الحاج خلفان بن سالم بن سعيد النيادي احد ابناء النيادات الذين سميت منطقة النيادات باسم قبيلتهم وهي منطقة تحتل القلب من مدينة العين القديمة اشتهرت بالزراعة ووفرة المياه وكانت تلقى عناية خاصة من كل حكام العين منذ بداية القرن الماضي. يقول الحاج خلفان الذي عاصر فترات طويلة بدأت بعد نهاية القرن الماضي بقليل حيث يتجاوز عمره التسعين عاماً الآن، ولدت بمدينة العين بمنطقة النيادات التي كانت تسكنها قبيلتنا منذ مئات السنين وقد ولدت في عهد خليفة الأول وكنت في صغري صديقاً لخليفة الثاني ولكن فترة شبابي وحيويتي عشتها في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان رحمه الله. كانت حياتنا على بساطتها رائعة سهلة لا تعقيد فيها ولا اوراق ولا رسميات كنا نعرف بعضنا جميعا وكنا نخاف على بعضنا البعض ونتكافل ونتعاضد في المسرات وفي الاحزان، لم يكن هناك انانية او نزعات نحو الافضل، كانت حياتنا بمنتهى البساطة وبمنتهى السهولة لكنها في نفس الوقت كانت حياة قاسية فيها من شظف العيش اكثر ما فيها من راحة ونعيم، لذا كنا نعتمد على ما يرسله الله لنا من رزق وكان عملنا جميعاً بصفة عامة يعتمد على الزراعة والرعي وجمع الحطب. ويضيف كنا نسخم من شجر السمر ثم نذهب الى دبي لبيع السخام والبقاء في دبي بضعة ايام لشراء احتياجاتنا ثم نعود ادراجنا الى العين مرة اخرى ولكن ذلك كان يتم في فصل الشتاء حيث كانت الرحلة تستغرق في ذلك الوقت اكثر من اسبوعين ذهاباً وعودة وكانت حرارة الشمس لا تساعدنا على القيام بهذه الرحلة صيفاً، ومع ذلك فإننا كنا نعمل في الصيف على نقل سكان العين الى أبوظبي لقضاء فترة الصيف في أبوظبي ونعود بهم بعد قضاء اجازاتهم في أبوظبي وكنا نأخذ في النقلة الواحدة روبيتين على الفرد في كل رحلة وكان هذا المبلغ كبيراً رغم ان الرحلة الى أبوظبي كانت تستغرق احياناً 12 يوماً ذهاباً ومثلها عودة ولكنها كانت رحلة رائعة حيث كنا نستريح خلال هذه الرحلة في اكثر من مكان حيث الآبار كانت تنتشر على طول الطريق، وعندما اقول ان روبيتين مبلغاً جيداً فذلك لأن جونيه العيش كان سعرها 6 روبيات ومن القهوة كان بربع روبية وجوال الحب كان سعره روبية ونصف الروبية اما العنز فكان سعرها نصف روبية واذكر انني اشتريت ذات يوم عنزتين بروبية واحدة، وفي نفس الوقت كنا نبيع جوال الفحم بدرهم او اثنين حسب نوعه. اما الفحم فكنا نجمعه من ملاقط مزيد حيث كنا نجمع الحطب حيث لم تكن الارض تعطينا في ذلك الوقت البترول وكانت الزراعة محدودة وابرزها المانجو الذي كنا نجمعه للشيخ شخبوط بن سلطان ومن قبله الشيخ خليفة الاول كما عملت في ذلك الوقت كجامع لايجارات مزارع الشيوخ وكانت العملة في ذلك الوقت البيسة العمانية. ويضيف خلفان النيادي ان البوش كان حياتنا وعليه اعتمادنا في ذلك الوقت وكنا نبيع بضائعنا احياناً على الطريق بين دبي وعمان والشارقة حيث كنا «ننيخ» البوش في هذه المناطق ثم نبيع ما يحتاجه الناس في الصحراء من بضاعتنا ونكمل الطريق الى وجهتنا، وفي الحقيقة انه في هذه الرحلات لم يكن شيء يقلقنا سوى الخوف من قطاع الطرق حيث كان اللصوص ينتشرون في المناطق الواصلة ما بين دبي والعين بكثرة وذات مرة خرج علينا لصان من قطاع الطرق وكنا في ذلك الوقت، ولكي نتقي شرهم نعين حراسة ليلية لحراسة بقية القافلة اثناء الليل فما كان من القائم بالحراسة الا انه استنجد ببقية القافلة حيث هاجموا اللصين فقتل واحد وقبضنا على الثاني.. وفي الحقيقة فإن البوش كان لها دور رائع في حماية القافلة حيث كانت تصيح ليلاً عندما يقترب احد قطاع الطرق، كانت البوش هي حياتنا وعليها معاشنا ومن كان لديه ناقة كان كالذي لديه مرسيدس حديثة الآن فقد كان يستطيع التنقل بها ويستطيع حلبها والطعام منها كما كان يعتمد عليها في اشياء كثيرة في حياته. ويتذكر خلفان اول مرة ركب فيها طائرة وكانت طائرة مروحية يقول: ذات يوم مرض ابن لي مرضاً شديداً فقررت ان اسافر به خارج العين لعلاجه وذهبت للشيخ شخبوط رحمه الله اطلب منه السفر لعلاج ابني فوعدني خيراً وفي طريق عودتي قابلت الشيخ زايد فحكيت له السالفة فقال لي سوف ارسل لك مبلغاً اضافة للمبلغ الذي سيرسله لك الشيخ شخبوط وفعلاً ارسل لي مبلغاً من المال حيث ركبت طائرة مروحية الى قطر وكان ذلك في بداية الستينيات من القرن الماضي. ويتذكر النيادي ان الانجليز كانوا يتخذون من حصن الجاهلي مركزاً لهم ويستعينوان ببعض ابناء العرب في قيادتهم للمنطقة وكانوا في ذلك الوقت يعطون الجندي العربي راتباً جيداً. ويتذكر خلفان انه تزوج زوجته الاولى التي توفاها الله بمهر عبارة عن عنزة ومبلغ صغير من المال ولما ماتت تزوجت زوجتي التي لا تزال معي الآن بمهر بلغ 800 روبية وفي الحقيقة فإن زوجتي هذه عاشت معي ايام القحط واحتملت الحياة التي كانت صعبة جداً واذكر اننا كنا في ايام القيظ والمجاعات نعيش على اكل الجراد الذي كان يمثل اللحوم بالنسبة لنا واللبن والتمر وفي احدى فترات القحط التي مرت علينا دعينا الى عزومة اقامها احد كبار القبائل وكان معنا اناس آخرون في هذه العزومة وعندما رأوا الذبيحة قاموا بالهجوم عليها والفرار بها تاركين الآخرين بلا طعام فعدوت خلفهم وقبضت عليهم وعندما عدنا كرروا فعلتهم مرة اخرى وفي هذه المرة عدوت خلفهم وصديق لي حتى قبضنا عليهم واخذنا منهم الذبيحة واستولينا عليها بمفردنا وذلك عقاباً لهم. وقال ان الشيء الوحيد الذي لم يكن يفارقنا صغاراً وكباراً هو السلاح ولذا كانت القبائل عندما يشب ابن منها تقوم بتدريبه فوراً على السلاح واذكر اننا كنا ذات مرة في السيح وكانت هناك شجرة ظليلة فرقدنا مع بعض نستظل بها مع بعيرنا وبوشنا وجاء لصوص يزحفون نحونا ونحن نيام وكانت الدنيا ليل والرؤية منعدمة تماما وشعرت البعير بهم لأنها كما قلت لك تشعر بحركة الغرباء ليلاً وهنا صاحت البعير صياحاً عالياً ثم هبت واقفة فقمنا فزعين من نومنا وانخناها اعتقاداً منا انها فزعت من شيء آخر الا انها عادت للصياح مرة اخرى ولكن بشدة هذه المرة وعندها قمت باطلاق رصاصة في الهواء فما كان من اللصوص الا ان هربوا صارخين طالبين النجدة والرجاء بعدم قتلهم. ومع ذلك ولأننا لم نكن نستطيع رؤية اي شيء في الظلام فقد صرنا نضرب في كل اتجاه حتى هربوا وهم يقولون لنا لا تقتلونا نحن اصدقاء!! فقراء لكن كرماء في الحقيقة نحن كنا فقراء لكن في الوقت نفسه كنا كرماء جداً كنا نكرم الضيف جداً ولابد لأي ضيف يحل علينا ان يشرب من اللبن والقهوة وكان في ذلك الوقت اجر العامل او البيدار الذي يعمل عاماً كاملاً عرق واحد من النخلة من نهاية كل موسم عندما تطرح ومع ذلك كان اصحاب المزارع يستكثرون عليه هذه الاجرة ويتشاجرون معه. وعن اصل اهل النيادات يقول ان اصلهم من نجد وكان العرب القديمة تنطقها «نيد» ومن هنا جاء اسمها الذي استقر في النهاية على النيادات. واضاف الحاج خلفان انه حج مرة وكانت العودة من موسم الحج بمثابة العودة مرة اخرى الى الحياة لمشقة السفر وخطورته حيث كان البعض يموت خلال هذه الرحلة الشاقة والتي كانت تستغرق 4 شهور كل عام وكانت الحجيج تخشى من سفرة الحج لانقطاع الطريق خاصة في الربع الخالي حيث الحرارة نهاراً وقلة الطعام والوحوش والرمال المتحركة ليلاً فضلاً عن اللصوص وقطاع الطرق، وكانت الناقة تربى 5 سنوات خصيصاً لرحلة الحج ولكن عندما جاء زايد شبعت الناس كثيراً ولم يعد هناك احد جائع ابداً بل ان الشعوب التي عاشت معنا اصبحت غنية مثلنا واعظم ما في حكم زايد انه انقذنا من الخوف والفزع الذي كنا نعيشه قبيل حكمه. ويضيف في الماضي كانت البندقية جزءاً من حياتنا واليوم هناك شرطة وقانون ودستور نسير عليه جميعاً. في الماضي لم نكن نسمع شيئاً عن العالم الخارجي واليوم كل العالم معنا ونسافر الى اي مكان في الدنيا بسهولة وليحفظ الله لنا زايد.