في ظهيرة الحادي والثلاثين من يوليو 1928، التقط رجل يدعى جورج رينت، كان يتمشى على شاطئ فلينت بشمالي ويلز، قنينة بداخلها قطعة من الورق كانت القنينة مقفلة باحكام، فقام بكسرها على صخرة فانبعثت منها رائحة نفاذة لمادة حافظة، ربما تكون التربنتين وبدا وكأن الورقة قد فقدت لونها الاصلي، وانها انتزعت من دفتر جيب صغير لكنها كانت جافة والكتابة كانت واضحة. وكانت العبارة على الورقة تقول: «وداعاً لكم جميعاً. إلسي ماكي وكابتن هنتشليف العالقين في الضباب والعاصفة». لاح في البداية وكأن لغزاً ما جرى لـ «إلسي ماكي» الوريثة الجميلة ونجمة الأفلام السينمائية الصامتة، وكابتن راي هنتشليف، الطيار الاعور وبطل الحرب، الذي انطلق في شهر مارس من عام 1928 لعبور المحيط الاطلسي ولم يشاهد بعد ذلك ابداً ولكن الحقيقة هي ان اللغز لم يحل بتلك القصاصة من الورق فخط اليد الذي كتبت به الورقة لم يكن يشبه خط اي من الاثنين واسم هنتشليف كان مكتوباً بصورة خاطئة كانت تلك الرسالة خدعة ولم تكن الاولى ولا الاكثر اتقاناً. لقد اثر مصير كابتن هنتشليف وإلسي ماكي وكلاهما كانا في الثلاثينيات من عمرهما عندما اختفيا عن الأمة كلها، وانهمك اشخاص بارزون مثل سير آرثر كونان دويل وونستون تشرشل في هذه القضية. واليوم، لم تغب تلك الحادثة عن اذهان الناس رغم مرور كل تلك الفترة على وقوعها، مما يثبت مقولة ان الفشل البطولي يمكن ان يكون له صدى قوي كالانتصار البطولي تماماً. كانت الفكرة من وراء تلك الرحلة جريئة واستعراضية، وتهدف الى جني ثروة طائلة وتأمين مكان في قائمة عظماء الطيارين وكانت الخطة تقضي ان تقلع الطائرة الاحادية المحرك من كرانويل في مقاطعة لينكولنشاير وتصل بعد يومين الى نيويورك. كانت ماكي، صاحبة الفكرة والممولة للمشروع نموذجاً للمرأة الغنية المتحررة في العشرينيات وهي الابنة الثالثة من اصل اربع بنات للرجل الثري جيمس لايل ماكي، الذي كان من اباطرة الشحن ورئيس شركة «بي آند او» وعلى الرغم من انها كانت تتحدى والدها باستمرار، الا انها كانت المفضلة لديه لانها كانت تشبهه بارادتها القوية وتمردها. كانت ملامح البطولة تؤهلها للعب دور البطولة ففي سن العشرين، كانت اصغر ممثلة رئيسية في مسرح ويست اند بلندن وخلال الحرب، عملت كممرضة في مستشفى تديره والدتها والتقت بممثل من جنوب افريقيا يدعى دنيس ويندهام كان قد جرح اثناء قتاله في صفوف فوج ويلتشاير تزوج الاثنان سراً وضد رغبة والدها، الذي بدأ يتساءل اذا ما كانت الهدية التي قدمها لابنته في عيد ميلادها الحادي والعشرين والبالغة قيمتها مليون جنيه استرليني تعتبر خطوة حكيمة من جانبه. مثلت ماكي في ثمانية أفلام سينمائية بريطانية تحت اسم بوبي ويندهام الذي اكتسبته بعد زواجها، ومن بين تلك الافلام «ثلج في الصحراء» و«الموجة المدية» وفي عام 1922، توقفت عن التمثيل وتخلت عن زوجها واستعادت اسمها قبل الزواج، واخذت دروساً في الطيران واقتنت طائرتها الخاصة. لم يكن قد سبق لامرأة ان حلقت فوق الأطلسي في عام 1927 ولم يكن احد قد حلق من الشرق الى الغرب بعكس اتجاه الريح لكن إلسي ماكي قررت القيام بالأمرين وحاولت ان تجند صديقاً لها هو انتوني جوينسون ريفورد، الذي كان طياراً متمرساً ولكن الجرح الذي اصيب به في الحرب جعل الرحلات الجوية الطويلة امراً مستحيلاً بالنسبة له. كان الاقتراح الثاني هو كابتن راي هنتشليف فعلى الرغم من فقدانه لاحدى عينيه في الحرب، الا انه كان احد الطيارين التجاريين الأكثر خبرة في العالم. وجهت ماكي دعوة لهنتشليف للغداء في فندق ريتز في اكتوبر من عام 1927 وكان حاضراً ايضاً جوينسون ريفورد ومدير مصرفها ويتلخص العرض الذي قدم لهنتشليف في تحمله لمسئولية اختيار الطائرة وتجهيزها على ان يكون الطيار الرئيسي وسيكون راتبه 80 جنيهاً استرلينينياً في الشهر، وسيحتفظ بأموال الجوائز، وستقوم ماكي بالتأمين على حياته بمبلغ 10 آلاف جنيه وقد وافق هنتشليف على الاقتراح، فكانت بداية الرحلة. في الساعة الثامنة وخمس وثلاثين دقيقة صباحاً من يوم الثاني عشر من مارس عام 1928، انطلقت الطائرة «انديفر» تدرج على ارض المطار وعلى متنها ماكي وهنتشليف وبعد السير لمسافة ميل واحد، اقلعت الطائرة متجهة الى جنوبي ايرلندا، وشوهدت في الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً بالقرب من ووترفورد جنوبي ايرلندا كان الطقس قد بدأ بالتدهور على نحو غير متوقع فالثلوج الكثيفة كانت تتساقط والرؤية كانت منخفضة للغاية ثم شوهدت «انديفر» بعد ذلك من باخرة فرنسية على بعد 170 ميلاً من الساحل الايرلندي تتجه الى منطقة الطقس فيها بغاية السوء وكانت تلك هي آخر مرة تشاهد فيها الطائرة قبل ان تختفي ويختفي معها حقيقة ما جرى.