أضحى استخدام الهاتف السيار «الموبايل» أحد مظاهر الممارسات اليومية الشائعة في العاصمة السودانية الخرطوم، وسائر المدن السودانية الكبرى، بعد ان ظلت هذه الخدمة حكراً على الاثرياء، والوجهاء نحو ثلاثة او اربعة اعوام مضت، لكنها الان اضحت خدمة شعبية يمكن لسائر افراد المجتمع السوداني امتلاكها. وكان الهاتف السيار، الذي انطلقت خدمته في السودان في العام 1996، حكراً على رجال الأعمال وكبار المسئولين في الدولة والممثليات الدبلوماسية والمنظمات الاقليمية والدولية عندما طرحت الشركة السودانية للهاتف السيار «موبتل» حزمة خدمة رجال الأعمال، لكن الشركة الوحيدة التي تقدم هذه الخدمات في السودان عدلت عن سياساتها التسويقية وطرحت تباعاً حزمتي: «الخدمات المنتظمة» للمهنيين وصغار رجال الأعمال، و«الخدمة مدفوعة القيمة مقدماً» لبقية شرائح المجتمع ورجال الأعمال العابرين والمغتربين، وبذا بات امتلاك «الموبايل» شأنا شعبياً من المقدر لاي فرد من افراد المجتمع امتلاكه. ويقول ابراهيم احمد الحسن مدير التسويق بالشركة السودانية للهاتف السيار ان المشترك السوداني لطيف وحساس وتصعب ترضيته، فيما يرى العديد من مستخدمي «الموبايل» ان الخدمة التي تقدم لهم سهلت العديد من الاعمال واختصرت الزمن، وعلى الرغم من شكواهم من ارتفاع كلفة المحادثات قليلاً الا انهم يرون ان «الموبايل» اضحى ضرورة حياتية يومية لا غنى عنها. «البيان» جالت عبر دهاليز عوالم «الموبايل» في الخرطوم واعدت التقرير التالي: نادي حملة الموبايل في مشهد اعاد الى اذهان السودانيين ظواهر الصفوف «الطوابير» الطويلة المملة، العامرة بالتناقضات، مثل صفوف الخبز، والسكر، والبنزين.. الخ التي ميزت سنوات الندرة السودانية، يتدافع السودانيون هذه الايام منذ الصباحات الباكرات نحو مراكز توزيع بطاقات الهاتف السيار المدفوعة القيمة مقدماً «موبي بيد» والتي يسعى غالبية افراد الطبقة الوسطى الى امتلاكها للانضمام الى نادي «حملة الموبايل» بعد ان اصبح امتلاك «الموبايل» ضرورة حتمية لكل فرد من افراد المجتمع السوداني في ظل تمددات ثورة الاتصالات الكاسحة. وليس غريباً ان تشاهد عشرات السودانيين يكتظون منذ الفجر امام مراكز توزيع بطاقات «موبي بيد» في مدن العاصمة السودانية الثلاث: ام درمان، بحري والخرطوم للفوز ببطاقة تمكنهم من الاتصال، او تلقي الاتصال، متى ما شاءوا، مع من شاءوا، وفي اي مكان.. واي زمان، في واحدة من محطات ثورة الاتصال المثيرة المندفعة بسرعة الصاروخ والتي سيصبح في عصرها «الموبايل» خدمة شعبية لدى غالبية شرائح المجتمع السوداني. عقدان الا قليلا.. دخلت خدمة الهاتف السيار «الموبايل» السودان في النصف الثاني من سنوات التسعينيات من القرن الماضي، وأضحت هاجساً سودانياً منذ نحو عقدين الا قليلاً، وهي تخطو مسرعة لاكمال عقدها الثاني تسعى الى ادخال غالبية شرائح المجتمع في سياقها بما تظفر به من اثارة ومنافع حينما بدأت خدمة الهاتف السيار في السودان في العام 1996م كان امتلاك «الموبايل» دليلاً على الثراء والوجاهة الاجتماعية، وكان احد عناصر الحداثة المثيرة للمشاعر المتناقضة، وكان مجداً بذاته.. او هكذا كان ينظر اليه الكثيرون، وكانت كلفة الاشتراك عالية جداً، وكانت ايام عز ومجد لـ «الموبايل» الذي أمسى احد مفردات لغة «البوبار» والفخر، ودخل «شيلة» العروس وهدايا العاشقين لدى أفراد الطبقة السودانية الناعمة، وتسرب الاغنيات الشعبية التي تمجد الاثرياء، وكان عزيزاً ونادراً كـ «لبن الطير». وقدمت الشركة السودانية للهاتف السيار «موبتل» التي غامرت بادخال «الموبايل» الى السودان خدماتها في البداية ضمن حزمة واحدة واسمتها «حزمة رجال الأعمال» وكانت كلفة الاشتراك غالية جدا حيث بلغت مليونا و500 الف جنيه سوداني ـ نحو «600» ستمئة دولار اميركي ـ وكان المشترك يحاسب على الاتصالات المرسلة والمستقبلة، وظلت الخدمة الاكثر ارتباطاً بالحداثة والعصرنة حكراً على الأثرياء فقط، حتى ان نكتة راجت بكثافة عن «الموبايل»، عندما افاد تقرير ان نحو «5%» من السودانيين يستخدمون «الموبايل»، وتقول النكتة ان «5%» من السودانيين يتكلمون بـ «الموبايل» و«95%» يتكلمون مع أنفسهم. ولكن سرعان ما اعادت «موبتل» النظر في سياساتها التسويقية وقدمت خدمتين جديدتين «حزمة الخدمات المنتظمة» و«حزمة الدفع المقدم» وأجرت توسعة كبيرة على شبكة الهاتف السيار، الامر الذي أحدث نقلة نوعية هائلة احالت «الموبايل» من جهاز لا يمتلكه الا الاثرياء الى جهاز شعبي في أيدي الطلاب والمهنيين والعاملين والجزارين وبائعات الشاي والقهوة والباعة الجوالين وسواهم، وأمسى رنين «الموبايل» يسمع في البيت والشارع والمكتب والمقهى ومركبات النقل العام وقاعات المحاضرات. ثقافة الاتصالات وهكذا عرف المجتمع السوداني ثقافة جديدة يمكن تسميتها «ثقافة الموبايل» واستطاعت هذه الثقافة ان تحول مراكز خدمات «موبتل» التي توزع عبرها بطاقات الدفع المقدم «موبي بيد» الى ملاحم يعجز رجال الشرطة عن تنظيمها، وفتحت مجالات عمل جديدة رافقت انتشار استخدام «الموبايل» مثل محال بيع الأجهزة وملحقاتها، ومحال الصيانة، ومحال بيع بطاقات اعادة الشحن. جمال منصور صاحب محل بيع وصيانة اجهزة «الموبايل» اوضح ان معدل البيع والشراء والاستبدال والصيانة ارتفع بنسبة تفوق الـ «100%» خلال هذا العام، ويعزو ذلك الى سهولة امتلاك الخدمة وولع السودانيين بمتابعة اخبار بعضهم البعض، وأهمية «الموبايل» البالغة في عصر الاتصالات. وارجع اسباب امتلاك «الموبايل» لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، سيما من الطبقة الوسطى، الى اهتمام المغتربين والمهاجرين السودانيين باخبار اهلهم وأصدقائهم ذلك لان الاسرة السودانية اسرة ممتدة ومتكافلة الامر الذي يجعل من متابعة اخبارهم مهمة شبه مستحيلة يستطيع «الموبايل» تسهيلها وذلك عبر تحرك حامله من بيت الى بيت لتلقي المكالمات، مع ملاحظة قصور خدمة الهاتف الارضي على بعض مناطق العاصمة ومدن السودان الاخرى و«الموبايل» يسهم في حل هذه المشكلة. وعندما سألناه عن اكثر الاجهزة رواجاً في السودان اجاب بسرعة: «نوكيا» لماذا ـ سألناه ـ فرد قائلاً: كما تعلم فان السودانيين يميزهم الذوق الجماعي، انظر الى السيارات، اكثرها رواجاً «اليابانية» وفي السيارات اليابانية تجد ان سيارات «تويوتا» هي الاكثر رواجاً في السودان، والسجائر تجد ان «البنسون» الانجليزي هو الاكثر تدخيناً بعد «البرنجي» السوداني، وهكذا، شخصياً لا ارى ان جهاز «نوكيا» هو الافضل، لكن الذوق العام اختاره فماذا نفعل؟، «لا شيء ـ قلنا له. صعوبة ارضاء المشترك ابراهيم احمد الحسن مدير المبيعات والتسويق بالشركة السودانية للهاتف السيار «موبتل» قال لـ «البيان» ان المشترك السوداني يميل الى استخدام الهاتف في محادثات مطولة تفوق المعدل العالمي، واضاف: ان تسعيرة المحادثات لدى «موبتل» منخفضة مقارنة مع التعرفة المطبقة في معظم دول العالم سيما دول الظروف المشابهة. واوضح الحسن ان «موبتل» ابتدعت تقليداً يتمثل في اقامة احتفالات حال بلوغ عدد مشتركيها رقما معينا وغالباً ما تشرك زبائنها في هذه الاحتفالات بدعوتهم لحضورها، وأشار الى ان «موبتل» احتفلت ببلوغها «100.000» مئة الف مشترك، واتصلت بالمشترك رقم «100.000» لتخطره بفوزه بجائزة قيمة جدا لكنه لم يصدق وافترض ان في الامر مقلب او «كاميرا خفية» لكن المشتركة، واسمها «زكية زكريا» حضرت الاحتفال واستلمت جائزتها. وبين الحسن ان المشترك السوداني لطيف وحساس يصعب ارضاءه، مشيرا الى ان «موبتل» تسعى الى تفصيل الخدمات لكل شخص على حده مع الاخذ في الاعتبار العلاقات الاجتماعية السودانية الممتدة واواصر الترابط التي تميز المجتمع السوداني، ولاحظ الحسن ان استخدام الجنس اللطيف للهاتف السيار يمثل ظاهرة آخذة في التمدد، مبيناً ان النساء يبدين حرصاً بالغاً بسداد فواتيرهن في مواعيدها، فيما يميز طلاب الجامعات العمل في اطار حزمة «الدفع المقدم» معتبراً انهم شريحة مهمة جداً لـ «موبتل». واوضح الحسن ان «موبتل» وضعت برامج طموحة لتقديم خدمات متميزة وذات ابعاد انسانية وثقافية واجتماعية مشيراً الى العمل على تغطية طرق المرور السريع مبيناً ان طريق الخرطوم ـ مدني تمت تغطيته بنسبة «90%»، فضلا عن اجراء توسعة للشبكة للتوفيق بين معادلات سعة الشبكة وانخفاض التعرفة والاستخدام المتزايد للهاتف السيار، واكد سعي «موبتل» الى الوصول الى نسبة كبيرة من افراد المجتمع السوداني في اطار اولوياتها القصوى. وبين الحسن ان بعض المدن الصغيرة هاتفت بعضها عن طريق الموبايل، حيث لا يوجد هاتف ارضي، وكانت سرعة الخدمة وقوة الشبكة مصدر دهشة لساكني تلك القرى. واشار الحسن الى ان «موبتل» وقعت اتفاقات التجوال الدولي مع «63» مشغل تغطي معظم دول العالم. وختم الحسن حديثه لـ «البيان» بالاشارة الى ان الموبايل ربط بين المغتربين السودانيين وأسرهم داخل الوطن، وقال: ان المغتربين من أهم شرائح المشتركين بالنسبة لـ «موبتل» مشيرا الى ان الخدمة متوفرة لهم فور وصولهم البلاد ولدى «موبتل» موزع بالمطار لتقديم بطاقة الدفع المقدم وبطاقات اعادة الشحن. من جهته قال حبيب مساعد مدير ادارة التسويق بـ «موبتل» لـ «البيان»: ان دخول خدمة الهاتف السيار الى السودان شكلت طفرة كبرى في خدمة الاتصالات سيما وان بلداناً عديدة لم تكن بها خدمات هاتف سيار، سيما بلدان الجوار الافريقي والعربي، مشيراً الى ان الطلب على الهاتف السيار في السودان كان كبيراً عند دخوله خدمة G.S.M الآمنة حيث يصعب افتراق المكالمات او التشويش عليها. وأوضح حبيب ان «موبتل» تتيح خدمتي التجوال الدولي والانترنت عبر خدمة «موبي نت» وهي حاليا تعد الاسرع في السودان رغم حداثة التجربة بالنسبة لـ «موبتل». لعنة سوء الادارة وما ان تتجول في العاصمة السودانية، ومختلف المدن السودانية الكبرى، الا ويستوقفك استخدام «الموبايل» في بلد توصف عادة بالفقر والمسغبة، لكن ثورة الاتصالات تقهر عديد العوائق وفي طليعتها الفقر والعوز. عثمان الامين طالب بكلية الاداب بجامعة الخرطوم، قال لـ «البيان»: ان «الموبايل» يسهل على العديد من المصاعب ويختصر الوقت ويسهم في حل عديد من المشكلات، فهو سهل الاستخدام وسريع، كنا على شاطيء النيل نسمر مع زملائنا من الجامعة، غرق احد الطلبة فكان «الموبايل» هو المنقذ الحقيقي لحياة زميلنا. فيما قالت ليميا الجبلي من كلية الاقتصاد ـ قسم الادارة بجامعة الخرطوم: ان ما يشاع عن فقر السودان والسودانيين ليس صحيحاً كلياً، انظر الى كمية السيارات المستوردة التي تجوب شوارع الخرطوم وحدها، انظر الى العمارات التي استطالت... الخ، السودان ليس بلداً فقيراً لكنه يعاني لعنة مستديمة في سوء الادارة، ان الموبايل الذي يكلف ثمنه والاشتراك فيه نحو «200» دولار ليس دليلا على الثراء بأية حال، هذا مبلغ تافه بكل المقاييس، والخدمات التي يقدمها تساوي اضعاف.. أضعاف ما انفق فيه، فاستخدام «الموبايل» يمكنك انقاذ حياة صديق او اخ ما فيكم من المال يمكنك تقدير هذه القيمة، ان الطلاب يستخدمون «الموبايل» لانه يمثل رمزاً من رموز الحداثة والعصرنة شأن «الموبايل» و«الانترنت» وان لم يستخدم منجزات العصر الطلاب فمن بالله عليك يستخدمها. الدكتور خالد عبدالعزيز اختصاصي الاطفال قال لـ «البيان»: ان الهاتف السيار وسيلة عصرية لها من السلبيات مثل ما لها من الايجابيات، لكن دعنا نركز على الايجابيات لان لكل عملة وجهين، صحيح ان بعض الفئات الاجتماعية المحافظة مازالت تنظر الى «الموبايل» نظرة ريبة وشك، وهم محقون في بعض الشك، سيما وان السودانيين ميالين للحديث بالهاتف كثيراً، لكن من فوائده لدى فئة العاملين بالمجال الصحي لا تحصى ولا تعد، و«الموبايل» انقذ حياة الكثيرين وهذا يحمد له. فتحية ـ ذكرت اسمها الاول فقط ـ وهي «حنّانة» تبرع في نقش رسوم الحناء الرائعة على أيدي وأرجل النساء والفتيات قالت لـ «البيان»: ان «الموبايل» سهّل عليّ اداء عملي بأسرع مما كان عليه، وهو أحد عناصر الوجاهة، ان تمتلك «موبايل» يعني ان لك شخصية مميزة. وبعد هاهم السودانيون يقفون مجدداً على واحدة من اهم محطات ثورة الاتصالات، تلك العلامة الفارقة في عصر العولمة، يهاتفون بعضهم، ويتلقون الاتصالات اينما كانوا، يثيرون النكات وينشرون الضحك العامر على امتداد المليون ميل مربع، وكثير من الحكايا التي تعزز حقيقة ان السودانيين شعب محب للحياة والمرح والوجاهة، قاهر للعبوس والاكفهرار، وما ان يجد وسيلة يسلي بها عن نفسه، او تربطه بمنجزات عصره الا واخذها مأخذ الجد، الم يقل مبدعهم الكبير الروائي الطيب صالح: «نحن قوم منقطع بنا فحدثونا احاديث تسري عنا». فضلا عن اهميته القصوى، وضروراته التي لا تحصى، اصبح «الموبايل» واحداً من اهم عناصر «النجدة» في الازمات، و«البشارة» في الافراح. الخرطوم ـ محمد الأسباط: