اطلقت وزارة التنمية الاجتماعية الاردنية مؤخراً، استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر من اجل «اردن قوي». وتسعى الاستراتيجية الى اقامة وتطوير نظام شبكة امان اجتماعي يتناسب مع خروج الاردن من دائرة البلدان ذات الدخل المتوسط الادنى واندماجه السريع في الاقتصاد العالمي، آخذة بعين الاعتبار الوضع الاقتصادي على ارض الواقع. وتستدرج «الاستراتيجية» المعلومات التي ستصل في النهاية الى فهم ظاهرة الفقر وقياسها وتقييمها خدمة لصانع القرار الاردني على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية بشكل افضل. وترى «الاستراتيجية» ان جهداً سيوصل في آخر المطاف الى زيادة فرص التشغيل في المناطق الريفية والنائية والثانوية من خلال النهوض بهذه البيئات بمساعدة انسانها دون التواكل على العون الرسمي المستمر حيث تشير الى ان الاجدى والاكثر نفعا لانسان تلك المناطق اتاحة الفرصة له ليستخرج دخله بنفسه من خلال بدء الحكومة في دفع الكرة الى الأمام، وان ما على الريفي الا ان يحافظ على تدحرجها باستمرار. على ان ذلك لا يعني ان الحكومة ستوقف او انها اصبحت غير معنية بالمعونة المقدمة للمنتفعين الحاليين من صندوق المعونة الوطنية بل انها اكثر من ذلك معنية بتوسيع قاعدة المعونات والقضاء على الازدواجية في برامج المعونة ودعم برامج التمويل المستدام وتحسين الامن الاقتصادي للاسر العاملة المتدنية الدخل وفقا لحسابات تنمية موارد الفقراء. وتعتقد «الاستراتيجية» ان عليها توفير العناية بكافة اشكالها للمواطن الفقير وعلى رأسها العناية الصحية الكافية سواء من خلال توجيهها نحو الفرد او الاسرة، حيث العلاقة العضوية بين الفقر والوضع الصحي المتردي للفقراء وان تردي الوضع الصحي هو نتيجة حتمية للفقر. ظروف موضوعية وفي المقابل فان الاوضاع الصحية المتردية سبب رئيسي لزيادة الفقر وانخفاض مستوى المعيشة ككل، ومن هنا فان الرعاية الصحية وانظمة الخدمات الجيدة تعمل على كبح معدلات النمو السكاني وتخفض معدلات الاكتظاظ السكاني في المدن وتحافظ على الحياة الضرورية وتقتصر من مصاريف الاسرة. اما من حيث التركيز على النظم التعليمية، فقد اكدت الاستراتيجية على ضرورة دراسة الظروف الموضوعية للتعليم في طبقة الفقراء، والتي تتمثل في ان اعدادا من الفقراء «الاطفال» لا يلتحقون بالمدارس نظرا لعدم توفر الملابس المدرسية لهم او اقلام الرصاص او الدفاتر، وبالتالي وجوب تفعيل دور الدوائر والمؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية وقادة المجتمع المحلي ورجال الدين لضمان اتخاذ اجراءات توائم بين طبيعة العملية التعليمية وظروف الفقراء. إن أي مواطن أردني لا يحصل على مبلغ 313.5 ديناراً يعد تحت خط الفقر في المملكة هذا ما اشارت اليه «الاستراتيجية» بناء على هذا الرقم ايضا يدور عملها العام. ويعيش ما نسبته 15 الى 30% من سكان الاردن تحت عتبة الفقر نتيجة ظروف موضوعية متراكمة تلاحقت واحدة تلو اخرى. اندلعت حرب الخليج فانخفضت تحويلات المغتربين وعاد جزء كبير منهم الى بلادهم فارتفعت معدلات البطالة.. ومن هنا يأتي سعي «الاستراتيجية» الى تطوير فرص العمل المتاحة للفقراء وايجاد وظائف تتطلب اجورا متدنية عادة وتكون ذات اثر فعال في تحسين الاوضاع الفردية وترويج تنمية المجتمع المحلي، وهي تنظر الى هذا على قاعدة ان المجتمع الاردني بحاجة الى استحداث ما لا يقل عن 45 الف وظيفة جديدة سنويا لاستيعاب العمال الجدد الداخلين الى سوق العمل بالاضافة الى ثمانية آلاف وظيفة اخرى اذا اردنا البدء بعملية تخفيض معدل البطالة المرتفع. ومن هنا ايضا جاء تركيزها على اهمية فتح «حسابات تنمية موارد الفقراء» لتأمين دخل غير متقطع اثناء فترات البطالة او الحالات الطارئة التي تحل بالاسرة جراء المرض او العجز او الوفاة بالإضافة الى تأمين رأس مال يستخدم لاغراض تطوير المشاريع والتعليم العالي وشراء اجهزة لتوفير المزيد من فرص النجاح في العمل. اما عن طبيعة التمويل المطلوب لاستدامة مكافحة الفقر فان عليه ان يكون متكيفا وفق حاجات الفقراء ومستجيبا لحاجات المجتمع المحلي. الانفتاح الاقتصادي ويتقاطع نهج هذه «الاستراتيجية» مع «سياسة الانفتاح الاقتصادي» بصورة تبدو تصادمية احيانا، فعلى الرغم من ان المفهوم الاقتصادي النظري يفترض ان يكون قد حصل اردنيا تحسن في مستوى معيشة المواطن بحسب الجهد الرسمي والتصريحات الحكومية المتفائلة، الا انه في واقع الامر حدث تراجع مستويات في المعيشة لاغلبية شرائح المجتمع الاردني ولعل اهم اسباب ذلك الاختلال في توزيع الدخل بين شرائح المجتمع، بحسب اعتراف أمين عام وزارة الصناعة والتجارة سامر الطويل في تصريحات له سابقة. وهذا ما دفع الحكومة لاحقا الى اعتماد برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي جاء متوسطا بين «الاستراتيجية» و«الانفتاح الاقتصادي» من اجل النهوض بالمواطن الاردني ومساعدته على الخروج من دائرة الفقر او الحاجة، اي بما يعني بصورة من الصور «اصلاح الاصلاح» للمزاوجة بين مطالب المؤسسات الدولية من صندوق النقد الدولي وغيره من جهة وحاجة المواطن الاردني من جهة أخرى. وكانت الحكومة الاردنية قد تبنت البرنامج في منتصف نوفمبر الماضي من العام 2001 بعد أن اظهرت سياسة الانفتاح الاقتصادي انعكاسات سلبية منظورة ادت الى انخفاض درجة الحماية للصناعات المحلية ما يعني تهديد العاملين فيها وتركهم امام وحش البطالة، حيث عمدت هذه السياسة على تخفيض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة مما انعكس على زيادة حدة المنافسة التي تواجهها الصناعات الوطنية في السوق المحلي التي لم تكن ومازالت غير مهيأة للتعاطي مع هذا النهج. وعلى الرغم من هذا كله فان ذات السياسة ادت الى زيادة حجم النمو في الناتج المحلي الاجمالي الذي بلغ 4.2% مع الاشارة الى ان الظروف السياسية الاقليمية والدولية السائدة منذ 11 سبتمبر العام الماضي انعكست سلبا على اداء العديد من القطاعات خاصة النقل والسياحة وعلى اقبال المستثمرين الدوليين الى المنطقة نتيجة الوضع غير المستقر، الا أن العقبة التي واجهها هذا البرنامج هي في التمويل خصوصا وان مبالغ «التحول» لن تأتي على حساب الموازنة كما تم التأكيد عليه منذ الاعلان عنها. وهذا ما أشار الى شيء منه وزير التخطيط الاردني د. باسم عوض الله خلال الاجتماع التنسيقي الذي عقده مع ممثلي خمس وثلاثين دولة ومؤسسة مانحة حيث أوضح ان تمويل تنفيذ المشاريع التنموية ضمن برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي يتم ضمن نهج علمي دقيق ووفق سلم محدد للاولويات يعتمد على احتياجات كل محافظة ومعدل البطالة والفقر في كل منها. وقال الوزير الاردني ان وزارة التخطيط تعمل بالتنسيق مع الوزارات المعنية والمحافظات لمتابعة تنفيذ المشاريع التي يشتمل عليها برنامج التحول، مؤكدا على ان كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية استكملت اعداد خطط العمل والبرامج الزمنية اللازمة لتنفيذ المشاريع الخاصة بها بحيث تم البدء بتنفيذ العديد عن المشاريع ذات الاولوية مثل مشروع التدريب الوطني ومشاريع الاضافات الصفية لمدارس وزارة التربية والتعليم لاسيما في المناطق الفقيرة والعديد من مشاريع المياه والتعليم العالي والتدريب المهني والانشاءات. ولم ينس د. عوض الله دعوة الدول والمؤسسات المانحة الى دعم المملكة والاسهام بشكل فاعل في تنفيذ مشاريع البرنامج التي تبلغ كلفتها التقديرية للعام الحالي 27 مليون دينار التي تهدف بالدرجة الاولى الى تحسين مستوى معيشة الفرد وخلق فرص عمل وقال ان تحويل هذه المشاريع لن يكون على حساب الموازنة العامة للمملكة وانما هو برنامج مستقل عنها. وأكد وزير التخطيط الاردني ان الاردن يحتل مكانة مهمة في المنطقة ويلعب دوراً اساسياً في تحقيق الاستقرار السياسي ودعم القضية الفلسطينية، في اشارة فهمت على انها دعوة للنهوض بالاقتصاد الاردني بغية المحافظة على قدرته في المساهمة بحفظ أمن المنطقة. وما تطمح اليه الحكومة الاردنية كما كشف عنه د. عوض الله ان تعمل الدول المانحة على دعم المملكة في مسألة اعادة جدولة ديونه لدى اعضاء نادي باريس خلال اجتماعهم في يوليو المقبل. وتركز حزمة البرنامج على تعزيز انتاجية وكفاءة الاقتصاد الوطني من خلال الاستثمار الرأسمالي العام في تنمية الموارد البشرية وتحسين الخدمات الحكومية الاساسية وتنمية المحافظات والاستثمار في الاصلاحات الهيكلية والاصلاحات في الإطار المؤسسي والتنظيمي والرقابي والسياسات والاستثمار الرأسمالي الخاص في المشاريع التنموية والتطويرية ومشاريع التخاصية، والتي تتزامن مع بيئة تشريعية ومؤسسية ترفع من قدرة القطاع الخاص على استيعاب زخم العملية التنموية. ومن بين ابرز المشاريع الريادية التي تضمنها «التحول الاقتصادي والاجتماعي» برنامج تعزيز الانتاجية الاقتصادية والاجتماعية الذي يسعى الى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة في كافة محافظات المملكة وفق اسس ترتكز على الانتاجية والكفاءة والاستدامة في عملية التنمية، وسيتم بموجب البرنامج انشاء وتطوير حوالي 400 مشروع انتاجي ريادي في كافة محافظات المملكة وتقديم التمويل والتدريب والمعونة والاستشارة لاصحاب هذه المشاريع بالاضافة الى البنية التحتية اللازمة لدعم نشاطات هذه المشاريع، بالإضافة الى تنفيذ البرنامج من خلال فعاليات القطاع الخاص، حيث تم افتتاح ستة مراكز لتطوير الاعمال الى الحافظات ضمن المرحلة الاولى من هذا المكون وسيكتمل انشاء 20 مركزاً مع نهاية شهر يوليو من هذا العام. معاناة المواطن ولكن نهج الحكومة في «اصلاح الإصلاح» لا يعني انها لا تحمل جزءاً من المسئولية فيما يتعلق بمعاناة المواطن للمواطن نفسه حيث تنطلق من نقطتين الاولى «الثقافة الاستهلاكية للمجتمع» والنقطة الاخرى «الثقافة الانجابية للمجتمع». وهذا ما اشار سامر الطويل أمين عام وزارة الصناعة والتجارة عندما قال ان هناك تغييرا في النمط الاستهلاكي للفرد حيث اصبح المواطن ينفق جزءا اكبر من دخله على السلع والخدمات التي لم تكن اساسية واصبحت تستحوذ على جزء غير قليل من الدخل خاصة في مجال الاتصالات والمركبات والمجالات غير الانتاجية. اما عن ما يمكن وصفه بـ «ثقافة الانجاب» فقد علق ذلك امين عام وزارة الصناعة والتجارة بقوله ان المجتمع الاردني ذو تركيبة سكانية فتية حيث يزيد عدد المواطنين في الفئات العمرية الصغيرة بشكل كبير مما يؤدي الى ارتفاع عدد الداخلين الى سوق العمل مشيراً الى ان عدد الاردنيين الذين يصلون الى سن العمل سنويا يبلغ 120 الفا ويشكلون ما يزيد على 11% من حجم العمالة الاردنية مما يشكل تحديا كبيرا لاستيعاب هذه الاعداد مهما بلغ حجم النمو الاقتصادي. واشار الى انه يجب أخذ البعد السكاني بعين الاعتبار عند رسم السياسات الاقتصادية والتنموية ووضع سياسة جريئة للتعامل مع هذه المسألة، منوها ان برنامج الحكومة للتدريب المهني الذي يجب ان يستهدف احلال العمالة الاردنية محل الاجنبية بشكل متوازن مع متطلبات تشجيع الاستثمار. وقال ان وزارة الصناعة والتجارة قامت بوضع خطة استراتيجية لخمس سنوات تتضمن رؤية لدور الوزارة في بناء وتعزيز الاقتصاد الوطني بهدف تحسن مستوى معيشة المواطن من خلال تقديم خدمات ذات كفاءة عالية في اطار من الشراكة مع القطاع الخاص. وأكد على ان الحكومة تعمل على تحسين البنية التحتية وتنمية الموارد من خلال مشاريع التدريب المهني والاصلاح الاداري لاجهزة الدولة مما سيوفر مناخا مناسبا لاستقطاب الاستثمارات العالمية في قطاعات الصناعة والخدمات وخاصة القطاع السياحي لما يمتلكه الاردن من ثروات فريدة لجذب الاستثمارات في هذا القطاع. وتوقع ان يتحسن اداء الاقتصاد الاردني بصورة جيدة خلال السنوات المقبلة في حال تحسن الوضع السياسي في المنطقة. ولكن هل المنطقة مرشحة للهدوء ام العكس هو المتوقع او المؤكد؟. عمان ـ «البيان»