هناك أقدم مدينة في التاريخ او ثانيها بعد اريحا، سكنها الانسان منذ سبعة الاف سنة وتعاقبت على العيش بها عشرات الثقافات البشرية فتم ادراجها بجدارة على لائحة التراث العالمي، لتبقى شاهدة على الكثيرين كما يقول المؤرخ فوريس دونان في كتابه عن «جبيل» التي كانت تعرف باسم «بيبلوس». وقال فيها ان أهم ميزة لهذه المدينة هي وجود حضارة سبعة آلاف عام متراكمة في بقعة واحدة من الارض. وتقع منطقة «جبيل» الى الشمال من بيروت وعند منتصف الطريق تقريباً بينها وبين طرابلس. وفي عصر الكمبيوتر والانترنت والتطور الهائل في المجالات كافة ومحاولة التهيؤ لمستقبل يبدو اكثر تطوراً تتمنى جبيل ان تقفز بها عقارب الساعة والزمن الى الوراء ولم لا طالما ان الحاضر يظلمها في حين انصفها الفينيقيون ومنحوها القاباً وأدواراً حضارية مازالت تحملها حتى الان فيما يرميها ويظلمها الحاضر في بؤر النسيان. وقد شكل ذلك لغزاً لمن أتوا من بعدهم من: «ارنست رينان»، «بيار مونثييه»، «موريس دونان»، على سواهم من اكثر المؤرخين وعلماء الاثار والحضارات الذين قضوا وهم ينقبون عن اسرار بيبلوس وكنوزهم الدفينة، دون ان تنتهي مهمتهم، وستبقى مطروحة برسم التواصل والاستمرار لاحقاً وحاضراً، حيث مازال هناك الكثير ممن لم يتم اكتشافه من الاثار الفينيقية، الصليبية، الامورية، الفرعونية، الاشورية، البابلية، الفارسية، الاغريقية، والرومانية وغيرها. يحتار الزائر الى جبيل من اين يبدأ، فانطلاقاً من مرفئها القديم الذي صدر الابجدية «ايام الفينيقيين»، والتحف والصباغ الارجواني والزجاج وخشب الارز، صعوداً نحو القلعة الصليبية وكنيسة مار يوحنا مرقس الصليبية، ومنطقة السوق القديم، الى متحف الشمع الذي يجسد مشاهد من تاريخ لبنان، تبدأ الرحلة وتطول ولا تنتهي او لعلها لن تعرف نهاية في مدينة الالغاز والتاريخ هناك. بين الماضي والحاضر تغيرت الحياة في المنطقة ـ المدينة لكن الانسان بقى فيها باستمرار، لم ينقطع عنها يوماً على مر الدهور والعصور، وقد تكون بيبلوس من ابرز مناطق العالم ترشيحاً للفوز بلقب «اقدم مدينة مأهولة بدون انقطاع». اثار ومعالم لذلك، فالجولة هناك لا يمكن ان تنتهي، وان انتهت شكلاً الا انها تبقى ناقصة من دون النزول الى باطن الارض ومحاكاة حقائب من تاريخ مر منذ قديم الزمن، فاصبحت العصور فوق بعضها البعض، اشبه ما تكون بعمارة من طبقات شاهقة، من الصعب الصعود فيه دون مصعد سريع!. وعلى سبيل المثال، توجد الى الشمال من بيبلوس بلدة «عمشيث» التي تشتهر بمنازلها التقليدية الجميلة، ومن بينها منزل المؤرخ الفرنسي «ارنست رينان»، الذي عاش هناك في القرن التاسع عشر، كما تضم مدفن شقيقته «هنر بيت»، ونواويس رومانية وغيرها.. وفي الجهة الجنوبية لجبيل، وعلى بعد حوالي ستة كيلومترات، يتدفق نهر ادونيس المعروف بـ «نهر ابراهيم» الشاهد على اسطورة ادونيس العالمية الذي روى ذلك المكان بدمائه فازهرت شقائق النعمان، وصبغت مياه النهر باللون الاحمر. وتكثر المواقع الاثرية والتاريخية الاخرى في بيبلوس، ومن ابرزها: بقايا بوابة المدينة من الالف الثالث قبل الميلاد «ق. م»، وتقع الى يسار الداخل الى القلعة الصليبية. ويخترق هذه البوابة سوران، ولا تزال تظهر عليها بعض اثار الحريق والتي تذكّر بالاحتلال الاموري للمدينة «2150 ـ 2000» ق.م. بقايا السور القديم الذي اقيم قبل العام 2500 ق.م. اساسات المعبد الكبير الذي اقيم حوالي العام 2700 ق.م، ولاتزال حجارة مدخل صحنه تشير الى انه تعرّض للحريق في اثناء الغزو الاموري، ويبدو ان الاجران الخزفية المغروسة في مصطبة خلف المدخل كانت معدّة لمياه الغسل او الوضوء. معبد الانصاب، وكان في الاصل مشيّداً فوق المعبد الكبير، غير ان علماء الاثار نقلوه الى موضعه الحالي ليتمكنوا من التعرف الى البنى التي كانت تحته. اما الانصاب الصغيرة التي يحتويها، فقد كانت عبارة عن نذور، في حين ان النصب الرئيسي كان رمزاً مقدساً، وقد تم العثور فيه على تماثيل برونزية موشاة بالذهب، وهي محفوظة حالياً في المتحف الوطني في بيروت. «عين الملك»، وقد كان في الماضي منبع المياه الرئيسي داخل اسوار جبيل، ويتم النزول اليه لاستقاء المياه عبر درج لولبي بني بمحاذاة الصخر، وقد تكون هذه العين الموضع نفسه الذي تأتي الاساطير على ذكره، عندما تتحدث عن زيارته «ايزيس» الى جبيل للبحث عن «أوزوريس». بقايا بيوت من نهاية الالف الرابع ق.م. بقايا ثلاثة بيوت من النصف الثاني من الالف الرابع ق.م، احدها ينتهي بحنية، او بمحراب قد يشير الى صفته الدينية، وعلى مقربة منه بيت اخر لايزال يحتفظ بقواعد اعمدته السبعة. بقايا القصر الكبير الذي يعود الى الالف الثالث ق.م، ولاتزال بعض غرفه الفسيحة تحتفظ بقواعد الاعمدة التي كانت تحمل السقف، والتي يبلغ عددها في كل غرفة خمسة عشر عموداً. اساسات بيوت من الالف الثالث ق.م. اساسات بيوت من العصر الاموري 2150 ـ 2000 ق.م. مستوطنة العصر الحجري الحديث، وعصر الحجر والمعادن «الالفان السادس والرابع ق.م»، وفيها ارضيات اكواخ ذات حجرة واحدة بأرضية مكسوة ببلاط كلسي، وفي المواقع بعض بقايا مدافن من تلك الفترة، الى جانب بيت ذي محراب، واخر ذي غرف متعددة، ويُرجّح انهما كانا معدّين للعبادة. مقالع تعود الى الفترة الامورية. بقايا معبد «بعلة جبال» الذي اقيم في وقت كانت فيه المدينة على علاقة اقتصادية وتجارية وثيقة بمصر، وقد استمرت الطقوس في هذا المعبد منذ حوالي 2700 ق.م، حتى العصر الروماني. المسرح الروماني «يعود الى العام 218 بعد الميلاد ب. م، والمدافن الملكية وهي من تسعة ابار محفورة في الصخر، وفسحة مزينة بعدد من القطع الحجرية المزخرفة، وجزء من رواق الشارع الذي كان يخترق جبيل في العصر الروماني «حوالي 300 ب. م»، واسوار وزلاقات من الالفين الثالث والثاني، وسبيل المياه الروماني، والقلعة الصليبية مع حصن اقيم في العصر الفاطمي وهي تتألف من برج رئيسي يحيط به حوش، وسور منيع تدعمه اربعة ابراج زاوية، وبرج خامس اقيم في وسط الجدار الشمالي، وخندق، اضافة الى بعض الترميمات العائدة الى عصري المماليك والعثمانية، اضافة الى القلعة الفارسية، ومتحف الشمع. فيض من الاهمال تلك بعض معالم بيبلوس ـ جبيل التي حضنت الكثير من الثقافات والحضارات وارتكزت على التعددية، فهي اليوم رمز للتعايش بين جميع الطوائف في لبنان. لكن بموازاة الوجه الحضاري للمنطقة يبرز الوجه السلبي وقد تطغى المشاكل والتجاوزات البيئية على ما عداها من معالم. كما تغيب شبكة مياه الصرف الصحي،وتدل الدراسات ان 80 بالمئة من المياه الجوفية هناك ملوّث او معرّض للتلوّث. وتبدو المشكلة الابرز في رمي النفايات في البحر، اضافة الى التعديات على الشاطيء، وابرزها حاصل في «السنسول»، وقد بلغت تلك التعديات والسلبيات مسامع العالم، فهددت الامم المتحدة باسقاط جبيل عن «لائحة التراث العالمي»، واستمر الحال على ذلك المنوال، فتحركت البلديات، وعالجت بعض المشكلات، اما البعض الاخر فهو الاخطر والادهى، ومن الصعب علاجه على المستوى البلدي والهيئات المحلية، وبالتالي لابد من تدخل الدولة التي تثبت تشبثها بمبدأ اصرارها على ان تكون «آخر من يعلم»، رغم انها العالمة بكل شيء، وان «الشمس طالعة والناس قاشعة»، كما يقول المثل. اهالي جبيل غارقون في قراءة التاريخ هذه الايام يبحثون عن صورها البهية ايام الفينيقيين وعلى مر العصور، ويتمنون لو عاد اجدادهم الفينيقيون يوماً علهم يعبدون واياهم مجداً ضاع وتبعثر وتبخر!. بيروت ـ وليد زهر الدين