نظرا لاستفحال قضية السكن العشوائي في مدينة دمشق، وضرورة ايجاد الحلول الصحيحة لها، فقد كانت هذه القضية تفرض نفسها على اهتمام الجهات المعنية، بهذا الشأن، وانطلاقا من ضرورة البحث في الحلول العلاجية والتنظيمية فقد انعقدت بدمشق ندوة نظمها المجلس الأعلى للعلوم في وزارة التعليم العالي بالتعاون مع كلية الهندسة المعمارية بجامعة دمشق بحثت في هذه القضية، وناقش فيها عدد من الاختصاصيين الحلول الممكنة، وقد قدم المهندس هشام الساطي، والمهندس المعماري وليد سيروان محاضرة بعنوان «تصورات حول تسوية ظاهرة السكن العشوائي في مدينة دمشق». مخالفة مخطط التنظيم ان مناطق السكن العشوائي او مناطق المخالفات الجماعية هي المناطق التي تم فيها بناء المساكن من دون ترخيص نظامي من قبل الجهات المعنية، اذ شيدت هذه المساكن بصورة مخالفة للمخطط التنظيمي، ولنظام ضابطة البناء المعتمد لمدينة دمشق، وشكلت هذه المناطق حزاما يحيط بالمدينة، حيث تتميز المساكن بأنها غير فنية ودون خدمات مما يجعلها تسيء للوضع الاجتماعي والصحي والتربوي سواء للقاطنين فيها، او للمدينة. وتتحدد مناطق المخالفات الجماعية بمناطق شاغور بساتين، القدم وتوابعها، منطقة جوبر والزبلطاني، الاكراد وجبل قاسيون، كفرسوسة والمزة، برزة والقابون، دمر، قدسيا، الطبالة، وقد تجاوزت هذه المناطق الحدود الادارية لمدينة دمشق بسبب توسعها في بساتين الغوطة والاراضي المزروعة اذ اتصلت بالمناطق القريبة منها في ريف دمشق، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة دويلعة التي اتصلت مع منطقة جرمانا والدخانية الواقعتين ضمن الحدود الادارية لمحافظة ريف دمشق. وتقدر الجهات المختصة عدد سكان هذه المناطق بـ 700.000 نسمة، وهي تضم الشرائح الفقيرة، التي لم تعد قادرة على تحمل الغلاء وارتفاع مستوى الحياة في المدينة، والمهاجرين من الارياف والفئات النازحة التي هي عائلات الجنود والعمال وبعض الموظفين، وكذلك الفئات التي جرى اخلاء بيوتها، وهدمها في بعض مناطق التنظيم بمدينة دمشق. تجار المخالفات ويضيف المحاضران ان هناك فئة ساعدت في انتشار هذا السكن هي فئة تجار المخالفات والمستغلين، وتنقسم هذه المناطق حسب توزعها الى فئتين، الفئة الاولى تقع في مناطق توسع المدينة وتخضع للتخطيط او التنظيم او الاستملاك، والفئة الثانية يقع قسم منها في مناطق التوسع في حين ان مناطق اخرى تقع في الاراضي الخضراء. ويرى المهندسان ان عدم اتخاذ اجراءات شديدة وصارمة في العقود الماضية ساهم في زيادة توسع هذه المناطق الامر الذي خلق أزمة فعلية تتجلى في صعوبة تنفيذ مخططات تنظيمية للمناطق المعدة لاحتواء التوسع، وكرست حالة التجاوز على القانون والنظام العام، حيث ادى ذلك الى تعذر تنفيذ شبكات مياه نظامية مما أدى الى السطو على شبكتي المياه والكهرباء. كما ساهم ذلك في زيادة التلوث للمياه الجوفية وانحسار المناطق الخضراء حول المدينة، وظهور عجز في خدمات مناطق المدينة. انعكاسات خطيرة لقد أدى هذا الوضع الى حدوث انعكاسات على سكان هذه المناطق خاصة على المستوى الاجتماعي بسبب الوضع غير الطبيعي الصحي والعمراني وصعوبة تأمين المتطلبات الأساسية لحياة المواطن، اما فيما يخص انعكاساتها على وضع مدينة دمشق فانها تتجلى في تشويه صورة المدينة وتهديد وجودها نظرا لتوضع مناطق المخالفات في مناطق تنظيمية، او تخطيطية، وزحفها على مناطق خضراء زراعية، وباتت تشكل عمليات تخديمها عبئاً على حساب الخدمات المطلوبة في المدينة، كما ان اثارها ساهمت في زيادة الهجرة من الريف، وتحول المواطن من منتج الى مستهلك. من هنا فان الاخطار الناجمة من هذه الظاهرة، تستدعي ايجاد الحلول لها، وقد قدم المهندسان في ورقتهما عددا من المقترحات والحلول التي تسعى لاعادة التوازن قدر الامكان والحد من هذه الظاهرة، وهي تتمثل في حلول نظامية مخططة، وبعيدة المدى وحلول علاجية، اما الحلول الاولى فهي تستند الى وضع مخطط اقليمي للقطر يقوم بتوزيع السكان والمناطق السكنية على أساس توفر المواد الطبيعية والضرورات الاقتصادية، والعمل على ازالة الفوارق بين الريف والمدينة، بالاضافة الى انشاء مجمعات ووحدات سكنية متكاملة في الريف، وكذلك تنفيذ مشروعات لارواء المناطق الزراعية من خلال مخطط اقليمي شامل، وتطوير وانعاش الصناعات الريفية الخفيفة وتشجيع اقامة المشاريع الصناعية خارج المدينة وتحسين شبكات الطرق والنقل ووسائل المواصلات، والعمل على تشجيع الهجرة المعاكسة وإعطاء العاملين الذين ينتقلون الى الريف ميزات في الراتب والترفيع، ونقل ما امكن من المؤسسات والإدارات الحكومية الى المناطق التي تلائم طبيعة عملها. الحلول العلاجية اما الحلول العلاجية فتتمثل في ان حل مشكلات هذه المناطق لا يكون ابدا بتثبيتها في وضعها الراهن، على ان يحدد وضعها وفقا للمخطط التنظيمي العام للمدينة والمخطط الاقليمي الشامل، كما يجب ان يكون تنفيذ اي مشروع خدمات فيها على أساس تقديم المتطلبات الأساسية الضرورية للسكان وفق خطة تعمل على تذويب هذه المناطق تدريجياً في التنظيم، مع اتخاذ اجراءات حاسمة وفورية لقمع المخالفات، من خلال وضع حدود واضحة لمناطق المخالفات بالسرعة الممكنة، ووضع الضوابط واصدار التشريعات والمراسيم الحازمة لايقاف انتشار هذه المناطق افقيا وعاموديا وداخل وخارج حدود المناطق، بالإضافة الى اعادة النظر في أنظمة تسوية المخالفات، واجراء مسح اجتماعي شامل لسكان وإعطاء مزايا للهجرة المعاكسة، واجراء احصاء اجمالي وعدم اعطاء من يخالف بعد هذا التاريخ اية ميزة عند الاخلاء ثم العمل على إزالة المخالفات تدريجيا واعتماد مبدأ الاستئجار من القطاع العام للمساكن الشعبية لتخفيف سيطرة تجار البناء. ويفرد الدارسان بابا خاصا للحلول المتعلقة بالمخالفات في المناطق المنظمة والمخالفات في المناطق غير المنتظمة، ففي الحالة الاولى يجب تنظيم هذه المناطق بأسرع ما يمكن، والإسراع ايضا في تنفيذ المرافق الاساسية وهي الشوارع الرئيسية وتفرعاتها الرئيسية وشبكات المياه والكهاريز والكهرباء والهاتف، الى جانب تنظيم المدارس والمستشفيات والحدائق والملاعب حسب الافضلية وحاجة كل منطقة، ومن اجل تحقيق ذلك يتوجب اعداد تخطيط المناطق المراد تذويبها في المخطط التنظيمي وبناء على واقعها، على ان يتم استصدار التشريع اللازم لذلك، واعتماد البرنامج الزمني الثابت لانجاز ذلك. انذارات بالإخلاء وكذلك اسكان المنذرين في البيوت الجديدة التي تقع مساكنهم المخالفة في مواقع الشوارع الرئيسية حسب التنظيم ومواقع المرافق العامة. وبقية المنازل الواقعة في منطقة المخالفات المراد ازالتها بحيث يتم التعويض المناسب للسكان المنذرين وان تعطى لهم الأفضلية الاولى في الحصول على مساكن القطاع العام في المناطق المنظمة وفي الريف وعن طريق الايجار ولمرة واحدة بسعر مناسب، وأخيرا بناء المنطقة التي تمت ازالتها وفتح الشوارع فيها لاستيعاب الوحدات السكنية النظامية. وفيما يخص المخالفات في المناطق غير المنظمة فيحددان الاجراءات المطلوبة في عدم اعطاء اية مزايا خدمية للسكان المخالفين، وعدم التعويض عليهم عند الاخلاء، ووضع برامج ازالة مناطقهم لاسيما الواقعة منها في المناطق الزراعية، ومنحهم افضلية الحصول على مساكن القطاع العام، اما المناطق التي يمكن تنظيمها كجبل قاسيون وبرزة فانه يجب، تنظيم المنطقة ورسم حدودها، ومنع توسع المنطقة خارج هذه الحدود المرسومة، وكذلك تأمين الحد الأدنى من الخدمات المطلوبة لهذه المناطق على أسس واقع كل منطقة. واذا كانت هذه الحلول المقترحة تعبر عن اقتراحات نظرية عملية، فانها ترفد الاقتراحات العديدة التي طرحت من قبل، ويمكن لهذه الغاية تشكيل لجان دراسة مختصة، وتسريع عملها لكي لا تظل هذه المشكلة تتزايد وتتسع حتى يغدو من الصعب مواجهتها، والعمل على حلها، بحيث تتحول الى واقع مفروض بالقوة فهل تسارع الجهات المختصة من اجل حل هذه المشكلة الصعبة، وتضعها في مقدمات اولوياتها. هذا ما نحتاجه بالتأكيد. دمشق ـ يوسف البجيرمي