حكايتها ممزوجة بالاسطورة والواقع.. بين رمالها ونخيلها وأحجارها قصص من صبر الانسان وعبقريته وجبروته انها سحر الشرق.. تدمر، حلم الاباطرة والملوك وملتقى تجار الغرب والشرق، بلغت اوجها السياسي والاقتصادي عندما تحقق طموح ملكتها «زنوبيا» فوصلت سواحل البوسفور شمالا ومصر غرباً وفارس شرقاً. وفي نشوة النصر، اتفق الاعداء والأصدقاء على توقف الطموح التدمري، فتلاشت الاحلام وسقطت القصور والمعابد وأقواس النصر التدمرية امام حقد وكراهية الروماني القادم شمالاً.. وأصبحت تدمر حلماً في صحراء متناهية تضم قصص البطولة وسحر الشرق. تدمر والتاريخ ذكرت في الرقم الاشورية المكتشفة في «كبادوكيا» الاناضولية، وفي الرُقم المسمارية الموجودة في قصر ملوك «ماري السومرية» وسجل اسمها في حوليات الامبراطور الاشوري «تفلات فلاسر وكلها تعود الى مطلع الالف الثانية ق. م والقرن «11» ق. م. يذكر المؤرخون الرومان والفرس والبطالمة بان الاميرة التدمرية «زنوبيا» ورثت عرش زوجها المقتول واذنيه بعدما اصبح ابنهما «وهب اللات» ملكا على تدمر، وزنوبيا وصيته لعرشه وتمتعت هذه المرأة بسداد الرأي ورجاحة العقل، وشدة المراس وتعاملت مع الأوضاع السياسية التي شملت الصراع بين روما وفارس بحذر شديد وابتعدت عن صراعهما، وبرعت زنوبيا بثقافة متميزة انذاك وهي معرفتها باللغات المنتشرة انذاك من تدمرية وفارسية ولاتينية ويونانية، واستطاعت بذلك ان تقود سياسة بلادها الخارجية بنفسها. في خريف 272 ق. م كانت النهاية المأساوية للملكة الخالدة عندما اقتيدت الى روما وهي اسيرة مكبلة بالسلاسل. روما العدو الناقم على استقلال تدمر ونجاح واحة الصحراء اقتصادياً وسياسياً وما بسطته من نفوذ شمل سوريا ومصر وآسيا الصغرى، وتحدت زنوبيا الامبراطورية الرومانية وحجمت دورها في شرقي المتوسط. وتروي الحوليات الرومانية ان زنوبيا ظلت اسيرة مكرمة في قصر «التيفولي بروما حتى وفاتها». ولعل اوابد تدمر الباقية حاليا لدليل ثابت لما كان لهذه المدينة من عظمة خالدة. يذكر علماء الاثار المختصون بالفن التدمري انه متأثر بالفن الفارسي المعاصر لتدمر، كما انه استقى بعض خصائصه ومظاهره من الفن الاغريقي، لكن روح تدمر وأنفاسها ظلت الاطار العام الأساسي لهذا الفن، وعندما بسط الرومان سيطرتهم السياسية على المدينة تأثر التدمريون بالفن الروماني اللاتيني. وفي كل يوم يتم اكتشاف آبدة جديدة في تدمر تجعلك امام فن متميز جمع خصائص الغرب والشرق. ويقسم الفن التدمري خمسة مشاهد هي: فن النحت الديني: ومن خلاله تجلى ادراك التدمريون وفهمهم للألوهية وهو يعبر من خلال خطوطه ورسوماته وبالتالي موضوعاته عن طقوسهم الدينية وآلهتهم المعبودة. فن النحت الجنائزي: تتضح فيه علاقاتهم الحميمة اجتماعياً وايمانهم بالبعث بعد الموت، وضمن هذا الاطار يلاحظ الزائر للمدافن التدمرية ان أهل هذه المدينة الاسطورية، اعتقدوا بشكل جازم بالحياة بعد الموت ولذلك جعلوا مدافنهم آية في الجمال وكأنها بيوتهم الثانية للسكن بعد البعث. الرسومات والصور الجدارية: وهي في معظمها ملونة باللون الاحمر وتزخر بها المعابد ودور السكن الخاصة لحاشية الحاكم ومن كبار التجار والمحاربين. المعابد: وهي كثيرة اشهرها «معبد الاله بعل» وشمس بعل ومعبد اللات وبلحمون ومناة. الابنية المدنية والثقافية: وهي كثيرة ومنتشرة في تدمر واطرافها منها «المسرح، الحمامات، مجلس الشيوخ، قلعة فخر الدين المعني.. الخ. قصص وحكايات تقص الحكايات ان الامبراطور الروماني «هادريان» منح تدمر لقب «المدينة الحرة» وردت تدمر الوفاء لهادريان فأطلق شيوخها وتجارها إسماً جديداً لها هو «هارديانا بالميرا» وفي زمن الامبراطور الروماني «سبتموس» وزوجته الحمصية «جوليا دومنا» بلغت تدمر مكانة المدينة المقدسة الاولى في الشرق. اما الامبراطور الحمصي الاصل ايضا «كركلا» فقد اعفاها من الضرائب والرسوم المفروضة على كل مدن الامبراطورية الرومانية، وأدى هذا الاعفاء لازدهار اقتصادي وعمراني واجتماعي جعلها درة حواضر الامبراطورية الرومانية الشرقية. لكن ملكها الشاب اذنية الطامح لقب نفسه «سبقموس اذنية» ملك الملوك ومصلح الشرق كله كما هو محفور تحت قاعدة تمثاله الكبير، كان يريد لمدينته ان تحصل على استقلالها عن روما وفارس، وبدأ ببناء جيش قوي، وتجارة مزدهرة واقتصاد قويّ واشاع الحرية في صفوف الشعب وأدار البلاد بحكمة وحنكة اطارها الحرية والديمقراطية، وبعد وفاته في معركة حمص سلم التدمريون زوجته زنوببا وابنه وهب اللات حكم المدينة كرد جميل لاذنية. معالم خالدة بين كل حجر وحجر تاريخ عريق لمدينة ساحرة، اثارها لا تحصى ما خفي في جوف رمالها اكثر مما ظهر على سطح رملها، ولعل اعظم المعمارية: معبد بعل: اكبر معابدها واكثرها روعة، تاريخه من مطلع القرن الاول الميلادي واجهته نحو الشرق تستقبل اول شعاع لشمس الصحراء الخالدة، لتمنح الخلود للاله «بعل» كبير الالهة التدمرية السورية.. يتألف من سور حجري جدرانه مزخرفة وحوله رواق محمول على أعمدة حجرية، حوله نقوش ورسوم تمثل مشاهد دينية اسطورية، وفيه اعمدة ضخمة جدا ارتفاعها جعل الناس تقول بان جن سليمان هم من بنوها، لعجز الانسان عن ذلك، ولكن الواقع ان عبقرية التدمري استطاعت تحقيق المستحيل في هذا البناء الذي كان سكناً للثالوث المقدس وبعل رب الارباب واله الشمس واله القمر». وبوابة المعبد على هيكل بوابات المعابد المصرية القديمة وعلى يمين باب المعبد رسم يمثل الالهتين «ملك + كجك» واقفين على مذبح عليه رسوم لانواع الفاكهة التدمرية وفوق المدخل نسر فرد جناحيه فغطى اسكف المدخل وحول الاجنحة صورة للشمس والكواكب وازهار اللوتس رمز الحياة عند المصريين، مما يؤكد التبادل الثقافي بين التدمريين والمصريين. اقواس النصر: وتواجه معبد بعل وهي على أطراف شارع النصر الشهير مكان عبور القادة المنتصرين وكبار التجار الاثرياء.. وحول الشارع عدد كبير من الاعمدة في قمة كل واحد منها قاعدة حجرية وضع عليها رؤوس لتدمريين نبلاء سجل في اسفلها المعلومات عن صاحب الرأس. وبوابة شارع النصر لها اقواس وثلاثة مداخل تؤدي للشارع وتفرعاته وهو مبني على الطريقة الرومانية المعمارية. معبد بنو: يقع على يسار الشارع الرئيسي الطويل ويعود بناؤه للقرنين الاول والثاني الميلاديين. المسرح: تم اكتشافه ورفع الرمال عنه عام 1952م. وهو على شكل نصف دائرة تحيط به مدرجات حجرية لم يبق منها سوى ثلاثة عشر درجة والمسرح التدمري يتكون من منصة التمثيل وحولها ثلاثة اواوين جمع «ايوان ورفعت محاربها تماثيل لربة الفنون، وللمسرح ثلاثة ابواب سقوفها مزخرفة. الاغورا: ساحة الاحتفالات الكبرى وباحتها واسعة تحيط بها اروقة داخلية مسقوفة ومنصة للخطابة، وللاغورا ثلاثة عشر بابا للدخول والخروج تسهيلاً للحركة، وتشير الكتابات المكتشفة في تدمر ان مجلس الشيوخ التدمري امر بصنع تماثيل للعظماء والوجهاء الاشراف تخليداً لهم توضع في ساحة الاغورا والساحات العامة. طريق الحرير امتازت تدمر عبر تاريخها وموقعها الجغرافي المميز في قلب البادية السورية «بادية الشام» بمكانة تجارية واعتبرت مركزاً اقتصادياً وطريقاً اجبارياً ومختصراً لتجارة العالم القديم انذاك، واستطاعت بقوتها العسكرية حماية هذا الطريق من القلاقل السياسية وقرصنة اللصوص، فسمي طريق تدمر بطريق الحرير الممتد من بلاد الشام وبلاد النهرين وايران وافغانستان والهند والصين والقادم نحو اليونان وايطاليا وبلاد الغال واسبانيا. يعني تدمر قلب التجارة العالمية القديمة ربطت الاطلسي غرباً بالهادي شرقاً. وبرع التدمريون في تنظيم وقيادة القوافل التجارية وتأمين سلامتها وأمنها باعتبارهم محاربين اشداء ودبلوماسيين بعيدي الرؤيا. ونقلوا عبر هذه القوافل التجارية الى الشرق والغرب الفن التدمري وثقافتهم وفلكلورهم وصناعتهم ومطرزاتهم، وقد وجدت في الصين والهند وتركمستان وطشقند اثار تظهر هذا التأثير في كل مناحي الحياة. كما عثرت البعثات المنقبة في تدمر وداخل مدافنها على قطع من قماش الحرير الطبيعي المصنوع في الصين، كما وجد حرير صناعة تدمرية خاصة، فالتدمريون يجلبون خيوط الحرير من الصين وشرق اسيا ويصنعون منها ثيابهم الشرقية المزركشة، ومنها ما كانوا يصنعونه مصبوغا بالارجوان لقياصرة روما وقادتها وكان مرفأ تدمر مدينة صور اللبنانية الحالية وانطاكيا السورية شمالاً. ان التدمريين بما حققته دولتهم من موقع واستقرار بكل مناحي الحياة جعلت مدينتهم «أقدم منطقة حرة للتجارة العالمية في العالم القديم انذاك». وتدمر ليست مدينة تجارية فقط بل هي واحة خضراء في الصحراء، قامت على نبع غزير الماء اسمه «أفقا» فالنخيل والزيتون رمزا الخير والعطاء والسلام يملآن اطرافها والنخيل والزيتون رمزا الخلود والتجذر في الارض مما يتوافق مع ايمان التدمريين بالخلود الابدي والرغبة بالحياة على امتداد التاريخ ولو تعرضت المدينة للدمار الكامل على يد الرومان وعادت تدمر من جديد واحة خالدة يسكنها سكان عرب مؤمنون بالخلود وقدرة الخالق على العطاء والحياة. أهمية سياحية وتاريخية لابد من كل زائر لسوريا بان يزورها فهي المكان الاكثر أهمية عند الزائرين ان كانوا شرقيين ام غربيين فالجميع يربطه بتدمر قصة مروية بتاريخ بلده القادم منه. وانت تخرج من تدمر ترى على مرتفع قلعة عربية الشكل منيعة الوصول الاّ بجسر خشبي يصل انهدام قاس ما بين اسوار القلعة واطرافها انها قلعة الامير الشوخي فخر الدين المعني الثاني استخدمها الفرنجة ومن بعدهم نور الدين زنكي وكانت العين الساهرة لحماية تدمر من الغزاة ترتفع 185متراً عن سطح المدينة. والزائر لمتحف تدمر الذي يحوي اثار المدينة ويختصر تاريخها عبر مئات السنين يقف امام تمثال اللات وهو عبارة عن أسد تدمري يَقْنُص غزالا ويمثل هذا النصب القوة التدمرية وخصوبة المدينة وهو من اجمل التماثيل السورية. ويقال بان اول من اتى بالتماثيل الى الجزيرة العربية والحجاز حصرا جاء بها من تدمر وادخلها في معتقدات العرب قبل الاسلام.. والأسماء المتداولة لآلهة تدمر هي نفسها اسماء ما تداوله سكان مكة والحجاز ولا ننسى ما لأواصر التجارة ما بين تدمر ومكة في القرون الميلادية الأولى. دعوة لزيارة تدمر حيث القديم يعانق الحديث حالياً امام تطور المنشآت السياحية لاستقبال زوارها. دمشق ـ وضاح محيي الدين: