جذري. ثم تنتقل المؤلفة للحديث عن الجمهورية الثالثة وتقول إن نهاية الجمهورية الثانية قد سجل نقطة تحول أخرى، فكانت عشية انتخابات عام 1997 من أحرج الفترات التي مرت بها الثورة في تاريخها غير الطويل. وبعد أن هيمن المتشددون على الجمهورية الأولى وقاد البراغماتيون العمليون المركز السياسي أشار اقتراع الرأي لاختيار خلف رفسنجاني الى ان الأمور كانت تتجه صوب تحقيق نصر للمحافظين من شأنه أن يعزز هيمنة اليمين على السلطة. وترى المؤلفة إن المرشد الأعلى وكبار القضاة وأعلى مراتب الجيش وأغلبية البرلمان قد ساندوا الناطق باسم البرلمان ناطق نوري الذي يعد احد أبرز المحافظين. وفي الحقيقة كان التأييد لنوري سابقة تاريخية في حصول أي مرشح على ذلك، إذ لم يعلن المسئولون الإيرانيون صراحة ومن دون تردد تأييداً مثل هذا لأي مرشح من قبل. وهنا تعرض روبن رأي بعض الناخبين الإيرانيين وتقول إن استياء الشعب حيال ناطق نوري كان عميقاً جداً بحيث تعرّض لهزيمة منكرة في اقتراع الرأي لصالح المرشح محمد خاتمي الذي أعلن في حملته الانتخابية عن رغبته باستعادة حكم القانون وتكوين مجتمع مدني. وحقق له ذلك انتصاراً مذهلاً في العام 1997 بلغ ما نسبته 70 من أصوات الناخبين الذين لم يمنحوا مثل هذا العدد الاّ في الانتخابات الأولى قبل جيل عندما أُجريت الانتخابات للمصادقة على الثورة. وترى المؤلفة أن فوز خاتمي في الانتخابات وضع نهاية مفاجئة لثماني سنوات من عمر الجمهورية الثانية لأنها أطلقت مرحلة جديدة من النقاهة سار فيها الرئيس خاتمي بالاتجاه الصحيح. فقد شرع بالمبادرات في الثمانية عشر شهر الأولى وشجع الآخرين الذين كانوا خارج حلقة الحكومة ودعا إلى تشكيل الأحزاب السياسية. واتسمت الإصلاحات التي أحدثها خاتمي بأنها لم تقتصر على الداخل، بل امتدت لتشمل علاقات إيران مع الخارج. فعلى الصعيد الداخلي كان للانتخابات المحلية التي أُجريت في بداية عام 1999 دور في توزيع السلطة بعيداً عن المركز، كما نص على ذلك الدستور أصلاً من دون أن يتم تنفيذ ذلك. وتم إلغاء الحظر المفروض على الأفلام والكتب بينما منحت التراخيص لعشرات الصحف والمجلات التي أخذ بعضها بنشر الموضوعات الناقدة للنظام أو قام بإجراء اللقاءات مع مسئولين اميركيين. وعلى الصعيد الخارجي بادر الرئيس خاتمي بخطوات إيجابية لتحسين العلاقات مع العالم الخارجي حيث أعرب في أحد لقاءاته مع السي ان ان عن رغبته بالتبادل الثقافي بين الإيرانيين والاميركيين ودعا إلى عبور «جدار اللاثقة» بينهما. ثم تخلص المؤلفة للقول إن الاختلاف الأكبر والأبرز بين الجمهورية الثالثة والجمهوريتين السابقتين إن قيادة الجمهورية الثالثة جاءت من بين صفوف الشارع الإيراني وليس من المكاتب السياسية. (في إشارة منها على ما يبدو لتصويت الشعب لصالح الرئيس خاتمي). وبعد عرض المؤلفة التاريخي لما تنعته بالجمهوريات الثلاث وتأكيدها على أهم التحديات والتغيرات في تلك الفترات من عمر الثورة الإيرانية وما جرى من عمليات إصلاحية تنتقل للحديث عن نجاح الثورات بصورة عامة، وليس الثورة الإيرانية حسب. وتقول إن أحد الأساليب في تقويم مدى نجاح الثورة او عدم توفيقها من خلال التعرف على مشاعر الناس عن الحكم الذي تم استبداله، وهو حكم الشاه في الحالة الإيرانية. وتشير المؤلفة هنا إلى أن معظم الإيرانيين حالياً وبعد أكثر من عشرين عاماً على انتهاء حكم الشاه لا يكنون الاّ بعض المشاعر المحدودة تجاهه تحولات ثقافية تظهر روبن بعضاً من جوانب الحياة التي باتت مختلفة عن سيرتها الأولى إبان الأيام الأولى للثورة، حيث شهدت هذه القطاعات تغيراً كبيراً. فإيران التي تؤكد بشدة على ثقافتها وإنجازاتها الفنية قد أخذت تقبل ببطء التعابير الفنية التي لا تقوض الحساسيات السائدة، بحيث بدا العالم الخارجي كأنه عاد على أعقابه تدريجياً صوب إيران. وبالنسبة للأجانب والثقافة الغربية بات وجود الأجانب أمراً مألوفاً داخل إيران حتى بالنسبة للأميركيين حيث جاء الكثير من الناشرين الاميركيين لأول مرة في بداية التسعينيات للمشاركة في معرض الكتاب الدولي السنوي وخصصت لهم أكشاك في بعض أجنحة المعرض. وتقول المؤلفة نقلاً عن أحد كبار المسئولين الإيرانيين إنه يمكن حتى للاميركيين الذين كانوا رهائن داخل السفارة الاميركية في عام 1979 العودة بحرية وزيارة إيران متى شاؤوا. وكان للثقافة الغربية دور واضح في إحداث بعض التغييرات على الساحة الثقافية الإيرانية. فبعد أن سعت الثورة إلى عزل إيران عن التهديد المتمثل بهيمنة النفوذ الغربي والشروع أولاً بحملة إصلاح ثقافي لتحرير الشباب من الاعتماد على الغرب، لم يكن ذلك ليستمر كما كانت عليه الأمور في السنوات الأولى للثورة إذ أيقنت إيران في بداية التسعينيات بأن من المتعذر عليها غلق أبوابها عن العالم الخارجي. وتعزو المؤلفة ذلك لسببين يتعلق أحدهما بالشعور بالثقة بأن الثورة قوية وليس من السهل إضعافها أو تقويضها، خاصة عندما بقي نظام الدولة سليماً معافى بعد رحيل الإمام الخميني وبعد الحرب مع العراق ومرور عقد من العقوبات الاقتصادية الاميركية التي فرضت على إيران. وثانياً أجبرت علاقات إيران الاقتصادية مع العالم، السائر بسرعة صوب العولمة بعد زوال الشيوعية، الفعاليات الايرانية على الخروج من تلك العزلة. وكان من نتائج ذلك أن تنشر الصحف الإيرانية قصص الدمى المتحركة الاميركية والأخبار اليومية عن الغرب، في حين كان الكثير من المسئولين الحكوميين الإيرانيين والأكاديميين وموظفي الصحف وبعض الشخصيات العسكرية عرضة للسؤال أو اللقاء من جانب القنوات الإخبارية كـ «سي إن إن» وهيئة الإذاعة البريطانية. وشهد الصعيد الفني والأدبي بدوره تطوراً وانفتاحاً على الثقافة الغربية. وتبيّن المؤلفة ان عقد التسعينيات قد اتسم بالانفتاح الثقافي، في مسعى من جانب الرئيس رفسنجاني لنقل تركيز إيران من التعصب صوب البراغماتية في عهد الجمهورية الثانية للثورة. وقام مسرح المدينة في طهران بعرض نسخ فارسية لأعمال شكسبير الكلاسيكية مثل تاجر البندقية أو بعض الأعمال المعاصرة مثل «البوتقة» لآرثر ميللر في حين بدأت صحيفة «طهران تايمز»، المكرسة للحديث عن الآيات القرآنية والمفكرين الإسلاميين، باقتباس مقولات أو أشعار كيتس وفولتير وبقية كبار الكتاب الغربيين. وازدهرت حركة الترجمة كثيراً ولم تعد الكتب المترجمة تتعلق بالكتاب الكبار من الجيل السابق مثل همنغواي وفوكنر وشتاينبك فحسب، بل توسعت لتشمل ترجمات لأعمال كتّاب معاصرين مثل جون كريشمان ودانيل ستيل. ولم تستثن المؤلفة التلفاز والسينما الايرانيين حيث تقول إنها بدأت تعرض الأفلام الأجنبية والغربية على الدوام في صالات السينما، بهدف تقوية صناعة السينما الوطنية وتعزيز دورها. وتحقق هذا النجاح فعلاً بسلسلة من الأفلام الإيرانية مثل البالون الأبيض وهانون وعاصفة التراب الذي يتناول المحاولة الاميركية الفاشلة في عام 1980 لإنقاذ الرهائن الاميركيين في طهران. وتعلل روبن السر وراء نجاح السينما الإيرانية في عهد ما بعد الثورة بالطروحات الجديدة التي جاءت بها الثورة، حيث بات التركيز على قضايا المجتمع الإيراني فقط من دون أن يتعلق مغزى الأفلام بالمجتمعات الأخرى. وبالنسبة لما حصل فيما يخص بالدور النسوي فتقول المؤلفة إن التسعينيات شهدت ثورة داخل الثورة الإيرانية ألهمت معها حركة نسوية قوية عميقة الجذور وأمتد تأثيرها ليستوعب كامل جوانب الحياة في إيران. ففي الجانب السياسي خاضت أكثر من 200 امرأة بشكل غبر مسبوق حملة انتخابية للحصول على 270 مقعداً في البرلمان عام 1996 وفازت 14 منهن، وهو أكثر من إجمالي عدد النساء في مجلس الشيوخ الاميركي في حينها. وفي العام 1997 سجلت أربع نساء ضمن قائمة الترشيح للرئاسة حيث كشف اقتراع الرأي الذي اضطلعت به مجلة «زنان» تأييد 72% من الإيرانيين لفكرة تولي امرأة سدة الرئاسة. وعندما احتفلت الثورة بالذكرى العشرين شغل عدد النساء الموظفات في الحكومة ثلث إجمالي العدد الكامل من موظفي الدولة حيث عملت 342 امرأة منهن بمنصب المدير العام في مختلف الوزارات. وبالنسبة للوظائف المهنية تقول روبن إن الأعداد المتزايدة من النساء الإيرانيات أصبحن يزاولن مهناً متنوعة كطبيبات ومهندسات وأستاذات جامعيات ومحررات في الصحف والمجلات ومهندسات ومدربات ومذيعات لنشرات الأخبار. وبلغ عدد الناشرات الإيرانيات نحواً من 140 وهو العدد الذي تراه المؤلفة كافياً لإقامة معرض للكتب والمجلات. وفي مجال الفنون شقت المرأة الإيرانية دربها وباتت رسامة ومؤلفة ومصممة ومصورة ومنتجة أفلام ومخرجة ونجمة سينمائية فازت بجوائز دولية في مضمار السينما. وامتد الأمر كذلك إلى حقل التعليم حيث اُعتبرت إيران في عام 1998 من بين الدول العشر التي تمكنت من تحقيق أكبر تقدم لسد الهوة في النظام التعليمي بين البنين والبنات. وبلغت نسبة البنات في تلك السنة نحواً من 95 بينما كانت نسبة الدارسات في الجامعة 40 بالمقارنة مع 28 في العام 1978. وتعزو المؤلفة مثل هذا التحول، والذي منح المرأة دوراً ومساهمة أكبر في المجتمع، إلى حد ما بالظروف التي ألمت بإيران. فالحرب مع العراق حولّت اليد العاملة صوب جبهات القتال لمدة ثمانية أعوام حيث ظهرت الحاجة الملحة للمرأة في ميدان العمل وللمساعدة في المجهود الحربي. وكذلك سلّط الانفجار السكاني ضغطاً هائلاً ومطالب عديدة على الحكومة لتوسع بسرعة دواوينها ومدارسها والمؤسسات الصحية والخدمات الاجتماعية الأخرى التي من المتعذر لها العمل من دون وجود العنصر النسائي. المستقبل والتحديات تنتقل روبن، بعد الحديث عن مشاهدتها لبعض المدن الإيرانية كطهران وشيراز وقم والوقوف عند أهم المعالم التاريخية والحضارية لهذه المدن والحديث عنها بتفصيل، لطرح رؤيتها المستقبلية عن إيران الثورة، وهي رؤية تنبع من فكرها الخاص. وتقول إن البلد الذي يعتبر نفسه واحداً من القوى الكبرى تاريخياً وذا حضارة غنية متجددة الأهداف قد بدأت تواجهه مشكلات تراكمية بالنسبة للشباب. فهذه الأعداد المتزايدة وقدراتهم النابعة من تعدد مؤهلاتهم العلمية وطاقاتهم الكامنة لديهم ستدفع البلد نحو مزيد من التغيير. وتضرب لنا المثال الذي حصل عند انتخاب الرئيس محمد خاتمي عام 1997، لأن فوزه الساحق في الانتخابات كان من أهم وأبرز أسبابه تصويت الشباب لانتخابه. وإذا ما عجزت قيادته عن «تلبية مطالب الشباب فان الحلقة الأكثر أهمية بين كتلة الناخبين ستطالب بتغيير أكثر جدية. لذلك كان الرئيس خاتمي نتاجاً لهذا التغيير، وليس قائده. ومثل هذا التحول-كما تخلص المؤلفة- في صورة الشباب وتوجهاتهم التي باتت مختلفة عن شباب الثورة الذين قاموا باحتلال السفارة الاميركية عام 1979 قد ساهم في ايجاد مناخ جديد من «ثورة داخل الثورة» تعدى تأثيره ليشمل حقوق المرأة والتقاليد الفنية والاجتماعية بين كافة أفراد المجتمع، بحيث ان إيران وفقاً لرأي المؤلفة قد شهدت ثورات أخرى غير عام 1979 مما يمنحها صفة الثورات الكبيرة كتلك التي حصلت في فرنسا.